في منهج بناء الشخصية
04-02-2015 04:09 PM


ما طرحته عن الشخصية السودانية وتنميطها الذي جعلها تُرى بصورة محددة لدى الشعوب الأخرى، بل وإلصاق بعض الصفات السالبة بها كالكسل مثلا أو اللامبالاة وغيره. وضرورة أن يهتم السوداني بإبراز قيمته الإيجابية وأولها من خلال الاهتمام بالمظهر باعتباره مدخلا للشخصية في حضارة المظهر والرأسمال، كل ذلك كسب تفاعلا في مواقع التواصل الاجتماعية، ما بين المؤيد والرافض. وإن كانت أغلب الآراء قد وافقت على الطرح من خلال ضرورة إعادة النظر في مرئي السوداني وتفاعله في محيط العمل وإبراز ذاته بالشكل اللائق في ظل التماشي مع ثقافة عصر لا فكاك منه، دون أن يعني ذلك تنازلا عن الأصالة أو اقتلاع الجذور، حيث يقال دائما أن الشجرة تبدل أوراقها لكن جذورها تبقى في باطن الأرض راسخة.
إذن يمكن الاعتماد على الجوهر والمكنون الذاتي الثري والانطلاق منه نحو تأسيس الذات ليس بهدف إقناع الآخر وإنما بهدف التصالح النفسي أولا مع هذه الذات، هذا الأمر الذي يقود دون شك إلى أن يكون الكائن متصالحا مع العالم الخارجي ومستعدا لأن يصبح إيجابيا بإقصاء السلبيات أو الإشكاليات المتراكمة بحيث شكلت حجابا عن الشخصية في محورها الأكثر بهاء وإشراقا. فالحجاب الساتر الذي يقف عن معرفة الآخر لك ولقدراتك يجب إزاحته بواسطة العلم والمعرفة والإيمان بالذات والقدرات والمزيد من التأهيل والمهارات، وليس مجرد العنجهية الفارغة مثلما نبه أحد الأخوة، بأن السوداني قد يُبدي من الخارج مظهر التواضع لكنه.. داخله يسكن إنسان مكابر ومغرور وهذا في تقديره السبب الذي يجعله يستنكف عن بعض الأعمال أو الوظائف أو يريد من الكل أن يعامله كملك.
ولنكن موضوعين في هذا الأمر بدرجة أكثر تفصيلا، ونتحدث على سبيل المثال عن ثقافة العمل والاستعداد النفسي له والتأهيل التدريبي اللائق وقبل ذلك الإيمان الراسخ بأن العمل ضرورة إنسانية وحياتية ومعاشية. هنا سنقف أمام نماذج غير حسنة بعض الأحيان حيث يفضل البعض أن يعمل عنصر في الأسرة ويظل البقية في انتظاره، أو أن يكمل الطالب الجامعة ليجلس في البيت في انتظار وظيفة "محترمة".. إن الوظيفة بغض النظر عن نوعها لا تأتي من فراغ وإنما بتكريس الذات بحثا لها وداخل سياق الوظيفة نفسها لا يمكن للشخص أن يحقق مكاسب كبيرة ويصعد في السلم ليصل إلى الأفضل ما لم يكن قد دخل في مرحلة الإجادة التي ليست هي مجرد هبة إلهية، بل عمل دائب وصقل للمهارات وتطوير مستمر. ولكن يمكن البداية أحيانا بالأفكار الصغيرة إلى أن تتحقق الآمال الكبيرة دون سياسة حرق المراحل أو الطموح بأن أصل من الخطوة الأولى إلى المراد والهدف. لأن سنة الحياة كما خبرها البشر، أنها لا تقوم على القفز بالزانة إنما هي سلسلة من المسار المتتابع الذي يقود من مرحلة لأخرى إلى أن يكون الإنسان قد وصل لهدفه وأصبح راضيا عن نفسه، وهنا يكون السؤال وفي سبيل أن أوفر لقمة عيشي على الأقل أن أوفر حاجياتي الشخصية والأساسية ما المانع أن أعمل في أي وظيفة شريفة بحيث أكون على الأقل مهارة في التعامل مع الحياة والناس وهذا ضروري جدا.
لقد لفت أحد المعلقين النظر إلى مسألة ما اسماه "بناء الشخصية السودانية/ وهو في الأساس والمبتدأ عمل وطني متكامل لا يقوم به الفرد بنفسه، فالطفل هو وليد سياق مجتمعي من الأسرة إلى المدرسة فالشارع فالسوق فالبيئات المتنوعة التي يتحرك فيها، ولا يمكننا بأية حال أن نجعله مسئولا عن التشكيل المبدئي له إلا بالعمل على تحسين هذه البيئات وشحذها بالضروي من القيم والمفاهيم التي تمكن الطفل أو الصبي من امتلاك البدايات السليمة التي تجعله يكسب الأسس والمفاتيح وليس الحلول الجاهزة والمقولبة كما درجت ثقافتنا على أن يجد الطفل أمامه كل شيء سهلا وهينا، فأحيانا يتطلب الأمر أن ندرب الأبناء على مهارات محددة ومنذ عمر مبكر. واللافت هنا أن هذا الموضوع بات اليوم، في عالم معاصر ومعقد، مدرسة بحد ذاتها، فالسياق الأسرى والاجتماعي والمدرسي، علم معقد من حيث الرؤى والقراءات وبالتالي كيفية تطويره ونقله. وقد تكون لدينا وزارة أو وزارات مختصة في شأن التنمية الاجتماعية لكنها تقتصر أدوارها على مجال نمطي ومعاد دون النفاذ إلى قضايا حديثة ومركزية في ظل العصر المتشابك من حيث القضايا والبحث عن الحلول.
وقد أشار صاحب الاقتراح إلى دور التربية والتعليم، كمؤسسة يجب أن ترعى القيمة البنائية للشخصية، عبر المناهج الدراسية، حيث لا يوجد لدينا منهج واضح في بناء الذات والمهارات وفهم الكائن من خلال الموقع الوطني، أي أن يدرك الطالب السياق الذي هو ابنه، ليس التاريخ بمعناه الشكلي والخاضع للتصوير اليوتوبي في أغلب الأحيان ولا الجغرافية كمحددات كلاسيكية في تعريف الأمكنة، بل بالنفاذ إلى الثقافات الوطنية وأنماط الحياة في تقاطعها مع المكتسبات الإنسانية الجديدة وحاجة الفرد لكي يفهم كيف يدير موارده الذاتية كإنسان في ظل وجوده في مجتمع كلي يتفاعل فيه، يأخذ منه ويعطيه، ولابد أن يتم هذا التسلسل والتشابك بشكل إيجابي بحيث يتخلق مجتمع حقيقي قائم على بناء الشخصية السوية والحرة التي لا تخاف والتي تؤسس الوعي على مكتسب بنائي وعقل ناقد وليس مجرد تراكم شكلاني لا يقود لسوى الفراغ والنتائج المعادة.
فمناهج بناء الشخصية أو التنمية المجتمعية وتداخل ذلك مع سياقات منظمات المجتمع المدني وأهمية فكر التطوع في المجتمع وأن تغرس شجرة في الشارع أفضل من أن تبقى جالسا في الظل بلا عمل، والإيمان بالصالح العام وأن التغيير يبدأ مني وليس من الآخرين، ويجب أن أكون قدوة لا انتظر أن يكون الآخر قدوة لي، هي مفاهيم مستمرة يحتاج الجيل الصاعد أن يتسلح بها ليس من قبيل الإملاء ولكن بواسطة منهج تفاعلي وعملي يضع للذات معناها السوي في مسار الوعي المفترض أن يقود الإنسان للفاعلية في الوجود، وألا يصبح الفرد مجرد ببغاء لا يفقه ما يقول ولا ينفذ سوى ما هو تقليد فحسب.
إن التغيير بالاتجاه إلى بناء المجتمعات المستقبلية ليس بالأمر الذي يأتي اليوم بمجرد الأمنيات، وقد انتهى الزمن الذي تعيش فيه أمة معينة أو مجتمع ولقرون على ذات القيم والتقاليد فاليوم باتت الحياة سريعة التأثير ولابد أن يواكب الإنسان ويستفيد من جذوره التي توصل إليه ماء التربة وأملاحها في سبيل أن ينهض بذاته ومجتمعه.. إنه أمر يتطلب فقط الالتزام والإيمان بذلك والتخلص من ثقافة الإحباط و"التحبيط" والاستهتار بالقدرات وتشجيع الموهبة ونفي الظنون وغسل غبار النظرة المتشائمة للأمور.
[email protected]


تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 1230

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1239815 [حكم]
3.00/5 (2 صوت)

04-02-2015 10:16 PM
موضوع مهم للغاية ..

فى رأى هى مسألة تربوية بحتة تقوم على عاتق وزارة (التربية) والتعليم مع تكامل دور اﻷسرة وبقية المؤسسات المجتمعية ..

هو مشروع متكامل يبدأ بالرؤية الواضحة .. وطرح الأسئلة المهمة .. كيف نريد ان تكون شخصية السودانى ؟ ..ماهى عيوبنا الحالية ومميزاتنا ؟ كيف نحافظ على ما هو ايجابى ونصلح كل ما هو سلبى؟ .. وهذا دور مختلف التخصصات اﻹجتماعية والتعليمية واﻷسرية وحتى الطبية فى مجال التغذية الصحيحة باشراك كل المراكز البحثية والجامعات والوزارات ومؤسسات المجتمع المدنى.

التنفيذ هو مهمة وزارة التربية والتعليم بعد توفير كل المعينات الﻻزمة والتى تشمل تدريب المعلمين وتواجد اختصاصيين فى علم النفس او علم النفس اﻹجتماعى ، مع تعاون اﻷسرة ومحيط الطفل حتى ﻻ يتعارض ما يتلقاه فى المدرسة مع ما يعايشه فى حياته خارج المدرسة .

احم احم .. الكﻻم الفوق دا طبعا دا التنظير .. عمليا ، اذا كانت الوزارة سحبت سلطة المعلم على تﻻميذه ، ماذا ننتظر؟؟

وكان الله فى عونك يا وطن

[حكم]

ردود على حكم
[العراب] 04-03-2015 06:05 PM
استاذي الفاضل بارك الله فيك:
ياخ انت زول لزيز!! انا بتكلم عن نوع مختلف تماما من منظمات المجتمع المدني!! منظمات كل مهمتها انها تعمل غسيل مخ و اعادة صياغة للناس في ورش مغلقة!! و برامج رفع قدرات!! و زرع قيم إنسانية!! و لا نريد لها اي علاقة مباشرة بالاعمال الخيرية الا التي تتعلق بالتحفيز و التدريب!!

Russian Federation [حكم] 04-03-2015 03:48 PM
الأخ العراب .. شكرا على التعليق

اتفق معك فى كل ما كتبته ..
تعليقى كان عن المدى الطويل وكان يختص بالطفل .. لكن فى اخر تعليقى قلت انو دا كان تنظير ، بمعنى انه كﻻم نظرى .. حتى ذكرت من ناحية عملية ما ممكن توكل الموضوع لمعلم منزوع الدسم ( منزوع السلطة)

برضو اتفق معك فى موضوع مؤسسات المجتمع المدنى وكلنا عايش تجربة نفير ، والآن تجربة شارع الحوادث وغيرها من التجارب .. لكن بس ما يكون هدفها مساعدة المحتاجين فقط ،بقدر توعية ونفض الغبار عن الشخصية السودانية اﻷصيلة. ويمكن استعمال ادوات التواصل الإجتماعى وتكوين الجمعيات للبيان بالعمل ، وكلما كترت الجمعيات كلما اتنفض الغبار عن ناس كثيرين ..

واحدة من مشاكل صحافتنا ، عدم التخصص (الإقتصادية ، الإجتماعية ، التربوية وغيرها من التخصصات ).. اللهم اﻻ الصحافة الرياضية ..

لك تقديرى

[العراب] 04-03-2015 08:13 AM
هل تتكلم عن (الطفل) ؟؟
يا اخي الكريم نحن نريد خطة إسعافية عاجلة لإعادة تأهيل المواطن السوداني أب شنبات!! و من ثم إنجاز تغيير سياسي !! اما خطتك هذه فيمكن استصحابها كخطة بعيدة المدي لأجيال المستقبل بعد تغيير النظام السياسي!!
نحن الان لا نملك حتي الروءية الواضحة التي تفضلت انت بزكرها!! و لو لقينا مثقفين و كتاب زي عماد دا اتبرعوا بي زمنهم لي تحديد الروءية دي يكون كتر خيرهم!! اما اداة التنفيذ الوحيدة المتاحة حاليا هي منظمات المجتمع المدني علي ضعفها و قلة حيلتها!!
اذا نحن نريد روءية واضحة بسيطة قابلة للتطبيق... في ظل الامكانات المتاحة..،


#1239708 [العراب]
3.00/5 (2 صوت)

04-02-2015 06:08 PM
ايضا: مكتسب الوعي البنائي و العقل الناقد لا تكفي لبناء شخصية حرة سوية!! بدون الحديث عن مرجعيتها الاخلاقية التي توءسس عليها هذا الوعي!! لان العقل الناقد قد ينتج شخصية تؤمن بالصراع من اجل البقاء و الانتخاب الاجتماعي الطبيعي و التطور!! و غيرها من الأفكار النازية!! او الأيدولوجيا الاسلاموية التي احتكرت المرجعية الاخلاقية ثم تخطتها!!
ختاما؛ انا ما عايز اشتت الكورة أكتر من ما هي مشتتة!! فياريت تجمع لينا النقاط دي كلها في إطار واحد... وفقك الله...

[العراب]

#1239688 [العراب]
3.00/5 (2 صوت)

04-02-2015 05:39 PM
ايضا اخي انت قد تناولت نقد الشخصية السودانية في إطار سوق العمالة الداخلية و الخارجية و هذا جيد... لكن الاخطر و الأشمل هو لو انك تناولت نقد الشخصية السودانية في إطار معادلة التغيير السياسي ايضا!!

[العراب]

#1239686 [العراب]
3.00/5 (2 صوت)

04-02-2015 05:34 PM
صحيح ان الشخصية تتحكم عوامل كثيرة في بناءها منذ سن الطفولة... و لكن الانسان الراشد الناقد المتمكن من أدوات المعرفة يستطيع تفكيك نفسه و اعادة بناءها من جديد...
To deconstruct and reconstruct himself...
و بالرغم من انها عملية شاقة و تحتاج الي ثلاثة أعوام متواصلة علي اقل تقدير الا انها تعني الولادة من جديد بكل معني الكلمة...
Rebirth...

[العراب]

#1239681 [العراب]
5.00/5 (1 صوت)

04-02-2015 05:23 PM
حياك الله اخي الكريم: نريد مشروع عملي لإعادة تأهيل و تغيير الفرد السوداني يقوم به مجموعة مفكرين تنويريين!! نحن لا نعول علي وزارات و لا حكومات و لا معارضات و لا نخب مثقفة!! هذا هو المشروع الوحيد الذي يمكن المراهنة عليه...

[العراب]

عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة