سبعة غرباء في المدينة
03-30-2015 09:51 AM


في يوم الكارثة ، خرج الرقيب عبد الحي الى المدينة الصغيرة كعادته ليشتري مستلزماته القليلة، من التبغ ودقيق الذرة ولحم السمك المجفف. ثم مر في طريقه لشراء العرقي، قبل أن يعود الى مكان عمله في الحامية الواقعة خارج المدينة. حين يذهب لشراء العرقي يكون في العادة مرتديا ملابسه العسكرية الكاملة. لكن لا أحد يأبه له، ولا يحصل ولا حتى على قطرة خمر إضافية، لقاء حضوره الرسمي، تمازحه بائعة العرقي قائلة في كل مرة: اذا كانت الحكومة تريد أن تغيب عن الوعي فماذا يفعل الناس الآخرون؟
يبتسم الرقيب عبد الحي، ابتسامة حكومية باهتة، يمسحها بسرعة من وجهه حتى لا يعطي انطباعا ان السلطة يمكن ان تمزح مع بائعات الخمور البلدية. لكن لا أحد يخصه بأية معاملة خاصة بوصفه ممثل السلطة، تقول صاحبة الانداية موضحة: الناس يموتون بالجوع والاطفال لا يذهبون للمدرسة وهناك من يريد اقناعنا انه توجد حكومة. هذه مجرد عصابة تعيش على حساب الغلابة، حين تنفد النقود في ايديهم يهاجموننا ويهاجمون التجار الفقراء لنهب نقودهم تحت اسم الضرائب او الزكاة او الغرامات. إنه نهب مسلح لا يختلف كثيرا عما تقوم به عصابات الشفتة، لا فرق سوى أن العصابة تعيش في الجبل والحكومة تعيش في القصر! يذّكرنى حال هذه الحكومة برجال الشرطة الشباب الذين يعيشون في بيت به كل الممنوعات من عرقي ومخدرات، ويجلسون طوال الليل للعب القمار، وحين ينفد الشراب، يتذكروننا ويتنادون للخروج في حملة لتطبيق القانون! لضبط باعة الخمور التي يصادرونها مننا ثم يعودون للشراب ولعب القمار! حتى ينفد الشراب مرة أخرى فيتذكرون أن هناك قانون يجب تطبيقه!
تقول له بائعة العرقي: مهلا يا سعادة الجنرال، سأعطيك طلبك خلال دقائق. يسعده الإنتظار بأكثر مما تبهجه الترقية الإستثنائية التي تغدق بها عليه، بائعة العرقي، دون الحوجة حتى لأية قرار جمهوري. إنتظار الشراب كما كان يقول، جزء من طقوس الاستمتاع بالشراب نفسه، نفس بهجة عريس ينتظر عروسه التي ستزف إليه في ليلة عمره، نفس بهجة وأشواق طفل في إنتظار أن يحضر له والده لعبة طال أمد إنتظارها.
ترفع النسيم صاحبة الانداية معه أحيانا كل الحواجز، حتى أنها تحكي له همومها مثل صديق عزيز، رغم أنه لا يرد في معظم الأحيان مخفيا مشاعر تعاطفه خلف تجهمه الرسمي الطيب، لكن النسيم تعرف أنه رجل طيب وانه يعاني مثله مثل البشر، رغم مظاهر السلطة البائسة في ملابسه ووجهه الجاف الذي يتوسطه أنف ضخم ، وحتى لا تبدو مظاهر ضعف سلطته مثل شلوخه التي اختفت تقريبا من وجهه بسبب سوء التغذية والخوف من المجهول. كان يقوم آليا ببرم أطراف شاربه الضخم الذي يشبه شارب ممثل في احدى الحلقات الدينية التلفزيونية. تحذره النسيم مازحة: كن حذرا من لمس شاربك ولا تنس غسل يديك حتى لا تنتقل صبغة الشعر الى فمك! بسبب السن وضخامة الجسم لا تتحرك النسيم كثيرا من كرسيها، كرسي ضخم من الحديد منسوج بحبل كان ملونا لكنه فقد لونه مع مرور السنوات، هي نفسها تبدو في كرسيها بوجهها الضخم كأنها تجلس فيه منذ الأبد، يستحيل تخيل شكلها بعيدا عن الكرسي. مثل حبل الكرسي فقدت هي أيضا بسبب الزمن وعوامل التعرية لون جسمها، حتى أنه بات من المستحيل خاصة في الضوء الخافت تحديد لون جسدها. عيونها كانت بارزة، تبدو وكأنها ستسقط في أي لحظة من وجهها، فيما يخيم شبح إبتسامة قديمة فوق شفتيها المتشققتين اللتان تمسحهما مع جسدها بزيت السمسم لعلاج جفاف وتشقق الجلد. يختلط جسدها في الضوء الخافت، كومة من اللحم والعظم تبرز منها مثل عيني ضفدع مسن، عيونها التي تسبق جسدها الى نقاط الضوء.
العرقي ممنوع حسب قوانين الدولة، لكن الرقيب عبد الحي لا يجد غضاضة في شربه، لم يشغل نفسه بالتفكير كثيرا لم تمنع الحكومة شراب العرقي، لكنه وبمجرد شراب الكأس الأول حين يرخي المساء سدوله بعد أن يبق طوال النهار فريسة لقلق انتظار مغيب الشمس حتى يبدأ الشراب، مجرد أن تلامس شفتيه حموضة الكأس الأول حتى يصل الى يقين أن الحكومة التي تريد حبس مواطنيها طوال اليوم في سجن الوعي، بمشاكله الكثيرة، منصرفات الأطفال وعلاجهم، الفقر والحرب والمجاعة. هي دون شك ليست حكومة صالحة. مثل مريض تجرى له عملية جراحية في بطنه أو قلبه دون تخدير، تريد الحكومة أن تجرب في جسدنا مختلف العمليات الجراحية لتحدد مشكلة الجسد، دون إستخدام تخدير، والسبب كما يعلنون دائما، هو التضخم الناجم بسبب الحصار الاقتصادي الذي تمارسه علينا الدول الكبرى!
مهمة الرقيب عبد الحي هي حراسة المتمردين الذين تلقي وحدات الجيش القبض عليهم، معظم هؤلاء المتمردين يتم القبض عليهم عشوائيا ولا دليل على أنهم بالفعل متمردون، معظمهم أشخاص عبروا بالصدفة في مناطق تكون تحت سيطرة قوات حركة التمرد، أو عثر عليهم قريبا من بعض المناطق الحدودية، التي ينشط فيها المتمردون. البعض يشتبه في أنهم متمردون لمجرد العثور على آثار متوهمة في أجسادهم ناتجة عن حمل البندقية على الكتف لفترة طويلة! يتم إيداع هؤلاء المقبوض عليهم في حراسة عبد الحي، وفي الغالب لا يطول حبسهم اكثر من يوم واحد ولا يكلفون الرقيب عبد الحي سوى وجبة واحدة من غذائه القليل، قبل أن يساقوا في الصباح التالي للإعدام رميا بالرصاص..
إستطاع الرقيب عبد الحي أخيرا توفير مبلغ ضئيل من المال أشترى به جهاز تليفون محمول ليطمئن من وقت لآخر على زوجته وأطفاله . الإشارات ضعيفة بسبب جبلية المنطقة يحتاج أحيانا لتغيير مكانه لتتحسن اشارات الجهاز، حين يصرخ أحيانا وهو يتكلم في الجهاز يهرع بعض جنود الحامية ظنا منهم أن هناك مشكلة ما، ليجدوا الرقيب عبد الحي يصارع شبكة الهاتف الضعيفة بصوت يهز الجبال، لايصال صوته الى زوجته. نصحه أحدهم مازحا: يمكنك في المرة القادمة أن تكلمها في الهاتف! بدلا من أن يعرف العالم كله أنك تشتاق الى زوجتك! كما إقترح أحدهم: لو ذهبت الى زوجتك مشيا على الأقدام لن تبذل نصف الجهد الذي تبذله في صراخك في الهاتف! وإقترح صديق آخر: هناك فتيات إثيوبيات جميلات في وسط المدينة، هيا معنا، حين تذهب معنا لن تحتاج لتصرخ هكذا لعدة أشهر! يوجد ما يكفي من الحب الصامت هناك. تستعيد شبابك وصوتك الذي يدوي طوال الليل بين الجبال.
حصيلة المرة الأخيرة كانت متمردا واحدا، كان يبدو مواطنا صالحا أكثر حتى ممن ألقوا القبض عليه.
جلس الرقيب عبد الحي على حصير أمام الزنزانة التي يقبع المتمرد داخلها. أحضر جركان العرقي وصحنا من البلاستيك الأحمر مملوء حتى وجهه بفتة الفول، شرب قليلا من العرقي، لا يذكر متى شرب شرابا بمثل هذا المستوى الجيد، لو أنه أشعل سيجارة ستشتعل دواخله من فرط نقاء العرقي، ضحك حين تذكر قصة رجل كان يهدد ستات العرقي يوم كسوف الشمس بالويل والثبور، ويقول لهن أن غضب السماء وانكساف الشمس بسبب غشهن للزبائن واضافة الماء للعرقي!
بعد الكأس الأول وبفعل تأثير الخمر الجيدة شعر بحاجته لتقديم معروف لشخص ما، برغبة لا تقاوم في حمل رسالة سلام يطوف بها العالم كله. يذهب الى كل مكان يموت فيه الناس بسبب الحروب والأوبئة، نظر الى ملابسه العسكرية، وحذائه القديم، وخمّن أن أحدا لن يصدقه! وربما يزفه الأطفال في الأزقة مثل معتوه متجول، إستعرض حياة كل الانبياء الذين يعرفهم ولم يتذكر نبيا واحدا كان يعمل عسكريا! لا يمكن لمن إمتهن حياة العسكر وقتل الناس دون حتى أن يسأل عن سبب القتل أن يشغل وظائف هامة بعد ذلك. يمكنه أن يعمل في بيع الحبوب بالمفرق في السوق، أو إفتتاح مطعم صغير لبيع الفول، يعرف رجلا كان يعمل عسكريا وحين تقاعد إفتتح بالمبلغ الذي حصل عليه كمكافأة على قتل الناس دون سؤال، مطعما لبيع أطعمة من لحم الجمل! يقولون أن لحم الجمل شهي وأنه يطيل العمر، فكّر هل أعطي ذلك الرجل المكافأة لأنه قتل الناس أم لأنه لم يسأل لم يجب عليه قتلهم! صرف النظر مؤقتا عن فكرة نبي السلام، مستعيضا عنها بمبادرة محبة تجاه السجين الذي سيفارق الحياة خلال ساعات قليلة. ذهب الى قطيته القريبة وبحث عن شئ ما، عثر على كوب زجاجي متسخ، به آثار سائل متيبس ربما كان قهوة أو شاي أو أية شئ آخر، سكب في الكوب دون ان يغسله بعض العرقي وناوله للأسير من خلال قضبان الباب قائلا في سره: سيموت غدا فما المانع أن يبتهج للمرة الأخيرة في حياته، ربما ان بقي سكرانا حتى الصباح لا يشعر ولا حتى بطلقات الرصاص.
شرب الأسير الكوب دفعة واحدة، وشكر عبد الحي، قال عبد الحي: هل أنت جائع ؟ يمكنني أن أعطيك بعض فتة الفول، قال الأسير، أريد كوبا آخر من هذا العرقي القوي، من المحزن ألا تكتشف وجود عرقي جيد مثله الا في آخر يوم في حياتك!.
لبث الرقيب عبد الحي برهة يفكر حين سمع قول الأسير، لم يعرف هل يبكي أم يضحك. كان يشعر بطيبة غير عادية تدفقت الى دواخله، كأن العرقي الجيد كشف الغطاء عن حقيقة نفسه العاشقة للبشر، والمحبة للسلام. لو كان يملك أية سلطة في تلك اللحظة لأصدر عفوا عن السجين وعن كل سجناء العالم. لكن لأن عين طيبة نفسه كانت بصيرة، ويد سلطته كانت قصيرة جدا حتى أنه لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة. فقد إكتفى بفكرة تخفيف أحزان السجين في ساعاته الأخيرة.
رن جرس تليفونه الجوال، فشرب بسرعة كأسه بعد أن اعطى السجين كأسا اخرى. كانت زوجته، يا للكارثة، صرخ بجزع: هل حدث شئ؟ ضحكت المرأة وقالت لا شئ، أحضر الولد رصيدا للموبايل وقبل أن ينفد فكرنا أن نسلم عليك، لأن الشبكة تكون قوية ليلا كما يقول الناس.
سألها عبد الحي عن الاحوال ثم سأل عن جار كان مريضا قبل فترة حين زار القرية عرف أنه أجرى جراحة كاد يموت بعدها بسبب جرعة مخدر زائدة. ضحك عبد الحي عليه وقال له: لماذا توقفت عن الشراب؟ لو كنت تشرب مثلنا العرقي ،لما شعرت أساسا بالمخدر. .
بعد ان انتهت المكالمة، قال الأسير: أنت تعرف عوض عباس اذن؟ هل عثر على إبنه أم لا يزال مفقودا؟
يا للكارثة قال عبد الحي في سره: لدينا أصدقاء مشتركين أيضا. ثم رفع صوته، لا يزال الولد مفقودا، يقال انه هرب الى الحبشة وتزوج بفتاة هناك. وبعض الناس يقولون انه قبض عليه بواسطة الجيش لاداء الخدمة العسكرية ومات في معارك الجنوب. لم يجد عبد الحي بدا من افشاء بعض الأسرار الزوجية ما دام محدثه سيفارق الحياة غدا. وستقبر أسراره معه الى الأبد، أشعل سيجارة القمشة ومد للسجين كيس التبغ والورق ليصنع بنفسه سيجارة وقال:
عوض رجل طيب لكن يقال ان زوجته عابثة، يبدو أن الحياة كانت صعبة حين سافر عوض قبل سنوات وانقطعت أخباره وكان لابد لها من تدبير أكل لصغارها. الحياة قاسية، وحين يجوع الانسان لا ينظر كثيرا الى مصدر أكل أطفاله. هو نفسه راجت أخبار أنه قبض عليه وهو يقوم بتهريب أسلحة من الحبشة. الناس كلهم يسرقون، وهو لم يسرق شيئا لكن القانون أعمى لا يعرف الرحمة.
قال الأسير: القانون أعمى دائما لكن حين يمر الضعفاء من أمامه يفتح عينيه جيدا!
عرف عبد الحي أن الأسير قال كلاما مهما، لكنه كان قد وصل نقطة اللاعودة في فهم أية شئ منطقي، يمكنه الآن أن يضحك أو يبكي دون سبب، ربما كان هناك سبب ما في دواخله يجعله يبدو كمن يبكي دون سبب، لكن رسالة المحبة التي إكتشف أنه يحملها تجاه العالم كانت تفرض عليه أن يضحك حتى لو سبه شخص ما أو ذكّره بتفاهة حياته التي لا يجد لها معنى او طعما خصوصا في ليالي الخريف حين يجبره المطر على الانغلاق داخل القطية، ينام داخل سرير موضوع فوق علب حديدية مملوءة بالماء حتى لا تتسلل العقارب الى فراشه وتفسد عليه متعة شراب الليلة المنصرمة. حين يجبره الشعور باليأس من العالم الغارق في المشاكل والمطر على الانغلاق داخل ذاته، حتى أنه يمضي جزءا من الليل يفتش داخل ذاكرته، يعثر على كل شئ الا روحه الضائعة في المتاهة، يعثر على عناكب سامة، أحذية قديمة منذ طفولته الباكرة، وجوه لأشخاص لم يكن متأكدا إن كان إلتقاهم يوما في العالم الذي يعرف أم في عوالم أخرى، جنود ماتوا في حروب عبثية شنتها السلطة ضد المدنيين في كل مكان بدعوى وجود متمردين متخفين وسط المدنيين في بعض القرى النائية. قرى بأكملها احرقت فوق رؤوس سكانها لمجرد الاشتباه في وجود متمرد واحد.
خشي أن يتغير مزاجه وتفسد متعته إن فكر كثيرا في كلام الأسير، وحاول وضعه في سياق اللحظة نفسها التي كان الأسير جالسا فيها أرضا خلف قضبان الباب وفي يده كوب الشراب. اللحظة نفسها التي يبذل جهدا لينساها، يخدع نفسه أحيانا حتى حين لا يكون الشراب جيدا ومساعدا على النسيان، أنه ينساها تماما كأنه لا يراها تقف أمام عينيه من داخل ضوضاء حنين الذاكرة!
شرب عبد الحي كأسا اخرى وأعطى الاسير كأسا، ترنح عبد الحي وهو يعود مرة اخرى للقطية، أحضر صحنا متسخا، به بقايا طحالب او فطريات خضراء، مسح الصحن بيده، كان لا يزال متسخا قليلا، لكن الرجل ميت على كل حال.كما أن العرقي نفسه كفيل بقتل أية جراثيم تدخل الى معدة الأسير. وضع له قليلا من فتة الفول ثم دفع له الصحن من بين القضبان.بقي ساهما لبرهة يحدق في السماء المرصعة بالنجوم ثم رفع صوته قليلا بالغناء ولأنه لم يكن يحفظ سوى كلمات قليلة من الأغنية بدا كأنه يعارك في نفسه.
لكنه جاهد ليغني، شعر أن من واجبه ان يخفف على هذا الرجل الميت ويسعده في ساعاته الأخيرة بما يخفف عليه رهبة مواجهة فرقة الإعدام المتعجلة. التي تطلق من النار على الجدار أكثر مما تطلق على جسد الأسير، بسبب العجلة والاستهتار في حضرة الموت. في أحيان كثيرة يقومون بدفن الأشخاص الذين ينفذون فيهم أحكام الاعدام قبل أن يلفظوا أنفاسهم الأخيرة. لا أحد يقوم بالكشف على الميت للتأكد أنه فارق الحياة. تذكر جزءا من مقاطع أغنية يقول مطلعها: ما بخاف من شئ برضي صابر المقدر لابد يكون. ردد المقطع عدة مرات لأنه إكتشف أنه لم يكن يتذكر غيره، أو لأنه شعر بأن كلمات الأغنية التي تمجد الصبر والامتثال للقدر هي الأغنية الأفضل لشخص محتضر ينتظر الموت مبتهجا بعرقي جيد.
قبل سنوات طويلة شارك بالغناء مع فرقة مدرسية كان صوته جميلا كما قال له عدد من زملائه ومدرسيه. لكن مشكلته انه لا يستطيع حفظ كلمات الاغاني! يحفظ اللحن فقط ويردد أية كلام. أجبره المدرس المشرف على احتفال مدرسي على حمل ورقة ليقرأ منها كلمات الاغنية حين فشل في جعله يحفظ الاغنية. قال له المدرس مازحا: سنساعدك هذه المرة على الغش! لم يهتم بتطوير موهبته آنذاك فقد كان مفتونا بالبواخر النهرية، وكان يخرج مع بعض أقرانه لمشاهدتها وهي تمخر عباب النيل الأبيض في لحظات الغروب، حتى تختفي أنوارها البعيدة في ظلام موسم الخريف القابع خلف غابات السافنا البستانية. مخلفة لديه شعورا بالحزن والفقد. كان أقصى أحلامه انذاك ان يعمل قبطانا في إحدى هذه السفن.
ما بخاف من شئ برضي صابر المقدر لابد يكون. علّق الأسير بأن صوت عبد الحي جميل جدا. وقال مازحا وهو يضحك: خسارة أن تدفن هذا الصوت الجميل في غباء العسكر!
لم يسمع عبد الحي كلام الأسير كله، لكنه إنتبه لضحكة الأسيرالتي بقيت تجلجل في الفراغ لبرهة طويلة قبل أن يبتلعها الليل والسكون. وأنتبه لطرافة الموقف. كان يحاول تعزية الأسير وتخفيف وقع الموت القادم اليه. فتحول الى واعظ غنائي سكران. فيما الميت نفسه كان يستغرق في الضحك والبهجة! وكأنه ذاهب بعد ساعات قليلة الى جنة حلم كثيرا بالذهاب اليها، ولن يواجه جحيم فرقة الإعدام المتعجلة. حيث لن يستغرق الأمر سوى ثوان قليلة يتفرقون بعدها لمطاردة حياتهم اليومية، دون أية تغيير في مزاجهم، أو أية شعور بالذنب، لا يتبدل أية شئ فيهم، لا حزن ولا فرح. لا يسأل احدهم حتى ما الذي فعلناه اليوم؟ ولماذا فعلنا ذلك؟ ربما لهذا السبب يحتاج الانسان للحكومة. لتفكر نيابة عنه، وحين ينفذ أوامرها، تكفيه فكرة أنه ينفذ الأوامر فقط أية شعور بالذنب من عواقب أفعاله!
بل أن الميت ساعده، غنى معه وساعده ليتذكر بقية كلمات الأغنية الغائمة في ذاكرته. وحين يتعسر عليه الأداء بسبب وطأة الخمر على ذاكرته، كان الأسير يتسلم المبادرة ويقود الأغنية من خلف القضبان حتى ضج العالم من حولهما بسحر الغناء، كان مشهدا نادرا لغناء الجلاد والضحية دون استخدام السلاح. لكن الاثنان كانا يعرفان انهما ينطلقان من نفس الموقع حتى إن كان يجب أن يمثّل أحدهما دور القاتل والآخر دور الضحية. أشتكى عبد الحي من كل شئ، من الجيش وضعف المرتبات والغلاء، من عجزه عن دفع رسوم المدرسة لولده. كان الأسير يعزيه ويحاول أن يخفف عنه مصائب الحياة.
لكن عبد الحي رغم شعوره بالمحبة تجاه الأسير ورغبته في مساعدته، لم يكن يستمع الى نصائحه بجدية، ليس لأنه لم يحمل نصائح المحتضر محمل الجد، ولكن لأنه لم يعتد على ذلك. إعترف بعد برهة صمت دون أدنى خوف لثقته ان الشاهد الوحيد على إعترافه سيختفي من الوجود خلال ساعات قليلة:
لو إستمر الحال هكذا سيكون أشرف لي أن أنضم الى إحدى المجموعات المتمردة على الأقل ربما أحارب من أجل قضية! أو أفعل مثل عوض عباس أقوم بسرقة السلاح وتهريبه! ثم أعلن دون مجد: نتعرض كل يوم للموت ولا نجد حتى ما يقيم الأود أنا وأسرتي، ذات مرة كنت في حاجة لبعض المال لأرسله لزوجتى لأن أحد أولادي كان مريضا، سرقت بندقية أحد الضباط وبعتها لأحد تجار السلاح! لم يكترث ولا حتى لإحتمال أن يكون هناك من يسترق السمع وأوضح: هذه منطقة حدودية، يمكنك فيها شراء أو بيع أي شئ! والسلاح يباع ويصل بسرعة الى المتمردين وعصابات التهريب وعصابات قطع الطريق! لو أنك سرقت دبابة تستطيع بيعها في دقائق هنا! لم يكتف بالإعتراف على نفسه فقط، تبرع بالإعتراف على آخرين أيضا:
ذهبت زوجتى قبل أيام الى المستشفي لزيارة شقيقها المصاب بفشل كلوي، يجب أن يذهب لعمل غسيل للكلى كل بضعة أيام، يكلف ذلك مالا كثيرا حتى أنه باع بيتا كان يملكه ليستطيع تغطية تكاليف علاجه وعاد للعيش مع والدته في قطية صغيرة. رغم ذلك لا توجد محاليل لعمل الغسيل الكلوي! يقولون الدولة مفلسة لا تستطيع توفير العملات الصعبة لشراء الدواء، وفي كل صباح تصل الى الحامية معدات عسكرية جديدة، هل وصلتهم هدايا من تجار سلاح من المحسنين؟ يركب مدير جهاز الأمن كل فترة سيارة فخمة تكلف الملايين بينما المستشفى لا توجد به عربة لإسعاف المرضى او النساء اللائي يعانين مصاعب في الولادة. يموت الكثيرون بسبب الجوع والاهمال ومن يهتم لذلك؟ يجنى الضباط ورجال الحكومة هنا الملايين من بيع الأسلحة عبر الحدود أو حتى تهريب أية شئ مقابل المال.
لم يبتهج الأسير كثيرا بالإعترافات الصاعقة، واصل حكايته وبنفس نبرة نصائحه الأبوية الطيبة: كنا زملاء أنا وعوض قبل سنوات طويلة، لم يكن قد أحضر زوجته آنذاك من قريتهم، عملنا سويا كعمال في مجال البناء، كان عوض يشرب كثيرا حتى وهو جالس يبني فوق الحائط العالي وكان مشهورا بخفة يده وسرعتها في العمل، كان أحد العمال يلقي له بقطعة طوب يضع قليلا من الطين ويثبتها بسرعة ويمد يده ليتلقى طوبة أخرى، وكل بضع دقائق كان يشير بيده إشارة مختلفة يفهمها العامل فيلقي له بزجاجة الخمر بدلا عن قطعة الطوب، كان عوض يأخذ منها جرعة واحدة ويعيدها للعامل ثم يمد يده ليتلقى قطعة طوب ويواصل البناء.
يبدو أنه سكر ذات مرة، لم يلاحظ العامل ذلك، حين ألقى إليه بقطعة الطوب فوجئ بقطعة الطوب تعود اليه وخلفها عوض عباس!
حاول الرقيب عبد الحي أن يضحك لطرافة الموقف لكنه لم يفلح بسبب تمكن السكر منه إلا في إخراج فحيح خفيف مثل أفعى، أدخل يده في صحن الفول وإستسلم الى النوم مباشرة، تاركا يده في طبق الفول وكأنه يؤدي القسم لمنصب ما، حتى الفجر.
لحسن الحظ أن الرقيب عبد الحي أخلد للنوم وظهره للأسير مما سمح له أن يمد يده ويبحث داخل جيوبه حتى عثر على مفتاح الزنزانة. فتح الباب بهدوء، وسحب قدميه، كان الأسير يشعر بالأسف لأنه يعرف أنه سيدخل الرقيب عبد الحي في ورطة حين يستيقظ صباحا ويكتشف هروب الأسير، لكن الحياة كانت تستحق مجازفة الهرب رغم رداءة العرقي وسعار الأسعار وجنون الحكومة.
إستيقظ عبد الحي فجرا، كان العالم لا يزال غارقا في الظلام، رغم أن بعض خيوط ضوء الفجر الفضية بدأت تهبط من أعالي الجبال المحيطة وتذوب في الظلام. كان لا يزال يشعر بقليل من السعادة التي أسبغها عليه عرقي جيد، ثم تمطى ولاحظ أن صحن الفول لم ينقص سوى الجزء القليل الذي أعطاه للأسير، نظر الى اعلى كانه يبحث عن شئ في السماء، رأى نور الفجر القادم من أعلى الجبال، ورأى النجوم تبدأ في الذوبان في طوفان الفضة. أنتابت جسده رعشة من شعور غريب أن العالم كله تغير فجأة، وأنه حين تشرق الشمس لن يعرف شيئا من العالم الجديد من حوله، كأنه الناجي الوحيد من طوفان دمّر العالم. أدار عندها جسده لينظر للأسير، فرك عينيه ليتأكد أنه لم يكن يحلم، كان الباب مفتوحا ولا أثر للأسير!




فصل من رواية: سبعة غرباء في المدينة
دار أوراق للطباعة والنشر - القاهرة

[email protected]



تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1412

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1238391 [حامد عابدين]
5.00/5 (2 صوت)

03-31-2015 05:49 PM
رائع جدا ، سرد ممتع ولغة رصينة ،تشريح دقيق للظلم الذي يقع على الكل ، العسكري والاسير ، كلاهما مظلوم ، حال الوطن والسرقات ، وترك الضباط مهامهم الاساسية والتفرغ لبيع السلاح والتجارة ، حالة البؤس والظلم الذي يعيشه سكان المناطق الحدودية والقصف لمجرد الاشتباه بمتمرد ، تفاصيل واقعية دقيقة عشناها في هذه القصة الممتعة ، رغم انك لم تفصح بدقة عن المدينة ، ولكن يتخيل القاريء انها مدينة الجبلين ، لك التحايا استاذ احمد

[حامد عابدين]

#1237494 [صديق محيسي]
5.00/5 (1 صوت)

03-30-2015 11:43 AM
قال لأسير: القانون أعمى دائما لكن حين يمر الضعفاء من أمامه يفتح عينيه جيدا! هذا عمل جيد يا احمدسئمنا المقالات السياسية

[صديق محيسي]

#1237445 [الحلومر]
5.00/5 (1 صوت)

03-30-2015 10:48 AM
هل لك بقزازة او اثنين من هذا النوع الفاخر من العرقي ، هدية لسعادة السيد المشير تجعله يضجع في نومة عميقة تمكننا من اخذ مفاتيح زنازين حبس الوطن من جيب المشير حتي ينعم اهل السودان بالحرية والانطلاق والبناء والتعمير .... رائع جداً لدرجة تجعلنا نجزم انك كنت ضابطاً في حرس الحدود ما بين اثيوبيا والسودان وانك تكتب عن وقائع عشتها ورايتها راي العين لا مجرد سمع اخبار او قراءة الصحف.... هذا ما يحدث بالضبط في الحدود والمواقع الطرفية من انحاء البلاد

[الحلومر]

أحمد الملك
 أحمد الملك

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة