المثقف والتنميط (1 – 2)
04-22-2015 12:16 PM


إلى حد ما ساهمت الصورة النمطية المتوارثة للمثقف السوداني في مآلات السودان الحاضر، فالذي ينظر إلى "رواد الفكر السوداني" أمثال التيجاني يوسف بشير وعرفات محمد عبد الله ومعاوية نور، سيجد أنهم كانوا انهزاميين ويعيشون على الاسقاطات النفسية وبالتالي انتهت حياتهم بتسويد الأوراق التي لم تخدم على مدى قرن في أي بناء مركزي في الثقافة السودانية ينعكس بإيجابية على السياسي والاقتصادي والاجتماعي، بمعايير حقيقية ترى التجليات الملموسة لا الأشواق.
المثقف السوداني، ما زال وفي الألفية الثالثة، لدى "أجيال جديدة" يجتر تلك الصور النمطية ويتسلح بها على أنها أنموذج.. وهو ما يتطلب إعادة التفكير فيه، بعد أن اختلفت صورة المثقف كثيرا في عالم اليوم..
لا نحتاج إلى مثقف مقلد، أو متعامل مع الثقافة وفق فهم التيجاني ومعاوية نور، إذ أن الواقع "المؤلم" الذي نعيشه يتطلب إنتاج مثقف له أثر حقيقي على الحياة السودانية، برفدها بطريقة براغماتية بحتة. بعيدا عن صور النضال التقليدي والاسقاط الكلاسيكي للذات على العالم.
قد تغيرت ثيمات العالم كثيرا ما بين تلك اللحظة التاريخية التي أنتجت معاوية نور والتيجاني وتلك التي تنتج الكثيرين من أبناء الجيل الجديد، لكن مراجعة بسيطة تكشف أن الصورة النمطية ما تزال قائمة.. حيث أن المثقف هو: البطل المنتظر، هو المثقف الكمي الذي يعرف كل شيء، هو المتمكن من قاموس اللغة ولا يخطئ في الإملاء، هو الذي يرى الآخرين "المتلقين" خارج إطار دائرة ما ينتج.. ويمارس فعل المفارقة السلبية.. هو العارف الكلي.
في نماذج عديدة تلاحظ كثرة الجهد الذي يقوم به المثقف من نشر إنتاجه الإبداعي والفكري والموسوعي، وهو عمل مقدر، لكنه تذروه رياح عصر جديد يؤمن بالمثقف المتخصص الذي يضع فكره ويركزه في بؤرة معينة ويحفر عليها حتى يساهم عبرها في تشكيل واقع جديد.
فما نحتاج إليه تأسيس مثقف جاد، مخلص لما يقوم به، له مشروع موسوعي على مستوى محدد، ولا يشترط التخصص بمعناه المباشر.. أن يكون هذا الكاتب أو هذا المفكر متخصص في المجال عينه، لكن يشترط الإخلاص للمشروع وتكريسه كهدف حياة وهدف إنساني. ينعكس عبر المسطور والممارس.. ولا يوجد في تقديري مثال جاهز للنظر في جملة قرن كامل في تاريخنا الحديث سوى نموذج محمود محمد طه، وهنا ليس موضوعها.
لقد أعادت الشروط الجديدة للحياة تعريف السياسة والمجتمع والثقافة وغيرها من المصطلحات وهذا يعني أننا يجب أن نعيش هذه المرحلة لا أن نبقى على أسر الماضي، دوائر مجترة من التباكي مخلوطة بقراءات متناثرة من التراث الإسلامي والعالمي أو الحداثة الغربية. وإلا أصبحنا خارج شروط التاريخ الحديث والذي نحن إلى اللحظة خارجه فعليا.
لقد نجح نجيب محفوظ في مصر مثلا، كونه مثقفا في أن يرسم تاريخ مصر عبر قرن بأعماله الروائية وكان مخلصا لمشروعه الروائي، وكان بإمكانه أن يطرح نفسه فيلسوفا وقد درس الفلسفة، وأن يكون مفكرا دينيا لكنه اختار للفلسفة والفكر أن يندغما في أعماله الإبداعية كما في أولاد حارات التي هي ليست إلا قراءة في المقدس والدين.
وقد نختلف مع أناس أمثال سيد قطب، لكنني شخصيا احترم جهده في كتاب مثل "في ظلال القران" فهو جهد موسوعي سيبقى اثره.. إلى قرون بعيدة وسيكون علامة من علامات التفكير في النص القراني بعيدا عن الإجماع أو الاختلاف حول الأشياء.
لكن في السودان لا يوجد إلى الراهن، مثقف نوعي له مشروع فكري متكامل قادر على المضي به بما يساهم في بناء الحياة الأفضل..

****

ثمة خط شائع في مقولات "ما بعد الحداثة" أن "الشرائح الاجتماعية التي تمتلك قوة السلطة، أو قوة المال، أو قوة الأفكار تسمي النخبة. وهي بهذه القوى تؤثر في حياة الناس علي كل المستويات. والمثقفون هم الشريحة التي تستمد مكانتها من قوة الأفكار".
إذن نحن أمام مثلث له ثلاثة أضلاع: السلطة، المال، الأفكار. وهذا المثلث في النماذج الأكثر حداثة في عالم اليوم للمثقف تتكامل بشكل جذري، لأن الأفكار تكون قادرة على صناعة المال والسلطة، في حين أن صورة المثقف النمطي السوداني هو ذلك الفقير، المدقع، الذي لا يملك قوت يومه أحيانا. كما أن صورة السلطة كثيرا ما يتعامل معها على إنها إطار ضدي للثقافة أو المثقف وهي نظرة كلاسيكية آن الأوان لإعادة التفكير فيها. وقد لعبت النماذج التأسيسية في الثقافة السودانية دورا في هذه الصورة التي لا تزال قائمة.
في نموذج مفارق قبل "فجر التحديث السوداني"، وهو - تقريبا - النموذج الأكثر شفافية للمثقف بشروط زمنه، وهو الإمام محمد أحمد المهدي، نجد أن الرجل استطاع أن ينطلق بقوة الفكر (ضلع المثقف في المثلث) ليعيد بناء الحياة السودانية ويكسب الضلعين الآخرين، السلطة بنجاحه في إقامة دولة (بعيدا عن الإخفاقات التي صاحبتها فيما بعد – وهو موضوع خارج نطاق التحليل هنا)، والمال بنجاحه في تمديد سطوة مالية بثروة تراكمية ما تزال حية في إرث آل المهدي. وقد استطاع المهدي أن يوظف قوة الفكر الصوفي والثقافة الدينية التقليدية في زمنه ليخرّجها من القوقعة التقليدية لها إلى مفهوم النضال والبحث عن الإنسان السوداني الجديد، وبعيدا عما اصبغه المهدي على نفسه من صور "فوقطبيعية" فإن هذه الصور يجب ألا تقرأ بمعزل عن إطارها الزمني، كما نقرأ ابن عربي اليوم، ونجد التأويل لشطحاته، أو كما نقرأ الحلاج أو غيرهم. لكن ذلك لا يعني أن ننظر إلى أن هذا الخط الثلاثي لابد أن يسير بناء على هذه المسلسل، بأن يقود الفكر للسلطة والمال. وليس هذا المطلوب.
لست بخصوص تحليل البنية الذهنية للمهدي ولكن أتعامل فقط مع الإطار الكروكي العام لبناء شخصية المهدي وكيف نجحت في جعل طاقة الفكر تندغم في السلطة والمال. وهذا لا يعني أن هدف المثقف أن يكون كائنا متسلطا بالمادة أو هدف التفكير وغايته وراء الفعل الثقافي، ولكن ما أعنيه أن هذه الدوائر تشتغل بطريقة معقدة بحيث يصعب الفرز، من أن يبدأ الضلع المعين لينتهي الضلع الثاني أو الثالث.
وبمراجعة بسيطة للتاريخ الإنساني سنجد أن فكرة الإسلام أو المسيحية بدأت في حدود ضيقة كرغبة في إعادة تشكيل التاريخ بمركزية فكرية، ومن ثم مع توالي الزمن تحولت هذه المركزية الفكرية إلى طاقات أخرى سلطوية وثروات تراكمية.
وفي العصر الراهن يجب التمييز في مفهوم الانتلجنسيا، الذي يماثل النخبة، بين المثقف التكنوقراطي والمثقف الروحاني – مجازا – أي رجل الدين، وهذان النموذجان حاضران في السودان، ويبدوان أكثر تجليا في المجتمع الإيراني الحديث. وهنا نواجه بصورة تداخل غريب بين الدين والعلم، المعرفة والبراغماتية النفعية والروحانية. وهو تداخل مشروع إذا تم وفق حضور معرفي فاعل على مستوى المعاش والعام، ولكن إذا قام التداخل فقط ليصل إلى مجرد هدف محدد هو التسلط، هنا ينهار مشروع المثقف سواء كان تكنوقراطيا أو روحانيا.
هذا الخلط موجود لدى النمط الكلاسيكي السوداني، حيث أن الروحاني يهيمن في أحيان كثيرة لدرجة أنه يقوم بإلغاء التكنوقراطي أو العكس.. وبالتالي تصبح الانتلجنسيا إما باحثة عن السلطة باسم الدين والروح، كما في النموذج الكنسي في العصور الوسطى أو نموذج الإسلام الأموي أو ترابي السودان، أو باحثة عن السلطة باسم "المعرفة السلبية"، وهو مشهد واضح في المثقف التكنوقراطي السوداني.
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1087

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1253355 [جيمى قانون]
0.00/5 (0 صوت)

04-24-2015 04:31 AM
كلام صعب عشان يتفهم ... لكن يا مان مبسوط متك تماماً

[جيمى قانون]

#1252598 [AbuAhmed]
0.00/5 (0 صوت)

04-23-2015 01:48 AM
ابدعت يا استاذ فى هذا الموضوع الاستمرار فى الاجتهادات

[AbuAhmed]

عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة