المقالات
ثقافة وآداب، وفنون
عماد البليك
نوستالجيا المثقف!
نوستالجيا المثقف!
04-13-2015 02:55 PM


كثيرا ما نردد كلمة نوستالجيا وفي مواقف عديدة، وهنا أتحدث عنها في إطار الثقافة والمثقف، وقبل ذلك أتوقف عند معنى الكلمة أو دلالتها التأسيسية حيث أن النوستالجيا في اليونانية القديمة تعني الشوق والألم، فهو نوع من الاشتياق والتذكر والوله المشوب بالحنين وإن كان مؤلما في الوقت نفسه، وهو "ألم الجهل" لأن الذات ما زالت غارقة في الماضي والأمس لم تصل بعد إلى مساحة جديدة حقيقية، حتى لو أنها في تمظهراتها تقول غير ذلك، لأن الأساس والجوهر القديم ما زال باقيا ومتجذرا.
وغالبا ما يستخدم اصطلاح النوستالجيا في معناه العملي والمباشر لوصف الحنين إلى الماضي، عند من يعاني ذلك "المرض" بحيث يكون لديه هوسا أو نوع من المعاناة النفسية وحيث يظن أنه لن يستطيع أن يعود إلى بيته ودياره التي غادرها أو أنه سيظل يعيش اكتئابا كبيرا جدا لا يقدر على الانفكاك منه أبدا. كما توصف النوستالجيا على أنها حالة مرضية أو شكل من أشكال الاكتئاب خاصة إذا أصبحت ملحة ومتكررة بحيث تشكل عمى للذات عن رؤية المستقبل والتبصر الأفضل للحياة بحيث تعيق الإنسان عن الفعل الفاعل والإرادة السوية التي تصنع الجديد وتنشد المبتكر وتتجاوز أنظمة التخييل الكلاسيكية.
وفي فترة من تاريخها التوصيفي والعملياتي ارتبطت النوستالجيا بدرجة عميقة بمدارس فكرية وفنية تحديدا مثل الرومانتيكية في أوروبا وإلى نهاية القرن التاسع عشر ومنها انتقلت للعالم العربي في مطلع القرن العشرين، فوجدناها في أشعار أبوالقاسم الشابي والتيجاني يوسف بشير وكتابات المنفلوطي ومدارس المهجر كما عند إيليا أبوالماضي، هؤلاء الذين مارسوا نوعا من الحنين ليس للماضي بل للذات المتحررة عن الطريق برغبة الالتحام مع مطلقات الطبيعة والكون والوجود والجماليات المجردة، بظن أن خلاص الإنسان وتحرره يكون بالتماهي مع العالم الخارجي، وهو الفكر الرومانتيكي الذي سرعان ما أثبت فشله كقيمة جمالية، وكان قد استورد في سياق الخيال العربي بعد أن استنفد غرضه أو وظيفته في المجال الأوروبي. تماما كما فعل الحداثة التي بدأنا في الكلام عنها بعد أن انتهى دورها وفعاليتها في الغرب ومنذ 1974م حيث يصعب تحديد مؤشر زمني مباشر لذلك الشيء.
وهكذا فإن النوستالجيا لها أكثر من صورة وتجلٍ، فهي حنين مطلق إلى الماضي أو الجوامد والقوالب وتكلس الذات وانغلاقها سواء على الخارج أو الداخل، وهي رغبة في تلمس الحل في البعد الآخر سواء كان زمنا حديثا أم قديما جدا، هي رغبات العقائد التي ترى نفسها هي الإطلاق دون سواها وتمارس الإكراه لتكون هي الحقيقة المطلقة على الدوام، وما أبشع الصورة ساعة تكون تلك العقيدة يتبناها المثقف أو من يسمى نفسه داع للتحديث والتجديد وتغيير أنساق الحياة الإنسانية والوجود.
إن هذا الحب الإكراهي والجزافي للماضي أو الأمس تحديدا فترة عقدي الستنيات والسبعينات في السودان، ما زال يمارس وبشغف كبير من قبل مجموعة أو جماعة من "المثقفين" الذين أنتجتهم تلك الفترات والذين يعتقدون بإذنهم ان التاريخ قد توقف هناك ولم يتحرك قيد أنملة، وهم بذا يعمقون من الحب السلبي والإرادة التي يمكنها أن تصنع المستقبل بسجنهم المعرفة والعلم والثقافة في تلك الفترة، وبظن أنهم حماة التغيير والباحثين عن الجديد، وأن ما سواهم باطل وغير ذي قيمة، فهم من يوزعون صكوك الانتماء والهوية التي يريدون تكييفها على شاكلة ما أفرزوه من أدبيات تكرس لقيم لم يكن لها أي أثر في إحداث فاعلية في الحياة السودانية، وإلا لما كنا في ما نحن عليه من انكسار وتأخر.
إن مكان النوستالجيا التي يمارسها المثقف هي بيته حيث يهرع إلى كتبه العتيقة أو مجلداته القديمة أو مذكرات أقرانه ممن عاشوا تلك الفترات، أو يشاهد فيلما بالأسود والأبيض أو يستمع لأسطوانة مشروخة يديرها على جهاز مستلف من تلك الأزمنة يضعه في صالة بيته الذي بناه أبهة لم تنعتق عن السياق الرأسمالي والبراجوزي السائد في المجتمع السوداني، فهذا المثقف الذي يظن له قيما هو أسير ما أفرزه المجتمع من كيميائيات الرأسمال والتزعزع الأخلاقي والجنون الذي يسود الناس باسم الصراع الفاضي الذي لم يقد لغير الدوران المفرغ. ولهذا فإن خطابه يجب ألا يغادر ذلك البيت والركن حتى لا يضلل العام.
إن الحديث لدى البعض بأن الحداثة السودانية مركزها هو تلك الفترة، ليس إلا نوع من الخبل الوجداني لأن الفعل الحداثي لم يكن ارتكازيا ذات يوم في سياق الحياة السودانية، فما حدث هو صور مشوهة للفعل وليس هو في حد ذاته، لأن التأسيس كان ضعيفا ولم يأت من قبيل الحراك الإيجابي والممرحل والسهل وإنما نوع من الإكراهات التي هي أساسا تفتقد للوعي بها والإيمان العميق. فـ "الأفندي" الذي عاش تلك الفترة وصورته معروفة من خريجي ما أفرزته غردون التذكارية ومدارسها الكلاسيكية، بات يعتقد أنه المثقف وحسب وعمل بشكل جارف على اقصاء أي نوع من المعرفة خارجه، كما تم مثلا تهميش الراحل محمد أبو القاسم حاج حمد أو الأستاذ الراحل الطيب محمد الطيب وغيرهما من بروفيسورات بحق لم يرسلوا مقالاتهم الدورية إلى المجلات التي تضع "البونص" للترقيات الخرقاء. والعبرة هي بالإنتاج والرؤى والانعكاسات التي ليس لها من أثر ولا وجود ولا ترقي ملموس في الواقع ولا الوقائع.
إنها نوستالجيا مؤلمة تجلب الشفقة والخوف على مصير هذه الشخوص، ولكن في الوقت نفسه تقرر بشكل واضح أن الإنسان هو المستقبل، وان ما سوى ذلك سوف يذهب جفاء وهباء منثورا، فالتاريخ البشري ظل دائما يقدم تصفيات قوية ومدمرة لكل فعل غير خلاق بحيث يبقي على الحقائق الكبرى والعميقة وينسف ما سواها، وبهذا فإن أي أحزمة ليس لها سوى الوله النوستالجي لن تصمد أمام جرف التاريخ وستقف أمام حراك الإبداع والتخييل والمنجز الثقافي الذي لن يتوقف ولم يتوقف في تلك الفترات، أو كما قال الفنان محمد وردي ذات مرة أن الفن السوداني توقف في الستينات.
إن ترميم الذاكرة بالنوستالجيا الخرقاء والشلل والأقران وبعض من المراجعات الشكلانية لن يخدم بأي شكل كان في سبيل ما اسموه مراجعة حداثوية للهوية أو تأسيس جديد للوعي يقوم على الاستشراف والأمل وأخذ تفكير وإنتاج الجيل الحاضر في الاعتبار، فمن يفعل ذلك يظن أن التاريخ قد انقطع حبله وتصرمت أوصاله عند ذاك الوقت.
إن التمسك بهذا الشكل أو الموقف من وعي الذات، يعني الحنين إلى "ماض مضى غير مأسوف عليه"، إلا في حدود مساءلة صادقة وقوية وذات انتباهات تستبعد مجرد البكائيات، وما سوى ذلك لن يكون له من أثر فاعل أو حقيقي على الراهن المعاش، من حيث تشكلات الحياة، ما يجعل الكلام أو الحديث عن تلك الفترة "التاريخية" لا يغادر ذلك التوصيف المتعلق بفكرة التعازي والوقوف على الاطلال.
أخيرا فإن الحديث عن التحديث أو الحداثة هو أمر فارغ في حد ذاته، إذ لم ينتبه فعليا وعمليا إلى ما هي الحداثة المعنية بالضبط وكيف تتبلور، وما هي أبعادها وفضاءاتها، وإلا كان الأمر مجرد مضي في تعميق الهوة بين الواقع والتخييل، بين الوجع السوداني المعوج وأخطاء الأمس العميقة وما أفضت إليه من تراكمات ساذجة في السياقات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية.
[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1335

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1247973 [عبدالفتاح علي خلف الله]
0.00/5 (0 صوت)

04-16-2015 09:07 AM
الاخ الكريم -ازمة الماضي المحكي في حاضرناالماثل لدرجة القداسة، عطلت حركة ودوران الفكرة والاحباط في جدوي المبادرة وشغف الريادة وهي ازمة حقيقة لفقدان الحوار بثقة تواصل الاجيال عوضا عن تعمد حرق المراحل والتسيد في الخواء واضمحلال المعالج الموضوعي وتقزمة - هكذا العيش في غربة النفس رغم تماهي المكان وحميمة العيش فيه - دعوة اخي الكريم لافض فوهك -لنشاة (حلم الواقع ) مدرسة فكرية جديدة خاصة بنا في السودان مراهنا فيها علي شباب خلاق ومصادم وتواق الي فجرا جديد -مدرسة قوامها هاجس التنمية الحقيقة في صياغة الغد الجرئ وطلقةداوية علي قرص الشمس لتذداد دورانا وتوهجا -الشياب...الشباب اثابكم الله

[عبدالفتاح علي خلف الله]

#1246504 [حكم]
5.00/5 (1 صوت)

04-14-2015 10:22 AM
شكرا على المقال الجميل

كنوع من الاضافة او وجهة نظر خارج اﻹطار الفلسفى .. اﻹرتباط بالماضى واﻹنغلاق فيه هو ضرب من ضروب الثقافة والتى تجذرت فينا. فالحكاوى عن الماضى هى الوسيلة المتبعة فى المجتمع القبلى لحفظ ثقافة القبيلة من عادات وتقاليد.

المجتمع السودانى هو اساسا قبلى وعشائرى . كمثال ، واحدة من اﻵليات المتبعة لكسب احترام اﻷبناء لمن هم اكبر سناً (كل اﻷبهات كانوا اﻷوائل لما كانوا صغار) .لذلك كثير من اﻷبناء لديهم الفكرة المتجذرة بأن جيل ابائهم واجدادهم هو اﻷفضل بحكم عامل اﻹحترام واﻹعتقاد فى كمال الشخصية (فاﻷباء واﻷجداد عكسوا صورة انهم كانوا مثاليين طيلة حياتهم)..
نفس اﻷب الذى ينجح فى غرس هذه الصورة المثالية فى ابنائه ، يحاول ان يفعل الشىء نفسه فى محيط العمل. ربما فى قرارة نفسه يعترف بان التطور التقنى ساعد كثيرا فى تنمية المهارات الفردية ، فانغلاقه فى الماضى نوع من انواع الهروب من الحقيقة. كذلك ، من عاش سنوات وهو فى قمة المجد ، ليس من السهل ان يتنازل عن النجومية لغيره من صغار السن (لقد كسب المعركة مع اقرانه وﻻ يريد ان يفقدها مع اى جيل اخر) ، فهو نوع من الدفاع عن حقه المكتسب فى النجومية. فالغيرة المهنية والعلمية متواجدة بكثرة

لكن يا اخى ﻻ تنسى ، ان وسائل اﻹتصال الحديثة التى سهلت طرق اﻹنتشار قد افرزت لنا كثير من اﻷشباه (اشباه فنانين ،اشباه مثقفين واشباه مهنيين)، فهى الطريقة اﻷسهل ﻹثبات الوجود والذى كان يعتمد اساساً على الجودة والتجويد فى المجال المعنى.

تحياتى

[حكم]

#1246273 [ود الباشا]
0.00/5 (0 صوت)

04-14-2015 01:27 AM
حرم لايوجد مثقف مثل ابوريشة بلوم دان لو فيون

[ود الباشا]

عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة