المقالات
منوعات

04-21-2015 02:38 PM


خرج من المكتب مسرعاً وانحشر فى سيارته ورفع يده مودعاً صديقه, فأدار المحرك ثم وضع يده على المقود. تردد قليلاً ثم جعل يلعن شيطان الحيرة الذى أزعجه فجأة. وبعد نصف ساعة أوقف سيارته قرب مدخل المتجر, وفكر من جديد فى أن يتراجع. لكنه تمكن سريعاً من حسم أمره وطلب من صاحب المحل ان يجهز صندوق الشيكولاتة بنفس التفاصيل التى سردها له من قبل. ومع ذلك لم يكن على قناعة تامة بأنه قد اختار الهدية المناسبة لخطيبته , لكنه لم يشأ أن يتراجع لانه لا يملك البديل الأفضل. ولحرصه الشديد على سد كل الثغرات أخذ يسرد مطالبه كلها بصورة أثارت الضجر فى المحل. واعترف لصديقه فيما بعد انه كان جلفاً مع الرجل, لكنه برر سلوكه بشقفه المهول بها وحبه الجامح. وهو يقول ان لطف روحها وألقها وفيض طلة صبحها الضحوك تطغى على سحر كل النساء. وهى أسمى منهن رغم صرامتها وقت الجد وصلابتها الشديدة حين تجادله فى أمر تؤمن به ايمانا قاطعاً.
حتى اللحظة التى نطقت فيها بالعبارة الحادة, كان يعتقد ان الامر قد حسم. وعندما قابلها قبل أيام حدثها بان ما جرى كان حدثاً عابرا ولن يتكرر. وكان فى تلك اللحظات يرفل في طعم الهنيهات الطيبات المسكرات. وعندما دخلت الى الكافيتيريا كان قلبه يدق بصورة بينة, كان يهاب عتابها، ومع ذلك استمتع بنكهة حضورها وانتعش. وبسرعة شكر النادل على العصير والتفت اليها ثانية. استدارت باتجاهه و زحزحت جسدها الذي أعياه مطر الأسئلة, وتزحزحت مرة اخرى حتى اصبح جانب جسمها الايسر قريبا جدا منه, ثم وضعت كوعها على المنضدة واسندت خدها الايمن على كفها. وجعلت تتحدث اليه وهى تركز ملياً فى عينيه الجذابتين. ضحكت من توتره حتى اهتز جسمها كله. داعبته فضحك شيئا ما. وتبسمت فنفحت طاقة جديدة فى روحه شجعته على الحديث, لكن عباراته جاءت بنبرة مترددة وخجولة. وبعد ان تمكن من السيطرة على نفسه واستعادة ثقته المعهودة تحدث معها بوضوح ووعدها من جديد بالا يكرر ما فعل. داعبها فضحكت وضحك هو بصوت عالى. لكن شيئاً ما جعلها فجأة تخرج ما اعتمل في صدرها, فقالت عبارتها بوضوح وحزم شديد
- وان عدتم عدنا
تماسك ووطن نفسه الى طمأنينة ما, وكان يركن الى الحب العنيف الجارف. متيم جدا, موله يهيم بها فى واديه الفريد. وادركت حاله فاعتذرت من خشونتها. أطرق برأسه باحتراس. "سيقولون اننى تجرأت على ذلك لان امها جنوبية", حدث نفسه. امها كانت معتدة بنفسها الى حد العجرفة, هكذا يقول عنها البعض. لكن الحب استمر اربعة اعوام حتى توج بالزواج, ودفع المهر كله, خمسون بقرة. اربعة اعوام قضاها الاب التاجر متأرجحا بشاحنته بين الشمال والجنوب. وهى الان فى الثانية والعشرين, فى مثل عمر امها حين تزوجت, حلوة العينين والقوام, ضحوكة وخفيفة الروح مثل امها, لكنها اخذت من ابيها شعره الناعم الجميل وطعم القمح ولونه وصرامة التاجر القدير وذكاءه. عذبة لم تعكر نقاء معدنها الكلمات القاسية, طلقة المحيا صبوحة. فى خلوته كان يعانى ويجهد نفسه للامساك بتفاصيل اللحظات القصيرة الرطبة, لكنها كانت سريعاً تفر منه وتتبخر. قال انها انضر من القمح, وان الشمس تمتص تبر الغروب من صحن خدها. قالت له انها تحب البن وطعمه ونكهته. وهى فى الحقيقة أحلى من البن ومن القمح وانضر من المانجو واطيب من كل الورود الاستوائية, اجتمعت فيها كل فتنة الشمال والجنوب.
قبل خروجه من المكتب كان ينظف حاملة الاقلام القابعة على المنضدة ويداعبها, وهى قطعة فنية رائعة من الخشب نحتتها بيديها القديرتين. تأمل فى القطعة, قطة سوداء العينين, مثلها تماماً, تتكئ على كفه وتتمطى, وتتبسم وتتثاءب وهى تنظر اليه وتلوح باظافر الخربشة وتداعبه ثم تنسل هاربة. كان فى تلك اللحظات يستمتع بدعابتها الخشنة ويخاف من الخدش. اما جمال النحت فأورث فى قلبه الغيرة الشديدة من الازميل, وقد اصبحت غيرة ابدية. تبسم حين أحس بقسوته تتنزل على جسم الخشب. همس اللوحة وفرحتها اشعل ضوء بسمته العذبة, قبلها, ذابت فاكهة النشوة فى فمه, واختلط الشهد بحلاوة بسمتها, وتسرب سعد اللحظة الى الاعماق. تضعضعت هواجسه, تبخرت. اغمض عينيه ليستوعب تفاصيل الاشباع ودفء اللحظات الحبلى بالادهاش.
كانت بمفردها فى الدار, فى يوم العيد, وكان يغمرها البشر, معتدلة فى وقفتها وهى تستمع بنشوة متواصلة وتررد مقاطع الاغنية التى تحبها. تمطت ثم عادت لترتيب اثاث غرفة اخوتها ونفض الغبار عنه. صفق بيديه وحياها فلم تنتبه, الصوت العالى لجهاز الكاسيت طغى على كل شئ. توقف وتبسم, تفحصها بعناية, شعر بشئ ما, شئ جديد ومثير, مصقولة اكثر من ذى قبل, فارهة عجزاء, هيفاء الخصر. اقترب منها وبرفق شديد وضع اطراف أصابع يده اليمنى على كتفها. ارتعشت ثم استدارت بسرعة وجعلت تنتفض وتتراجع, ثم اقتربت منه, ضربته على صدره عدة مرات, ثم امسكت بتلابيبه وشدت بقوة حتى جحظت عيناه. وحين شعرت بان الالم يشتد عليه أطلقته ومسحت على خديه ثم اعتذرت. حدثته بانها لم تك تتوقع ان يدخل عليها اى انسان. وضعت يديها على كتفيه واعتذرت من جديد. وضع يده اليسرى على كتفها ثم قبلها. حركت شفتيها الغليظتين النديتين الممتعتين, لكن الدهشة حالت دون تدفق سيل البوح. اقترب منها وجعل يهمس بحديث كالهذيان. احس بنكهة البن الاستوائى تتراقص بين شفتيه, وسرى فيض النشوة مهراقاً فى جسده, وزاد الفيض وكسا كل الارجاء. ضحكت بعذوبتها السحرية والسعد الميمون يشمل كل جزيئ فيها. تراجعت وابتعدت, كانت جذلانة خجلى, رفعت سبابتها, غمزت وابتعدت وابتعدت وتلاشت صورتها وتبقى طعم اللحظات العذبة.
وصل عصراً فوجد الاسرة كلها مجتمعة في فناء الدار يشربون الشاي بالحليب. أعطاها صندوق الشكيولاتة فأخذته إلى المطبخ. كان يريد ان يعبر عن اعجابه الشديد بالصانع الماهر المتقن الذى ورث المتجر واسرار المهنة من ابيه شريك التاجر الانجليزى البارع الذى غادر البلاد قبيل الاستقلال. فى الطريق تآلف مع قطع الشيكولاته فأخبرها بالعنت وشكى لها لوعته وعبر عن احباطه من بقاء هواجس ما بعد الحادث الى الان. ومن شدة ولعه بالحديث معها اطلق عليها اسماء تميزها, البرتقالة والمنقة والصدفة والكرزة والفستقة والموزة والفانيليا. تبسم فأغلق الصندوق ثم أعاد تثبيته على المقعد. كان يخاف أن تتعذب بهجير الخرطوم القاسى, لكنه لاحظ انها كانت تضحك وتقهقه حتى جعلت يده تهتز. شد قبضتة على المقود ثم قاد السيارة بسرعة, وارتعشت يداه من فرط اللهفة. ولما شد قبضتيه من جديد قال لنفسه: "هذه الشيكولاتة لم تجرب الحب", وتبسم حتى برزت اسنانه البيضاء. ولم ينتبه لحالة الفرح والتبسم حين رجعت خطيبته من المطبخ. كانت كذلك ترافقها ابتسامة حلوة نقية. اقتربت منه فربتت على كتفه لكى تصحيه من هيامه الغريب. قالت:
- قهوة طبعاً
- كالعادة
رد عليها وجعل يقتطف أسئلة الحيرة ويلصقها على تقاطيع جسمها ويحدق فيها وهى تخطو من جديد فى اتجاه المطبخ. وساهم ابتعادها عنه فى رده عن سلوكه الغريب.
اعطته قهوة اعدتها بمهارة امها وطعم ونكهة العسل الاسود. وجدته قد استعاد توازنه وعادت اليه رزانته. ومع احتفاظه بمظاهر التهذيب المصطنع كان يخشى ان يبدو منه ما يعيب, ولا غرو فهم من أقاربه. جلست بعيداً وهى تنظر اليه خلسة وأحيانا كانت تعاكسه بالحركات وتتبسم. "حلوة وعفريتة", قال لنفسه وهو مفعم بالمرح. وزاد سروره حين تذكر وعدها له بدفن تفاصيل حادث يوم العيد ومواراته الى الابد. وبالرغم من ذلك ظل متشككاً فى مقدرتها على الصمود على ذلك الوعد, خاصة انه يؤمن بان البنات كثيرات الثرثرة. اما هى فكانت طول الوقت تمزح معه وتحكى النكات وتشجعه على التفاعل معها. وكان يضحك من أعماقه وأحيانا كان يخجل من جرأتها. ولما أكثرت من المزاح معه طلبت منها أختها ان تذهب وتجلس بجواره. همهمت وزمت شفتيها واستهجنت الطلب بصوت واضح. وهجر والدها الموقف المحايد وتبسم.
حين همت بتوزيع قطع الشيكولاتة اقترح الاخوة عليها بان تعطيه القلب, لكنها لم تعر مزاحهم ومضايقاتهم اهتماما بيناً. كان ينتظر دوره بتلهف وأحيانا كان التوق يهز دواخله. وعندما اقتربت منه اخرجت القطعة, نظرت اليه وهى ترسم ابتسامه حلوة عريضة على وجهها المليح, ثم ضغطت برفق بأسنانها المفرقة البيضاء على القلب. وجعلت تلوك نصف القلب وتحركه فى فمها. ومدت اليه النصف الاخر وهى تتبسم. ضحك الجميع. كانت تغمره الحيرة حين أمسك النصف الآخر. لكنه ضحك رغما عنه. وتمسك جيداً بنصف ابتسامة وهو يحاول تفكيك الشفرة.
فى لحظة وداعه لصديقه وقبل ادارة محرك السيارة كان يفكر فى الوقت المناسب الذى يبوح له فيه بما جرى فى يوم العيد. وكان الصديق مثله كذلك زاخر بالحماس لسحر الشيكولاتة, وكان يدرى بكل دوافع هيامه وجنونه, ويعلم بان الخطيبة, بلا شك, متيمة به وعاشقة ممتازة. لكن الذى كان يزعج الرجلان هو صراحتها المفرطة وشغبها المنفلت الذى يلامس حد الجنون.
--

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 807

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد مهاجر
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة