المقالات
السياسة
لويثان جديد!
لويثان جديد!
03-28-2015 10:12 AM


*(مأساة الحياة هي ما يموت داخل
المرء أثناء حياته..).
-ألبرت شفايتزر-
.. اللويثان، هو الوحش الأسطوري، الذي يرمز إلى الشر والقوة. ألّف الفيلسوف الانجليزي توماس هوبز (1588-1676) كتاباً بهذا العنوان، واللويثان ورد ذكره في سفر أيوب. لنقل اليوم؛ هذه الأحابيل التي تعيد تشكيل تصوراتنا وقناعاتنا، إنها القوة اللا محدودة للميديا الأخطبوطية التي بلغت ذروة قوتها (الانفجار الاتصالي عن بعد) كما يسميه الفيلسوف الما بعد حداثي (فرانسوا ليو تار) إنها أشبه بهذا اللويثان!
مع هذا اللويثان، يمتثل الإنسان لإعادة فبركته، ليتحول إلى كائن ممغنط، يمكن التحكم به عن بعد! كيف نما هذا اللويثان الكوني، وصار قوة تفوق القوة الحربية؟! منذ ظهور الانترنت في مطلع التسعينيات من القرن الماضي لاحظ الخبراء ازدياد عدد المستخدمين، من عدة ملايين إلى مليارات من البشر، أغلبهم من القطاع الشبابي، وصارت وسائل الإعلام الاجتماعية حقيقة من حقائق الحياة اليومية بالنسبة للمجتمعات في جميع أنحاء العالم. وبرزت المعلومة كسلعة جديدة يمكن استخدامها استخداماً سحرياً في عالم القرية الكونية! وصار اللويثان الجديد يتكون ويتدرع بكل الأدوات القابلة للتوظيف في خدمة المصالح السياسية والاقتصادية للقوى المتحكمة بوسائل الاتصال، وتحديداً الولايات المتحدة الأمريكية التي أطلقت هذا الوحش، ليكون عنوان القرن الحادي والعشرين في خدمة الإمبراطورية الجديدة!
إن عالم الميديا المهيمن اليوم، عالم بلا ثقافة، رغم أنه عالم تدفق المعلومات، فهذه المعلومات المتدفقة التي تدمر كل ما هو كلاسيكي في الإنسان، هي معلومات قابلة للمحو الدائم، إن الذاكرة البشرية لا تخزنها، وهي قابلة للتلف، لا للأرشفة! ورأى منظرو عصر المعلومات إن هذه ميزة عظمى، تناسب آلية الاستهلاك المطلوبة اليوم! فكما أن كل إنسان يحتاج المعلومة، كذلك كل إنسان يحتاج السلعة الجديدة، من ميزاتها أنها تستهلك بسرعة قصوى. فقبل أن يرتد لك طرفك، يتم طرح موديلات جديدة، تجعل ما هو بين يديك، وما كنت تتفاخر به ركاماً ممقوتاً! ضمن هذه الآلية من التدفق، ثم الاستهلاك السريع، ثم تحويل كل شيء إلى كم هائل من النفايات المتدفقة، والمتراكمة، هكذا تكتمل الدائرة اللويثانية. أو الدوامة التي تنبذ كل ما هو جوهري أو كلاسيكي في الإنسان! فالمعلومة الجديدة هي ابنة الميديا، يصنعها من هم أكثر مهارة في الكتب والترويج! وليست المعلومة ناتجة، كما في السابق، عن التأمل أو التجريب! والسلعة أيضاً؛ الكلاسيكية إلى المتحف، أما الجديدة، فهي مدموغة بماركة ما، وهويتها متعددة الجنسيات! أما إذا كنت من هواة اقتناء الماركات النادرة، فهذه إيقونات، تليق فقط بالاستثنائيين من أصحاب الثروات النادرة!
أما كلمة (ثقافة)، فهي تستخدم استخداماً غير كلاسيكي، في الميديا، فالثقافة هي مجموعة المعلومات التي تقدمها الميديا عن الثقافة، فلا قيمة للوحة لا يروج لها، ولا قيمة لقصيدة، أو لرواية، أو لموسيقا. أو لمطرب، أو لكاتب، أو لتاريخ، لا يدخل في دائرة اللويثان!
واللويثان له مسابقاته السنوية، وجوائزه المبهرة! والكل يوظف ضمن هذا (الاتضاع المؤسس) بحسب ماركوز، الذي هو نقيض للتسامي، كيف لا، أليس التسامي مفهوماً كلاسيكياً؟! ويصبح الكاتب واحداً من آلاف المتسابقين في حلبة مفتوحة، والكاتب الذي يفوز في السباق، ينال الجائزة، يكرم، ويدلل في مهرجانات اللويثان، لمدة شهر أو نصف شهر، ثم يتحول إلى نفاية حسب الآلية! ويلقى به مع اللجنة الفاحصة، التي يُكشف عنها، في سلة المحذوفات! فأي رواية في زمن اللويثان، وأي إبداع؟!
إن ما يتجشأه هذا اللويثان هو الخداع والأكاذيب. وصدق بودريار حين قال: (إننا نعيش في فلك الظواهر الخيالية، أو المخادعة، وإن الحقيقة ولت مثلما ولى العقل التنويري، وإن الواقع اليوم مشروط بكليته برقصة الصور الزائفة المتكاثرة) كبيض البعوض! والصفة الأخيرة من إضافتي. وإذا كانت الثقافة في القرن التاسع عشر قد عرفت بأنها نقد للدين وللمجتمع، فالثقافة اليوم، باعتقادي، ولكيلا يبقى الإنسان رهينة الميديا، وفريسة بين فك اللويثان الجديد، يجب ان تكون نقداً لا هوادة فيه للميديا وأشباحها. الميديا التي حولت الإنسان من لاعب نرد، إلى أن يكون النرد نفسه!.
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 742

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1236176 [kaka]
5.00/5 (1 صوت)

03-28-2015 02:19 PM
like

[kaka]

الدكتور نائِل اليعقوبابي
الدكتور نائِل اليعقوبابي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة