دكتوراة من أجل الوجاهة
03-07-2011 07:41 AM



دكتوراة من أجل الوجاهة
رشيد خالد إدريس موسي

جاء في الأخبار, أن وزير الدفاع في الحكومة الألمانية قبض متلبساً بجريمة النقل لبعض المعلومات أثناء بحثه لنيل شهادة الدكتوراة من إحدي الجامعات الألمانية , إذ نسب هذه المعلومات إلي نفسه. هذه يسمونها جريمة إنتحال العمل العلمي Plagiarism . ويسمونها في الأدب العربي, السرقات الأدبية, كحالة من يسرق بيتاً من الشعر و ينسبه إلي نفسه. و تصل عقوبتها في بعض الدول إلي سحب الشهادة, في حالة حصول الطالب عليها, و إخطار كل الجامعات داخل الدولة بهذا القرار, و ذلك لكي لا يجد فرصة للدراسة مرة أخري, ما دام أن الطالب خان الأمانة العلمية. و في حالة الوزير الألماني , هذا فقد إستقال من منصبه, و تواري خجلاً, و ليس ببعيد أن الجامعة التي تخرج فيها ستحاسبه علي فعلته هذه. هذا حال المجتمعات المتقدمة , حيث يأخذ القانون مجراه الطبيعي, و ليس هناك أحد فوق القانون.
أما في عالمنا الثالث, فحدث و لاحرج, إذ راجت تجارة السرقات العلمية, و راجت تجارة بيع البحوث العلمية لمن يدفع و يحصل علي اللقب الذي يزين به شخصيته (يتم الناقصة). و يشاع أن هناك دولة في جنوب شرق آسيا, توجد فيها مراكز متخصصة لإعداد البحوث العلمية و بيعها. هذا زمان صعب, إستحل فيه الكثيرين كل ما هو محرم, بسبب غياب الأمانة العلمية. إذن المسألة, مسألة أخلاقية في المقام الأول, كما أنها مسألة رقابية, ينبغي علي الجامعات أن تقوم بها , من أجل إيقاف هذا العبث, و حفاظاً علي سمعتها. لقد قرأت منذ سنة, أن الحكومة الأردنية, إكتشفت أن بعض موظفيها يحملون شهادات دكتوراة مزورة, و أن غالب هذه الشهادات من جامعات سودانية. و هذا يعني أن ثمة خلل ما قد حدث و يستوجب المعالجة, حتي لا تهتز سمعة التعليم في بلادنا. ليس هناك شك, في أن هذه الشهادات قد تم تزويرها من قبل جهة ما, في الداخل أو في الخارج, ونسبتها إلي هذه الجامعات. هذه مسألة خطيرة, ينبغي الوقوف عندها و التفكر فيها ملياً.
لكن لا يقف هذا العبث عند سرقة البحوث , أو شراء الشهادات العليا, و إنما يتعدي هذا إلي تساهل بعض الجامعات في منح الشهادات العليا. و لا أدري لماذا تتساهل بعض الجامعات في منح شهادات لمن لا يستحقونها, و هي تعلم أن هؤلاء سيشغلون وظائف عليا في جهاز الدولة, و لن يقدموا شيئاً, لأن فاقد الشئي لا يعطيه , و لن يمكنه إضافة شئي إلي مجال البحث العلمي, لأنه لم يعد الإعداد الكافي. و معلوم أن البحوث العلمية , تجري إما لإضافة شئي جديد, أو إلقاء الضوء علي ما هو قائم, أو ترجمة أو تنقيح و تحقيق عمل ما. لكن فلننظر إلي حال بعض من تأهلوا بدرجة الماجستير أو الدكتوراة في السنين الأخيرة, لنقف علي ما قدموه بعد أن حصلوا علي لقبهم العلمي. لا شئي ملموس, سوي إكتساب الباحث للقب ( دكتور). منذ سنتين, قابلني أحد الطلاب, و كان يعد بحثاً للدكتوراة في إدارة الأعمال, يشتكي أنه لم يعرف معني مصطلح ما في مجال تخصصه. قلت له, لا يوجد هذا المصطلح في اللغة الإنجليزية, و لكنه أصر علي أن هذه الكلمة , هي الكلمة التي يبحث عنها. فتحت القاموس, و لكني لم أقف علي هذا المصطلح. إستاذنته في الإطلاع علي بحثه لكي أقف علي ما كتبه, و فعلاً وجدت أنه كتب المصطلح بطريقة خاطئة , إذ كتبها ( آيكولوجي) هكذا, أي بطريقة Transliteration . أرشدته إلي ضرورة تصحيح ما كتبه , ثم عمدت إلي القاموس و أبنت له معني هذا المصطلح الذي أشكل عليه, و هي كلمة Ecology و هو مصطلح شائع في مجال العلوم الإدارية, و مستعار من مجال العلوم الحيوية, و يعني البيئة التي تعمل في إطارها منظمات الأعمال و تؤثر في نشاطها. هذا مثال لمستوي بعض الباحثين, الذين يضعون نصب عينهم علي اللقب العلمي, و يغريهم لذلك تساهل بعض الجامعات في منح الشهادات العلمية. و فعلاً سافر صاحبنا هذا بعد شهور, حيث حصل علي لقب دكتور من تلك الجامعة التي تسخو في منح الشهادات العلمية, بداية من البكالوريوس و نهاية بالدكتوراة! لا أدري كيف سيتابع مثل هؤلاء الدكاترة, بحوثهم العلمية و هم يعانون ضعفاً في اللغة الإنجليزية؟ و معلوم أن غالب ما يستجد في مجال البحث العلمي و المنشور في الدوريات العلمية و في الكتب و علي الشبكة العنكبوتية, غالبه باللغات الأجنبية, و علي رأسها الإنجليزية.
ثم هناك ( ناس الدكتوراة جاااهزة) . هؤلاء الذين هم في أول الطريق, أي يعدون في رسالة الماجستير و يتعلمون كيف يتم إعداد البحث العلمي Research methodology . هؤلاء الشباب, يدفعهم الغرور, إذ يبادر و يدعي أنه بقر العلم و دخل فيه مدخلاً بليغاً , في حين أنه لا زال في بداية الطريق, إذ يسارع و يقول لك ( خلاص شطبنا الماستر و الدكتوراة جاااهزة)! و لا يدري أنه سيحتاج لقراءة و كتابة ضعف ما حصله من علم , و أنه سيضع قدمه غدا , أي بعد حصوله علي الدكتوراة , في بداية طريق البحث العلمي, إن كان باحثاً جاداً و هدفه المساهمة في نشاط البحث العلمي, و ليس إكتساب اللقب و الوظيفة. أنصح هؤلاء الباحثين إلي قراءة مؤلف الدكتور/ أحمد شلبي, الأستاذ السابق في جامعة القاهرة , و عنوانه ( كيف تعد بحثاً أو رسالة), و فيه إرشادات قيمة لمن يرغب في إعداد رسالته العلمية.
و هناك من هم ذوي مستوي فكري متواضع, و نعرف بعضهم منذ أيام المدرسة , و يعملون محاضرين في بعض الجامعات. هذا شئي عجيب, ذلك أنه من يتبوأ وظيفة الأستاذية في الجامعة, هم من النوابغ الذين يمكنهم أن يقدموا شئي مفيد لطلابهم. لكن في بلادنا, صار كل شئي يخضع للواسطة و للمحسوبية. لقد دخل الفساد , إلي معاقل العلم, فحسبنا الله و نعم الوكيل. جاء في سيرة الدكتور/ جمال حمدان, و كان يرحمه الله أستاذاً في جامعة القاهرة و من نوابغ الجغرافيا, و مؤلف كتاب قيم بعنوان ( شخصية مصر), يروي أنه إستقال من وظيفته في الجامعة, يوم أن عينت الجامعة أستاذاً حصل علي درجة مقبول في إمتحان البكالوريوس. و ليس بخاف أن هذا السلوك, هو واحد من العوامل التي أدت إلي تراجع أداء الجامعات العربية في السنين الأخيرة.
إن الجامعات و المعاهد العليا, هي التي تعد الطلاب و تخرجهم ليساهموا في إدارة الشأن العام. و قد أصبح الإهتمام بالعنصر البشري ضرورة في هذا العصر, بإعتباره مورد إقتصادي , و من ثم شاع مصطلح الموارد البشرية Human resources. هذا يعني ضرورة الإهتمام بهذا المورد البشري, و إعداده الإعداد الجيد, لكي يكون قادراً علي المنافسة في سوق العمل بكفاءة.
الرياض / السعودية


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1759

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#108036 [عبداللطيف]
0.00/5 (0 صوت)

03-08-2011 01:28 PM
يا حيف علي التعليم في السودان


رشيد خالد إدريس موسي
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة