المقالات
منوعات
رحلة عسيرة جدا .... قصة قصيرة
رحلة عسيرة جدا .... قصة قصيرة
04-05-2015 01:21 AM


كانت الساعة التاسعة صباحا عندما دخلت الى غرفة الاستقبال فوجدتها مكتظة وصاخبة, فقررت ان اسلم على الحاضرين بصوت عالى على امل ان يميز احدهم كلماتى من بين الاصوات الكثيرة المتلاطمة للجموع المنتظرة لفرصتها للدخول الى غرفة دكتور رافت. اعتدلت سناء فى وقفتها وعدلت فستانها قبل ان ترد على التحية,وهى تنظر الى بابتسامة عذبة رسمتها بوضوح على وجهها البيضاوى المليح. وعندما اقتربت منها تبادلنا عبارات قصيرة ثم تركتها لتلاعب طفلها ابن الستة اشهر وهو مثبت على الكرسى,ويقاوم بعنف كى يتحرر وينتزع حقه فى الحركة. وعندما شعر بالملل ترك اللعبة و تذمر, فانحت اليه من جديد وامسكت بيده وزمت شفتيها الغليظتين وهى تحركهما فى كل الاتجاهات وتوشوش وتتحدث معه بعبارات قصيرة. وسرعان ما اعجب الطفل بحركات امه فضحك واستمرأ اللعب حتى ارهقها. وكان هو يراقب الانسجام التام بين الطفل وامه, واقترب وهم بالمشاركة فى اللعب لكن سناء لم تعره اهتماما واضحا. وسحب جسمه برفق وقرب شفتيه المرتجفتين المتلهفتين من اذنها فهمس لها بكلمات ثم تحرك باتجاه باب الغرفة. وحين ركزت حواسها لكى تصغى الى الشاب كانت ملامحه تبدو قريبة جدا من ملامحها, غير ان وجهه كان مستطيلا. وقبل ان يغلق الباب خلفه التفت اليها فغمز لها بعينه ثم غادر, فضحكت. وجلست قرب ابنها وهى تنظر الى الارض وتفكر فى شئ ما وبعد نصف ساعة ملت, فحركت شفتيها بغمغمة تذمر, ثم قاومت نفسها حتى نجحت فى ازالة التكشيرة الملتصقة بوجهها. ثم تحركت باتجاه الممرضة لكى تطلب منها السماح لها بمقابلة الطبيب بصورة استثنائية. وعندما كثر الحاحها خاطبتها الممرضة بصوت عالى ونبرة سريعة واضحة ولهجة حادة, ثم سالتها قائلة: “هل حدث شئ طارئ او خطير؟“. وبسرعة نجحت الفتاة الصغيرة فى تحييد الارتباك قبل ان تبدا بشرح دوافعها. لكن الممرضة لم تنتظرها لتكمل الحديث فطلبت منها, وبنفس اللهجة الحادة الجافة, ان تنتظر دورها مثل بقية المرضى. وظلت الممرضة متمسكة بحنق مميز وظاهر وهى تراقب خطوات سناء المتجهة صوب ابنها. وهى تسميها البلهاء ولا تألو جهدا فى اظهار كرهها لها وتوجسها من تخطيطالفتاة الصغيرة للايقاع بالدكتور فى حبائلها. لكن سناء تدرك جيدا الدوافع الرئيسية لكره الممرضة لها, وكذلك تدرك مشاعر الغيرة تجاهها من قبل فتيات القرية. ومع ذلك فهى لا تحقد عليهن لانها تمتلك قلبا طيبا يفيض بالثقة وحب الناس. ورغم صغر سنها فانها تمتلك كل ادوات المحافظة على حبها رغم المهددات الكثيرة.
فى اليوم السابق غادر المرضى باكرا تمرين فريق كرة القدم بالمدرسة, بعد ذلك مر على دكان ابيه فاخذ نقودا وغادر. كان الاب يبالغ فى تدليله. ووصل بسرعة الى المنزل. وبالرغم من انتباهها لقلقه الواضح وانشغاله وعجلته لانهاء الاعمال بسرعة, الا ان امه اصرت على التحدث معه, رغم اظهاره الامتعاض. وعندما انهى حديثه المغتضب معها خرجت الام من الغرفة وهى تحتفظ بعزم اكيد على تكرار المحاولة. وهى لا تريد استنهاض غيظه لانها تخشى من قسوة زوجها عندما يعاقب كل من يغضب ابنه, وهى فوق ذلك كله تحب المرضى حبا كثيرا. وقبل ان يغادر لزيارة اصدقاءه مسح وجهه بزيت الفول السودانى ثم غسله فتعطر ثم وضع بعض النقود فى جيبه. وفى الطريق كان يفكر فى المعلومات الكثيرة التى ثرثر بها والتى ساهمت فى زيادة نجوميته عندهم, لكنه فى تلك اللحظات يتمنى فى جوف فؤاده ان يستردها وهو يعلم استحالة ذلك. وفى مساء نفس اليوم كنت مشغولا جدا فى تجهيز مستلزمات رحلة اليوم الى الجامعة فى الخرطوم. وفى صباح اليوم التالى, وقبل ان اجلس كنت اشعر باننى قد حشرت همومى بين هموم المرضى القلقين, على امل ان اتمكن من مقابلة صديقى دكتور رافت. وكان الدكتور قد اتى من مصر قبل ستة سنوات لدراسة بعض امراض المناطق الحارة, فاستقر فى هذه القرية القريبة على النيل الابيض. وظل يمنى نفسه باستمرار بالرجوع لمصر, لكن اهل القرية يتشبثون به باحكام ويحبونه كثيرا, مما جعله يؤجل البت فى امره عاما بعد عام. وعندما خرج كانت الابتسامة تكسو وجهه العريض ذو النتوءات الكثيرة والانف الكبير وهو يمسك بيد المريض ويهزها ثم يودعه. ولم تخف الممرضة سعادتها ولا ابتسامتها الخبيثة عندما لاحظت بانه لم يلتفت الى سناء. ولاسباب غير واضحة تتجاهل حقيقة تعاطف الدكتور مع سناء, وهى تعلم بانه يعرف جوانبا كثيرة من تفاصيل قصتها. كذلك فهى تتشكك فى حبه لخطيبته التى تعيش فى القاهرة والتى اشرفت على اكمال دراسة الطب.
المرة الاولى التى انتبهت فيها سناء له هى عندما كانت راجعة مع زميلاتها فى المدرسة. وفى منتصف الطريق ربتت صديقتها على كتفها لكى توجه انتباهها الى المرضى الذى كان يقف بجانب الطريق مع بعض زملاءه. كان يحدق فيها ويغازلها بوقاحة ولا يرضى لعينيه الكبيرتين الزاخرتين بالشهوة ان ترمشان. وعندما انتبهت اليه انكمش وجهها وزادت ضربات قلبها بصورة ملفتة, فحولت بصرها بعيدا عنه واسرعت لتندس وسط زميلاتها وهى ترتجف من الخوف. ولم يتوقف عن محاولات لفت انتباهها لانه كان يعرف انها طيبة وساذجة وخجولة وتميل كثيرا الى تجنب المشاكل. ووضعت احدى الزميلات يدهاعلى كتفها وضغطت باليد الاخرى على كفها ثم التفتت الى للمرضى فزجرته بقسوة وحذرته بعبارت صارمة وواضحة. كانا فى ذلك الوقت فى السنة قبل النهائية من المدرسة الثانوية. وفى صباح اليوم التالى خرج المرضى مبكرا قاصدا المدرسة وبالقرب من منزل سناء توقف على جانب الطريق ينتظرها. وعندما اقتربت تقدم ناحيتها وسلم عليها, ثم اعتذر لها بكلمات طيبة رقيقة, ولم يتوقف عن الحديث حتى شاهد علامات قبول الاعتذار تبين على وجهها المرتجف. وهمت بالهروب حين اقترب منها لكنه امسك بحقيبتها ودس لها قطعة شيكولاتة ثم دلف راجعا فى الاتجاه المعاكس. هو اكبر منهاباربعة اشهر فقط, لكن عمله فى دكان والده اكسبه خبرة جيدة فى التعامل مع الاخرين. وبعد يومين ذهب الى المزارع القريبة من القرية لكى يراجع دروسه ويستمتع بالطبيعة الرائعة والهدوء. وبعد نصف ساعة توجه الى مزرعة اسرة سناء فلاحظ انشغالها بالعمل فجلس على البعد ينتظر ويستمتع بجمال جسمها الرشيق وهو يمسك باحد اغصان شجيرة اللوبيا الرقيقة. وعندما انهكها التعب وقفت سناء لترتاح فتمطت وحركت يديها ورجليها ووسطها, ثم توقفت ووضعت يدها على خصرها الرقيق. وانتبهت للمرضى فتلفتت حولها قبل ان تلوح له بيدها. كان يتقدم ناحيتها ومس جنون النشوة جعل رجليه تمضيان بسرعة كبيرة. ولم يهتم بوخز شجيرات القطن ولا بارض الحقل الرطبة. ولما اقترب منها لاحظت انه كان يديم النظر الى صدرها وخصرها, فارتجف جسمها كله. وارتبكت قبل ان تسرع بأخذ وشاحهالتغطى به رأسها وصدرها. كان فى البدء هادئا وحين شرع فى الحديث تحدث بعبارات سريعة متقطعة ومختصرة. وخلافا لما توقعت فقد كان يتحدث معها بلهجة خجولة مرتجفة. وشجعها موقفه على التحدث معه بصراحة فشكرته على الاعتذار والهدية. تبسم حتى اتسعت حدقتا عينيه الجميلتين. وبعد دقائق من الصمت تقدم ووقف بالقرب منها. وتراجعت ورفعت المنجل وجعلت تحش الكلأ. وظل لدقائق يراقبها فطلب منها الاذن بالمغادرة ثم قال لها: “احبك“. لم ينتظر ردها بل تحرك بسرعة متجها نحو بيته وهو ممتلئ بالنشوة. اما هى فكانت تراقبه حتى ابتعد. ثم جلست قرب جدول الماء وشدت باصابعها بقوة على حزمة صغيرة من العشب الاخضر الناعم, وهى مستغرقة فى عالم بديع. كانت تتبسم وتنظر الى خيوط الشمس الذهبية التى انغرست فى صفحة ماء الجدول والتحمت بها.
فى اليوم التالى مرت امها بالقرب منها, فتوقف حين لاحظت التغير الواضح على ملامح وجهها وعلى بشرتها القمحية وهى تغرز ابرة التطريز فى جسد المنديل الابيض. وفى الصباح خرجت معها الى مدخل فناء الدار فوضعت يدهاعلى كتفها وطلبت منها الا تتردد فى اخبارها بما يعتمل فى فؤادها. واكدت لها بالمحافظة على السرية وعلى الالتزام بعدم وصول الحيث الى مسامع الاب المتزمت. وفى المدرسة لفتت سناء صديقتها الى الحقيبة المفتوحة لتريها قطعة الشيكولاتة, وكان وجهها طلقا نيرا تكسوه الابتسامة الغنية وهى تنتظر رد فعل الصديقة. وابتسمت الصديقة بعمق وهى تنظر الى عينى سناء اللامعتين وسألتها قائلة: “اتحبينه؟والى هذا الدرجة؟“. وفى المساء كان المرضى يجلس على طرف الترعة مع اصدقاءه, يسرد لهم احداث اليوم السابق باسهاب مع براعة فى التشويق والاثارة. وبعد الانتهاء من العمل فى الحقل تحرك مع سناء. كانت تنظر الى كل جزيئ من جسمه والى طرف من ملابسه النظيفة الناصعة البياض وهو يسير امامها فى الطريق الضيق بين الزرع والجدول الصغير المسمى المسمى بابى ستة. كان يتحدث باستفاضة عن خطط المستقبل وعن الحب الكبير ويثرثر كثيرا. وانتهزت فرصة الهدوء فحدثته عن اعجابها بعمامته الجميلة والشال الابيض المطرز بخيوط ذهبية والمثبت بعناية على كتفه. وفى الطريق الواسع المحاذى للجدول الكبير المسمى بابى عشرين, ابطأ لكى يدعها تلحق به. ولما وصلت امسك بيدها وسارا الى مسافة مئتى متر. وفجأة ابتعد منها ورفع عصاته الانيقة وبدا يغنى ويرقص بحماس مجنون. فى البدء اندهشت لفعله التلقائى لكنها استمتعت بالرقص والهزل والضحك. وكانت ترفع يدها بالتحية وتصدر طقطقة باصابعها وتصفق وتهتف وتضحك مبرزة اسنانها ذات البياض الناصع. ثم عمد الى الهزل الكثير بالعشب وباغصان اللوبيا وبالماء. ولما افاض لم يعجبها رشه لها بالماء فاحتجت وحاولت منعه بكل وسيلة. وعندما اصر على الاستمرار فى عبثه وطفح الكيل وشعرت بملابسها تبتل, احمرت عينيها من الغضب, ثم وضعت كفيها على وجهها لكنها لم تستطع ان تحبس الدموع الكثيرة. وهرع نحوها مسرعا ووضع يده على كتفها برفق ثم اعتذر لها وقال لها:” احبك“. صمتت للحظات وكانت شفتاها ترتجفان من شدة الغضب. وتحدث معها من جديد, وعندما شعر باستجابة منها قادها الى طرف الجدول, فوضع شاله لكى تجلس عليه ثم اعطاها عمامته لكى تجفف بها فستانها وجسمها المبتل. وانشأ يعبث بالعشب الاخضر النضر والتربة الطرية ويتحدث معها . وفى لحظة مميزة اغمض عينيه ليستمتع بالاريج الشهى المنبثق من ازهار الحقل البرية والمختلط بفوح العشب والطين.
بعداسابيع وهما فى طريق الاياب باتجاه القرية ومع غروب الشمس انشأ يبوح لها بكل ما فى داخله. وبالرغم من تعودها عليه الا انها شعرت بان كلامه تضيق من دفقه المنثال ارجاء الحقول كلها. وفى يوم اخر سرحت يدها من يده عندما لاحت لها معالم القرية وذهبت بعيدا فاسندت ظهرها على جذع شجرة سنط غليظة. والتقطت انفاسها قبل ان ترد عليه بحزم وترفض بشدة رغبته الاستثنائية, رغم التكرار. وفى مرة اخرى قالت له بلهجة قاطعة: “بعد الزواج“. وبعد الغروب جلس المرضى مع اصدقاءه وهو يصمم على اقناعهم بان الفستان الداخلى كان احمر اللون, لكنهم لم يصدقوه. وبالليل وضعت الام يدها على خد ابنتها وفوجئت بارتفاع درجة الحرارة,لكن سناء طمأنتها ونفت اسباب جزعها. وتبسمت فسحبت غطاء القطن السميك وغطت جسمها ثم اغمضت عينيها. وكانت ترى القطن الابيض الناصع فى الحقل وهو يكبر امام عينيها ويزداد بياضه ولمعانه. وكانت ترى العشب الاخضر يفرهد ويبتسم ويصبح اكثر اشراقا وهو يلوح لها بالتحايا, وشجيرات اللوبيا كانت تكشف عن مفاتنها وتعبث بماء الجداول وتغنى. ومدت اصابعها الطويلة النحيفة لكى تزيل الطين الملتصق بشال المرضى الابيض. ورفعت الشال وضمته الى صدرهاثم قربته من فمها لكى تستنشق رائحته العطرة المثيرة. وحاولت بيدها الاخرى ان تلامس خد المرضى لكنه ابتعد عنها وهو يضحك ويحرك رأسه ويكثر من الهزل ويغمز لها بعينيه الجميلتين
وفى المدرسة ذكرت لصديقتها تفاصيل دقيقة عن كيفية تمكنها بكل سرية من ان توصل المنديل الى المرضى. وانتهزت الصديقة لحظة هدوء, فامسكت بيد سناء واقتربت منها وقالت لها: “لا تكونى طيبة فى كل الاحوال“. وتحركتسناء بخطوات مضطربة وفكر مشوش, فدخلت الى غرفة الحمام واغلقت الباب باحكام ثم فتحت رسالة المرضى المكتوبة على ورق انيق مزركش. جعلت تقرا عباراته المكتوبة بالحبر الاحمر والاخضر والبنفسجى والمدعمة باقتباسات من الشعر الرومانسى العربى. الصقت شفتيها الغليظتين بالورقة ورسمت قبلها حتى كادت ان تمحو الكلمات الحلوة, ثم اعادت القراءة من جديد. وأغمضت عينيها وانغمست فى رونق كلماته الفاتنة ثم خبأت الرسالة. وفى طريق الرجوع من الحقل لاحت لهما ملامح الحى,فتوقفا بالقرب من شجرة السنط. اقترب منها وكرر الطلب الذى رفضته من قبل. صمتت لتفكر وعندما هم بالكلام قاطعته قائلة: “اخطبنى“. وفى يوم الجمعة ذهبت اليه فى الدكان فوجدتهلوحده. كان المكان هادئا لان معظم الناس ذهبوا لحضور حفل زواج. ترك ترتيب البضائع على الارفف وتحرك بلهفة نحو طاولة الاستقبال فامسك بيدها ومسح باصابع اليد الاخرى عليها برفق وهو يتحدق معها ويتبسم. كان يذكرها بتلك اللحظات التى قال فيها بانها تشبه الكرميل, لونه ونكهته. صمتت وهى سعيدة تنظر الى عينيه الممتعتين. وحين شعرت بالارتباك سحبت يدها وقالت له: “احبك“. ثم ذهبت مسرعة باتجاه البيت.
حين وصل وجد الباب مواربا فتوقف مندهشا وهو ينظر اليها مليا. كانت تسند رأسها على ذراعها المنتصب عموديا وهى تقرا فى رسائله وتنظر الى صوره. كانت تتبسم و تعيد القراءة وتتوقف فى بعض العبارات. خلع نعاله وجلس بجوارها. واصبح ينظر الى الفستان الاحمر. وتأكد من انه لم يكذب حين وصف لاصدقاءه لون الفستان وملمسه. والحقيقة انه فى تلك الامسية كان يتحدث عن رؤيته لما يحتمل ان يكون فستانا احمرا. وعندما امعن النظر وجد ان الفستان به زركشة بالوان خضراء وزرقاء ورسومات دقيقة على اطراف اكمامه القصيرة. حاول ان يشاركها فى قراءة الرسائل فرفضت. وبذلت مجهودا كبيرا فى التغلب على شغبه وتجميع الرسائل وتكديسها تحت اللحاف. وأرهق المرضى نفسه ارهاقا كثيرا. اخيرا رمى بظهره على السرير. كان صدره يعلو ويهبط بصورة مخيفة فوضع اصابعه على عينيه وضغط عليهما بشدة. ولما هدأ فتح عينيه ونظر الى السقف مليا وقال: “انا محظوظ جدا“. عندما كان مغمض العينين, كان يرى نفسه عريسا يضع على راسه تاجا احمر اللون عليه هلال ذهبى يظهر فى مقدمة الرأس. وكان يستمتع بعبق العطور الاستوائية الموضوعة على راسه ويتمايل مع الانغام. وفى لحظة قرر ان يزيل الغطاء من وجه سناء ايذانا لها بان ترقص امام الجميع. وحين فتح عينيه والتفت اليها وجدها منكفئة على بطنها وهى تدفن راسها فى الوسادة وتبكى بحرقة. وضع يده على كتفها فانتفضت. حاول من جديد التحدث معها فرفضت بعنف. صمت قليلا ثم صار يتحدث بعبارات رقيقة. اخيرا قبلها بحذر على كتفها ثم ذهب
حين وجدت نفسها وحيدةتماما جعلت تنتحب بشدة وتتنهد حتى اضناها التعب. ولما عاد افراد اسرتها وجدوهاتستغرق فى سبات عميق. ونهضت فى منتصف الليل,كانت ترتعش من الخوف. كان المرضى فى ذلك الوقت يكاد يقتله الضجر فالتفت الى الوراء ولم ير غير خطوط الضوء المتسربة خلسة الى داخل غرفته المظلمة. وبعد يومين حضرت مع دكتور رافت تلبية لدعوة والد سناء. وجدنا يجلس على سرير خشبى صغير ويلبس عمامة سوداء. تحدث الينا بعبارات سريعة وكانت نبرة صوته عالية ولهجته صارمة ويتلفت باستمرار وينظر الى ابنيه الجالسين بقربه. كانوا مشحونين بتوتر كثيف وتظهر عليهم علامات الاستعداد. كاندكتور رافت هادئا حين ادلى بحديث متزن محتفظا بحزمه المعتاد ووضح رايه الطبى. كانت عباراته موزونة ومرتبة ودقيقة.وكان حديثى مقتضبا ومباشرا حين اكدت لهم بوضوح باننى ضد القتل. وعند حلول الفجر كانت سناء تجلس على سرير فى بيت جدتها فى اعلا الجبل. فى تلك اللحظات تاكد لهما ان تخطيط الام كان سليما جدا رغم مخاطره. ولاول مرة احست بحرية كاملة وهى تستنشق نسائم ريح الجبل الامنة. ووجدت نفسها بين اناس كرماء شجعان ومستعدون لمساعدتها وحمايتها. وهم يمتلكون مبادئ ومعايير مختلفة. وعندما فحصتها القابلة تحدثت معا حديثا طيبا ثم قالت لها: “انت محظوظة جدا“. ولانها تدرك ان الناس هنا لا يستحسنون عدم ختان البنات فان سناء استطاعت تخمين ما تقصده القابلة بعبارتها الاخيرة.
ذهبت الى طرف الجبل فرات مجموعة من النساء يخرجن عند الضحى فيدفن الحبل السرى فى حفرة ويرقصنفوقها. واختلط غناءهن مع ضرب ارجلهن على الارض,وردد الجبل النغمات المطربة وابتهج وصفق مثلهن ورقصت اشجاره وظلالهوينابيعه. وفى الطرف الاخر رات الرجال يقفون فى شكل دائرة ويقرأون القرأن على ضوء المصابيح وهم يرفعون اصواتهم عالية ومهيبة. ولما انتهوا من مراسم دفن الطفل توجهوا كلهم ناحيتها. واستيقظت عندما احست بلفحة الشمس تلسع ذراعيها.وظلت لمدة ثلاثة اشهر وهى ترفض طلبات الرجال الذين تقدموا لخطبتها. وحين رجعت وجدت المرضى يقاوم عناد ابيه ورفضه المطلق لفكرة زواجهما. وفى مرة الح عليه ابنه فغضب الاب بشدة وادام النظر الى عينيه ثم قال له: “انا لا ارضى لك البتة بان تحشر نفسك بين عفن هؤلاء العمال“. كان يقصد اهل ام سناء. وقد وقعت العبارة قاسية جدا على والد سناء. ولولا تدخل زوجته لما صفح عن الاساءة التى وجهها والد المرضى لامها. لكن ام المرضى كانت ترفض الزواج بحجة صغر سن ابنها وعدم مقدرتة على تحمل المسؤولية وانشغاله بالدراسة.
عندما رجع المرضى الى غرفة الاستقبال كان راسه مشغولا بامر الامتحانات النهائية من المرحلة الثانوية وقد اقترب موعدها. وحمل الطفل ودخلوا كلهم الى غرفة الطبيب. وعند الوداع ظل دكتور رافت يردد وصاياه لهما وهو يحتفظ بنفس ابتسامتةالنقية. وفى المطعم كانت الممرضة سعيدة وهى تنقل اخر الاخبار السيئة وتثرثر مع صديقاتها وتحكى لهن عن سناء التى تسميها الزانية البلهاء. ولما انهيت حديثى مع دكتور رافت ودعته وخرجت, وعند المدخل وجدت امامى الاصوات التى ارتفعت بسبب النزاع. وفى لحظة قالت له بالا يتحدث عن الحب لانه لا يعرفه بل يعرف الشفقة وترضية المجتمع. وسالت الدموع من عينيها فصرخت فيه قائلة:” طلقنى“. وتمكن من السيطرة على نفسه وامسك عن الحديث ورفع كفه عالية طالبا منها بان تكف عن الكلام. ثم ذهب فى اتجاه بيته.
وجد امه فى مدخل الدار فلم يتحدث معها بل قصد غرفته وارتمى فورا على السرير. وعندما دخلت عليه عرفت ما يعتمل بداخله. ارادت التحدث معه فرفض وعاند فتركته وهى تامل ان تعود من جديد بعد ان يهدأ.كان فى تلك اللحظات يدفن راسه فى اللحاف وهو مضطرب الفكر وحزين جدا. وساعدته الكلمات القاسية التى سمعها من زوجته على سرعة التفكير.وكانت سناء مازالت واقفة فى مكانها وتبكى بشدة. تذكرت مشهد حفل الزواج الرائع على شاطئ النيل ومشهد رقص النساء فوق الحفرة بعد ولادة ابنها. وتذكرت ملابس المرضى الانيقة البيضاء وهو يسير امامها فى الحقل. واسترجعت كل عبارات القابلة خاصة عندما قالت لها انها محظوظة جدا. وفى لحظة اصبح صدى الكلمات يتنزل عليها كنسمة باردة عطرة تغشاها فى نهار الصيف الحار. وهو كان فى ذلك الحين يتحدث مع امه حديثا طويلا حتى اقتنعت بوجة نظره. ثم خرج متوجهانحو زوجته. كان يمشى بخطوات سريعة وهو ينظر اليها ويراها تتحرك باتجاهه. وكان يتذكر طعم اللقاء العظيمفى حقل القطن النير ولحظة اعلان الحب واريج العطر الذى كان يسكبه على المناديل.ويتذكر كلام سناء عن امها التى كانت تذكرها دائما بان تحرص على اخفاء المناديلوالرسائلعن اعين الحساد والشياطين. وهى تعلم جيدا بانها لم تبح بالكثير لصديقاتها. وعندما اقترب المرضى منها لاحظت علامات التصميم تبدو جلية على وجهه وتاكدت من انه اصبح على مقربة من اتخاذ قرار حاسم. كانت تعلم انها قست عليه بعبارتها الحادة, لكنها استطاعت فى تلك اللحظات ان ترى مشاعره الصادقة تتضح فى عينيه. اخيرا قال لها بانه يتعرض لدفع كبير من ابيه الذى ظل يصر بشدة ويمارس ضغوطا كبيرة عليه لكى يطلقها. اما هى فكانت فى صميم قلبها تعلم بانها مقبلة على رحلة عسيرة جدا.

[email protected]

-


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 845

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد مهاجر
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة