أبريل في حيز المراجعة
04-06-2015 08:39 AM

image

السادس من أبريل، التي تمر ذاكرها اليوم على حين صمت وتهميش وربما نسيان أو ذاكرة مموهة تحاول أن تقول إن التاريخ أنحرف عن مساره أو تم تضليله.. هل هي ثورة بحق، انتفاضة، أم إحدى "اللعنات" التي مرت بتاريخ السودان الحديث مثلها مثل عشرات الأحداث التي كان الناس يظن أنها مركزية ولها فاعلية في تغيير المستقبل ولكن لم يحدث أي شي في النهاية، وعدنا كما يقال إلى المربع الأول. مع التذكير دائما بأن المراجعة السليمة تكون بعد مضي الزمن ليكون متاحا تبصر انعكاسات ما حدث، هل ثمة مرحلة جديدة أم أن التاريخ يُدوِّر نفسه في المسارات نفسها. وهذا هو الواقع؛ بل أسوأ.
لقد ظل السودانيون طوال نصف قرن يتكئون على حدثين باعتبارهما مفصليين وتاريخيين، "ثورة أكتوبر" 1964 ومن ثم "انتفاضة أبريل" 1985، وأنهما يرمزان إلى فكرة التغيير والقدرة على إحداث فعل التثوير والانتفاض ومن ثم نقل العالم إلى صورة جديدة وأفضل، وهو ما لم يحدث. غير أن ذلك المعنى السلبي يجب ألا يوقف العزائم والهمم عن أخذ النقاط الإيجابية داخل الحدث التاريخي بعيدا عن الأثر الآني، وهذه هي النقطة التي في تقديري يجب الانتباه لها والتركيز عليها.
ثمة ثورات كبيرة في تاريخ الإنسانية لم تؤدي إلى ثمرات جلية على المدى البعيد، وانتهت إلى بوار، كذلك فإن ما يعرف بالربيع العربي الذي غمر البلدان العربية اتضح بعد سنوات وجيزة أنه هباء منثورا ليس إلا، لينتهي إلى تدمير وخراب وموات وتشرذم للدول¬ والشعوب، ورأينا عالما عربيا أكثر بشاعة، وهذا لا يعني دفاعا عن العهود السابقة أو عن الحكومات الشمولية أو الديكتاتوريات بقدر ما يعني أن ليس كل ما يبدو جيدا في البداية هو كذلك، خاصة في شعوب لم تتدرب بالمعنى الكافي على فعل التغيير والتثوير، لأن هذا الموضوع في حد ذاته معقد وكبير ويرتبط بفكر متسع من المفترض أن يشمل المجتمع ويعمم على السياقات الثقافية والمعرفية والأنساق التربوية بل والمعاني الأخلاقية قبل أن ينتقل إلى الناحية العملية. فإذا كان المطلوب هو إحداث التحول داخل المجتمعات والتغيير الإيجابي الذي يجعل الأمة أو البلد المعين فاعلا ومتقدما وأخلاقيا ويتمتع بالحريات والشروط الحضارية، فالثورات فعل إيجابي لاشك، لكنها تلك التي تلبس ثوب الفكر وتحمل عناصر ديمومتها واستمرارها بتأسيسها على نهضة من المعارف والأفكار التي تؤسس لها كما رأينا في الثورة الفرنسية على سبيل المثال، فالمحتوى الفكري وعملية إعادة التفكير في منظورات الحياة عموما هي أولويات التثوير المستقبلي.
بإمكان التغيير السريع والمفاجئ أو الانقلابات العسكرية أو التدخل الوحشي بالسلاح أو خروج الملايين هتافا ليوم واحد أن يحدث تغييرا في مراكز السلطة في أي موقع كان، بمعنى ينقل البلد أو المجتمع المعين من سلطة لأخرى جديدة، لكن يبقى هل تغير حال النظم الحقيقية التي تحرك هذا المجتمع وتدير دفة قيمه وعلاقته مع العالم وأنظمة تفكيره وعاداته وأنماط وجوده في تماهيه مع كينونته وذاته وأقداره العليا، أي الاستشراف الذي يسأله بأن يكون له موقع في هذا الوجود.
الغالب والصورة التي تحدث عادة أن النظام يُعرَّف على أنه السلطة المؤثرة والمسيطرة في حين أن التحليل الأدق لفكرة النظام بوصفه قوة التسلط التي تتطلب التغيير، هو الأنساق الاجتماعية في حد ذاتها التي خلقت أو أوجدت السلطة والتسلط، وما لم يخضع ذلك للتفكيك والمساءلات العميقة والجادة وعلى مستويات مختلفة فإن أي تحريك للمجتمع باسم التغيير ليس إلا حلقة مفرغة تعيدنا للنقطة نفسها بل أسوأ، لأن الحركة الفعلية تأتي من خلال تعريف جاد يأخذ منحاه العملي والتطبيقي في التثوير والتغيير والذي يبدأ من حلقات صغيرة وينتهي إلى مساحات واسعة، يبدأ بتغيير نمط التفكير الذاتي والتزام "القدوة" ومحاربة الفساد وعلو الهمم باسم الانفتاح على الآخر ليس كراهية أو باهتزاز وشك، بل بوعي يمكن من فرز مساحة الافتراضات الخاطئة، وليس كما يحدث عادة عندما يحاول البعض اطلاق الكراهية على أنها حل يعمل على إحلال عالم بديل لآخر.
إن القوة الحقيقة وراء الفعل الثوري هي معيارية وليست لحظية وهي ليست وليدة لحظة من ردة الفعل المؤقت أو الحركة الفوقية التي تفرزها طبقات بعينها أو أحزاب أو مجموعة مسلحة أو طائفية، لتحكم السيطرة على المراكز الكبيرة في سلطة الدولة أو المجتمع في حين يبقى أغلب المشهد مهملا وضعيفا من حيث التأسيس الذي يؤهله ليكون قد حقق معنى الانتفاض أو التثوير.
لقد كانت أبريل 1985 تحمل العديد من عناصر القوة التي يمكن الاستفادة منها. لكن ينطبق عليها التأطير العام في أنها لم تأت وليد "إكراهات" ثقافية أو معرفية أو رغبة في بناء مجتمع عقلاني أفضل، لأنها أفرزت مجتمعا أكثر قسوة ونتوءات مستفحلة التطرف من حيث النظرة إلى موضع الذات الإنسانية ودورها في الحياة بشكل عام، وهيأت لدخول مرحلة ما زال السودان يرزح تحت وطأتها من تمديد سطوة الخطاب الأيدولوجي والانتصار للدينونة الأرضية على حساب الدين في بعده المجرد والفاعل والإيجابي، فرأينا كيف أن الانهيار في القيم قد استفحل وعم المجتمع بحيث يمكن القول إن كارثة ضربت الحياة الاجتماعية السودانية، ينسبها البعض للظروف الاقتصادية، نعم قد يكون لها تأثير أو قد يعمم الأمر على أنه السياسة. لكنها المشهدية، هي جزء من تجليات الحادث فعليا من تغيير نمط العقل واشتغاله غير الكفؤ مع تقاليد التسامح ومحبة الآخرين والتراحم وغيرها من صور البطولة السودانية التقليدية. ولعل التمييز الواضح للتغيير الذي حصل يكشف أن تنميطا تمّ للذهن الجمعي باتجاه الأدلجة السالبة التي رسخت الأنا المنغلقة وفتحت الإنسان باتجاه تعزيز القبلية والكراهية والتفوق المادي والشكلاني وتعميق الهوة بين أهل السودان وتقليل عزائهم باتجاه الثقة بالذات، لتكون نتائج ابريل المتحصلة اليوم وكما يمكن ملاحظتها هي الانقلاب على القيم التي من المفترض أنها جاءت لأجلها.
وقد يقول قائل لا ليس لأبريل علاقة بذلك، لكن يجب أن نقف لحظة لندرك أن الأزمة وإن بدأت ما قبل أبريل منذ نشوء ما يعرف بالدولة السودانية الحديثة وخروج الإنجليز من البلاد، ومحاولة ترقيع حلم الدولة الوطنية، ذلك الثوب الذي لم يكتمل تفصيله إلى اليوم في حين يتغير قماشه من فترة لأخرى ما بين الأهواء الحزبية المختلفة وصرعات العسكر الذين يريدون ثوبا مفصلا على مقاسهم فقط. إلا أن المعنى الأوضح يكشف أن أبريل بقدر ما كانت نهاية أزمة كانت بداية أزمة أعقد في ديمقراطية هشة لم تتأسس لها الأرضية والأدبيات السديدة، فانتهت إلى العسكر مرة أخرى وبعذابات موحشة، ليكون الرهان وإلى اليوم هو الإنسان.. التغيير الذي لن يكون بشكل مستقبلي ما لم تتغير أنظمة وعينا وطريقة بناء خيالنا وتخييلنا وقدرتنا على أن نكون فاعلين بحق وبمرجعيات عظيمة.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 972

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة