المقالات
السياسة
الإصابة بصحوة الضمير
الإصابة بصحوة الضمير
03-31-2015 10:37 AM

*(الحق مثل الفلين لا يغرق..).
- مثل تركي -
.. نقلت وكالات الأنباء، وجميع وسائل الإعلام، منذ نحو عامين نبأ النادل (الجرسون) من جمهورية جنوب إفريقيا الذي أصيب بصحوة ضمير، خلاصة النبأ أنه كان قد سرق طقم صحون من المطعم الذي كان يعمل فيه قبل سنوات، وقرر إعادته إلى صاحب المطعم لأن ضميره ظل يؤنبه خلال تلك المدة الطويلة. فلم يجد بداً من إراحة هذا الضمير.
ذكرني هذا النبأ بحكاية جرت معي عندما كنت في الثانية عشرة من عمري، كان والدي يرسلني للعمل خلال العطلة الصيفية، في سوق (ود الحداد)، جنوب الجزيرة. وقد عملت خلال صيف ذلك العام في محل لبيع السكر والحلويات يملكه المرحوم جعفر السماني (أبنعوف).
كانت أجرتي الشهرية، على ما أذكر، عشرين جنيه سوداني. واحتجت خلال الشهر إلى مبلغ من المال، فسرقت من درج الغلة في المحال خمس جنيهات، وظلت المسألة تؤرقني حتى نهاية الشهر.
وكان بإمكان عالم فراسة مبتدئ أن يكشف سري من تصرفاتي المرتبكة وتعابير وجهي وعينيّ.
عندما جاءت نهاية الشهر مدّ ابنعوف يده إلى درج القروش، وناولني العشرين جنيه أجرة الشهر، فأصابتني في تلك اللحظة صحوة الضمير، قلت له: لقد أخذت من الدرج قبل أيام خمس جنيهات لأنني كنت بحاجة إلى المبلغ، وأعدتها له، ورجوته أن يعفو عني، ويسامحني.
قال أبو نعوف: برافو عليك يا ولدي. وأتمنى ألا تكررها!
ولم أكررها منذ ذلك الحين. فقد كانت نوبة صحوة الضمير التي أصبت بها نوبة مزمنة، لم تفارقني حتى اليوم، على الرغم من مضي أكثر من اربعين عاماً على هذه الإصابة المزمنة.
وبقي الأمر سراً بيني وبين أبي نعوف، وانتقل أبو نعوف إلى الدار الآخرة، وانتقل معه هذا السر الذي أرويه اليوم لأول مرة.
هاتان القصتان عن صحوة الضمير التي أصابت اثنين ممن تعارف الأبناء البرر للقرن العشرين، وتابعه الحادي والعشرين على تسميتهم أغبياء، بعد أن انقلبت المفاهيم الأخلاقية رأساً على عقب، في زمن شعاره: (إذا لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب)، أرويهما وأتساءل: هل نحلم بأن يصاب واحد من كبار اللصوص، على المستوى الوطني، بصحوة ضمير عارضة، لا مزمنة؟ ويقف ليعلن على الملأ أنه سرق الوطن والشعب، وأنه كان واحداً من الذين يبيعوننا الوطنية والتدين والمحبة والإخلاص والأمانة وعفة النفس، وأنه يضع نفسه، وأملاكه المنقولة وغير المنقولة، وأمواله المغسولة والوسخة، وأسماء الذين رشوه ورشاهم، وأرقام حساباته في مصارف أرض الله الواسعة، تحت تصرف الشعب والحكومة.
وهل نحلم بأن تتحول الإصابة بصحوة الضمير إلى فيروس ينتقل بالعدوى إلى باقي اللصوص ومشاريع اللصوص من كيزان السلطة الذين ينتظرون دورهم ليدخلوا نادي اللصوص الكبار والسمان، ونحتفل، نحن والأجيال الطالعة بيوم توبة اللصوص؟
إنه حلم جميل، ليته يتحقق!
وما أبعد ليت!
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 910

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




الدكتور نائِل اليعقوبابي
الدكتور نائِل اليعقوبابي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة