المقالات
ثقافة وآداب، وفنون
عماد البليك
هل قرأ أوباما إدوارد سعيد ؟
هل قرأ أوباما إدوارد سعيد ؟
04-19-2015 02:32 PM

image

لا يحكى

"قصتي الشخصية ليست فريدة إلى هذا الحد"
باراك أوباما في خطابه بالقاهرة 2009
***
في مايو 1998 وفي مناسبة للجالية العربية في شيكاجو التقى السيناتور باراك أوباما مع أدوارد سعيد، حيث جمعتهما طاولة العشاء. هذا اللقاء أعيد اجتراره على أنه علامة صداقة طويلة بين أوباما والمفكر الفلسطيني – الأمريكي. في حين أن الأمر لا يتعدى مجرد تلك الساعة. والتي لا نعرف ما الذي دار فيها بالضبط!.
وفي تلك الليلة تحدث سعيد عن حقوق الفلسطينيين، ولابد أن باراك شاركه بحديثه الجانبي بحضور ميشال زوجة الثاني ومريم زوجة الأول. ومن صور توثق ذلك الحدث، يبدو أوباما مستمعا، في حين يتكلم صاحب "الاستشراق".
لم يتح لإدوارد سعيد أن يحضر اليوم الذي أصبح فيه أوباما رئيساً للولايات المتحدة، فقد توفي كما نعلم سنة 2003، وقطعا لم يحضر خطاب الرئيس أوباما الشهير في القاهرة في 2009 والذي حاول فيه الأخير ان يقدم تصوراته لأنساق العلاقة مع الشرق والعرب.
ولو حدث أن القدر غيّر جزءاً من تصاريفه وسمح لسعيد بالعيش إلى الآن، فماذا كان سعيد سيكتب عن أوباما؟ تحديدا عن خطابه للعالم الإسلامي من مصر وعن "كفاحه" ضد الإرهاب وعن مقتل أسامة بن لادن وعن الربيع العربي وبروز داعش وغيرها من الحيثيات والوقائع التي حصلت في عهد أوباما والتي لا يمكن دراستها بمعزل عن فكرة الشرق والإسلام والتراث؟
بالنسبة لي شخصيا فإن سعيد مهم جدا.. أعني أن قراءته مهمة جدا لرئيس مثل أوباما، وربما فعل هذا الشيء فعلياً.
لكن ما اعتقده من جانب آخر، أن أوباما ليس مشغولاً إلى حد كبير بالسياقات الفلسفية والنظرية للعالم، بقدر اقترابه من المثال السياسي. فن الحياة وفق قواعد أفرزتها ثقافة الولايات المتحدة عبر قرون من السعي الحثيث نحو إدراك معنى الإنسان. دوره في العالم. وجوده بالمعنى الوجودي البحت. خصوصا تلك القواعد المتعلقة بفن إدارة العلاقة مع الآخر والتعايش معه، بغض النظر عن النتائج أو الممارسات التي تمت خلال أكثر من عقد، من هيمنة الولايات المتحدة كقطب أحادي على العالم.
توفي سعيد، وثمة شائعة قبل عدة سنوات كانت تقول إن المثقف الفلسطيني رشيد خالدي صديق مقرب لأوباما. ورشيدي في عرف البعض وريث شرعي لمشوار سعيد الفكري، ومدافع مقبول عن القضية الفلسطينية، وقد ورث الرجل موقع سعيد في تدريس التاريخ العربي المعاصر في جامعة كولومبيا الأمريكية، أيضا ورث "الصداقة المتوهمة" بين أوباما وسعيد، وينسب له أنه قال عن أوباما: "كان زميلي في جامعة شيكاغو وجارا لي وكذلك صديقًا لأسرتي". ولعل فعل "كان" هنا يخفف من وقع الأشياء، لاسيما أننا نعيش في عالم ينسى سريعاً!..
في كتاب "الاستشراق" الذي نشره سعيد قبل ثلاثين سنة – تقريبا – ثمة نقطة مفصلية ينطلق منها الكاتب للنظر إلى الموضوع برمته، وهي الحملة الفرنسية على مصر، عندما جاء نابليون بونابرت مبشراً بالثقافة والعلم، ويشرح لنا سعيد بإسهاب الجذور الفكرية لعقل بونابرت، وكيف أن الرجل نتاج ثقافة متعمقة وقراءات شكّلها تراث من كتابات المستشرقين. فقد كوّن بونابرت صورة ذهنية عن الشرق، قائمة على المعرفة قبل أن ينطلق إلى مهمة "الهيمنة". فهل ينطبق الحال نفسه على أوباما؟
هل كان أوباما قد افتتح سنوات حكمه بأن يكون ذلك الـ "بونابرت جديد" الذي يؤمن بالمعرفة قبل الهيمنة؟! أم أن مفردة "هيمنة" فيها شيء من التقليل من شأن الرجل ومهمته التصالحية في إبداع سلام مع العالم وفق قراءاته الخاصة لمفاهيم "الاستشراق"؟! لاسيما والرجل كان في البدايات قد أتى بمنظور سلام محدد بغض النظر عن التوصيفات اللاحقة في الفعل والممارسة السياسية، حتى أن نوبل للسلام كانت من نصيبه على الأفكار قبل الأفعال.
بسياقات متشابكة في المقارنة، سنجد ثمة فرق واضح بين الرجلين، فبونابرت نتاج عقلية عالم ما زال مغلقاً رغم انفتاحه. نعم، كان العالم ما يزال غامضاً. وهذا الغموض مستمر. لكن العولمة والمساحات الافتراضية المفتوحة عبر شبكات الويب جعلت الدنيا الآن أقل سحراً من الأمس، أيضا وبمقارنة بين زمن بونابرت والراهن فقد تحولت العلاقة بين الشرق والغرب إلى منفعية عالية البراغماتية، مغلفة بحرص على الآخر وطابع تسامحي في إطار شكلي.
ربما كان الجزء الأخير بالتحديد هو مفتتح خطاب أوباما في تحديد العلاقة مع الآخر، عندما أكد: "إن الفترة الزمنية التي نعيش فيها جميعا مع بعضنا البعض في هذا العالم هي فترة قصيرة والسؤال المطروح علينا هو هل سنركز اهتمامنا خلال هذه الفترة الزمنية على الأمور التي تفرق بيننا أم سنلتزم بجهود مستديمة للوصول إلى موقف مشترك وتركيز اهتمامنا على المستقبل الذي نسعى إليه من أجل أبنائنا واحترام كرامة جميع البشر". والمحور الثاني قوله: "توجيه اللوم للآخرين أسهل من أن ننظر إلى ما يدور في أعماقنا".
سياقان من التداخل بين فكرة المنفعة مرهونة لفلسفة سياسية، كذلك قيم من وعي العالم تتأسس على سياق عاطفي، روحاني مشبع بالمعاني الإيمانية التي تدعو لها الديانات السماوية التي كان مولدها في المنطقة. وهي جزء من سياقات تخالف ما كان عليه عالم "بونابرت" حيث كان فكر التشارك غير قائم، وكانت النظرة إلى العالم أحادية كما يوضحها سعيد: نظرة الأكبر إلى الأصغر، الأعلى إلى الدوني.
لكن ما يتشابه فيه العالمان "القديم والجديد"، هو: أن أفهم الآخر لكي أهيمن عليه، مع اختلاف الوسيلة أو الطريقة، حيث يلخص عصر بونابرت في أن "المعرفة كيد أو ساعد للهيمنة"، ويلخص عصر أوباما في الهيمنة عبر"النظر إلى الأعماق بدلا عن توجيه اللوم إلى الآخر". وبهذا يمكن فهم خطاب أوباما وقتذاك وربما إلى اليوم على أنه محاولة لفهم أمريكا أكثر من كونه لفهم الشرق والمنطقة، محاولة فهم من خلال تفكير بصوت مرتفع.
قد ولّدت العولمة والثقافة المفتوحة عبر نوافذ الويب وإلغاء مقولة كصراع الحضارات، أضف إلى ذلك ظلال سبتمبر 2001، كل ذلك أدى لمولد "إنسان جديد" كان تجسيده أمريكيا في نموذج "أوباما" الذي هو نتاج حركة تمازج كبيرة وتجل عميق للديمقراطية والانفتاح على الآخر، وليس حتميا أن هذه الصورة هي الأفضل والمثال.. لكنه على الأقل تعكس أبرز تجليات ومفاتيح فهم ما الذي ينبغي عليه أن تكون صورة العالم الآن؟ رغم كل ما فيه من إشكالات عميقة جدا.
ندرك أن العالم لا يخضع لتصورات أناس بعينهم حتى لو كانوا زعماء على شاكلة أوباما، لأن العالم نسيج معقد وبنى مركبة. لكنه حتما – أي العالم – يخضع لتصورات مفكرين أمثال سعيد!.. فسعيد مؤثر وحاضر في خطاب ونزعات أوباما وحاضر في لحظات مفصلية في ما يجري في العالم اليوم، ولا يمتلكني شك أن أوباما قرأ سعيد، وهو أمر لو حدث وزال شكي يكشف عن حالة راقية من الـ "بونابرتية المعصرنة" التي من المفترض أن تكون تمثلاتها الواقعية أفضل.. غير أنه دائما هنا مساحة فاصلة وشاسعة بعض المرات بين الأفكار والنماذج والتطبيقات..
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1444

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1251334 [عبدالفتاح علي خلف الله]
0.00/5 (0 صوت)

04-21-2015 10:13 AM
اخوي عماد -التحيات الزاكيات
قرأت قبل مقالك هذا بفارق الدقائق مقالا لناقد ادبي حول الدراما العربية ووقوعها الي يومنا هذا في برك اسنة حيث لم تنفك اسيرة كوميديا الفالس التعيسة -والتراجيديا الاجتماعية الخانقة والمكررة والاعمال التاريخية الهزيلة حيث بلغ الاغماء فينا مبلغ الزوال ونحن في حضرة (كنا) وكذلك الاجترار البدوي المشوه بينما هناك ثيمات الرومانسية -الاكشن-الفنتازيا- الخيال العلمي -اعمال السياسة -سير الاعلام-وغيرها ابناء شرعيين نتاج التفاعل الاسفيري وحمي الواقع الاليكتروني وثقاغة (Take - Away) هذا في ظني البيات الشتوي المتصل في فعل الابداع الملتزم والمتغير .
اوباما حدثا فريد في منظومة الادارة الامريكية، دراماتيكية الفعل الانتخابي وبروز الطبقة الوسطي وتراجع النخبة وكذا الخطاب الواقعي المثقف والتحدي البرجماتي الجرئ في قواعد لعبة السياسة الدولية
كل هذا يأسر مشاعر المفكر الفلسطيني سعيد في طاولة عشاء انيق في حضور السيدتين الفضليات وعلي الطاولة برغم كل هذا جرحا عميق ودما نازف وشرودا مستمر وشعبا وهوية كاملة ضائعة من اضابير سجلات الاحوال المدنية العربية -تري اخوي عماد اين نلتقي بمنطقة اوسطي ،سعيد مأزوم بفكره وقواعد انطلاقة وهو ايضا تؤرقة احمال تبعات الهوي والهوية -لك اخوي عماد كل الود

[عبدالفتاح علي خلف الله]

#1250289 [abdalla abdelwahab]
0.00/5 (0 صوت)

04-19-2015 10:50 PM
Yes he red it,beside Franze Phanon, Loarka, and so many Philosphers, I found that through a book written about Obama's back ground

[abdalla abdelwahab]

عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة