المقالات
منوعات
حكايتي مع الشابة الإنجليزية فانيسا أو الإنفجار الكوني العظيم/بيق بانق.. حلقة "21".. (صناعة يوم القيامة)
حكايتي مع الشابة الإنجليزية فانيسا أو الإنفجار الكوني العظيم/بيق بانق.. حلقة "21".. (صناعة يوم القيامة)
04-23-2015 11:44 AM



أصبح المطبخ البريطاني الأصيل مجرد مزحة بالية أو على أقل تقدير وهم، "عليكم بالطعام الياباني كما الصيني". كانت تلك آخر عبارة جدلية قال بها ماكسميليان ضمن عباراته الجدلية الكثيرة قبل أن تبدي فانيسا رغبتها في المغادرة وبالطبع نيابة عني. بعد قليل من الوقت تلي خروجنا من دار أليكسا أخبرتني فانيسا بأمر جديد بعد مكالمة عابرة مع ألينا. كنا آنها في منتهى الحميمية وكالعادة.. كنت أطوقها من الخصر إلى الأسفل بيدي اليسرى بينما كانت أربعة من أصابع كفها اليمنى في جيب بنطالي من الخلف والإبهام يداعبني من الخارج: "ألينا ستعود من كندا لأول مرة في غضون عدة أيام، وأنا أخطط لاستقبالها في المطار، ونستطيع أن نستغل سيارة جانيت، ولن تمانع جانيت، بل ربما تذهب معنا هي أيضاً إلى المطار".
ووَاصَلَتْ في إخباري بما لا أعلم من قبل: "فالأسرة تجتمع كل عام وفق عُرْفٍ قديم، وقد جاءت (ألينا) لجمعنا هذه المرة، أنت طبعاً معنا، ستكون معنا دائما"، ثم ضحكت بشهية مستدركة: "أتمناك دائماُ، طبعاً ستفعل حبيبي".

كانت الساعة السادسة والنصف عندما أدارت جانيت محرك السيارة في اتجاه المطار القريب. دانيس كان في المقعد الأمامي بجانب أمه السائق، وشغلنا أنا وفانسيا المقعد الخلفي لكن معظم الوقت دون أن نداعب بعضنا البعض كعادتنا لا بالكلام ولا الأنامل، هناك قلق ما، شيء غير مبرر غير واضح غير معلوم يجعل من اللحظة رتيبة. عندما اقتربنا من المطار اتهم دانيس فانيسا بلا مقدمات بأنها لا توده ان يكون ضمن ركب استقبال خالته (ألينا). لا مبرر منطقي لما قاله، ثم ذكر من بعدها مباشرة أنه جائع ويود أن يحصل على وجبة (دبل تشيز برجر) من أحد مطاعم المطار القريبة. عندما يطلب دانيس شيئاً تتوقف حياة أمه جانيت حتى يتحقق طلبه. بعد بعض الوقت الإضافي والقلق المبرر تبدت ألينا تتهادي عبر صالة الوافدين.. كانت رائعة. لا يمكن لأي كائن غريب إلا أن يتصورها فانيسا في لباس أزرق غامض اللون وحذاء أسود لامع في عدة سنوات صغيرة قادمة.. وكأنهما توأمان مطابقان للمواصفات!.

"هذا الشخص لا بُدَّ أنه بيبان، أليس كذلك فانيسا"، "إنه هو يا أختاه العزيزة، إنه صديقي، رائع"، " هو أنا يا ألينا، أشكرك". ضحكنا جميعنا في ذات اللحظة ما عدا دانيس، كان مشغولاً تلك الأثناء يشرع متعثراً في فتح صندوق وجبة التشيز برجر. عندما شرعنا في طريق الرجوع إلى مقرنا تكللنا جميعاً بهجة غامرة وشعور بالنصر جلست ألينا في المقعد الأمامي بينما تراجع دانيس إلى الخلف يشغل الجانب الأيسر من فانيسا.

جاءت ألينا بكتاب هدية لفانيسا، عنوانه (صناعة يوم القيامة). أخذت الكتاب من كف فانيسا عندما سقطت على كتفي عند منتصف الطريق بينما كانت جانيت تروي خطتها للاحتفال الأسري السنوي. كان الكتاب شيقاً، قرأت منه ثلاث صفحات بالكامل ولو على عجل، وجدتني لا أستطيع التوقف عن المطالعة، فتلك من المرات النادرة التي يأخذني كتاب في مثل ذلك الاستغراق. وعند بداية الصفحة الرابعة مباشرة شعرت بيد فانيسا تداعب خدي الأيسر: "لحظة بيبان، أجب عن سؤال ألينا".
لم أسمع ماذا قالت ألينا إذ كانت حياة رنيه بوانكارت مهددة بالخطر. استل (جيل دو جين) مسدساً محشواً بخمس طلقات نارية بينما كانت السيارة تسير بسرعة كبيرة في المنعطف الأخير من شارع (ريو مونسير لابرينس) في باريس لكن على كل حال حدث ما حدث، انقلبت السيارة ثم اصطدمت بالمبني المجاور اصطداماً عنيفاً فتفتت على أثره ومات الرجلان في ذات اللحظة داخل الحطام الناري دون أن تعلم الجهات القليلة الرسمية التي وصلها الخبر بخطة (جيل دو جين) الكاملة والدقيقة والخطرة في (صناعة يوم القيامة). قبل الحادثة بعدة دقائق قال جيل دو جين مخاطباً رفيقه "رنيه بوانكارت" أخطر مقولة في تاريخ البشرية: " سأقوم أنا بإفناء الكون على الوجه الأكمل وعلى الرب أن يفعل الواجبات الأخرى التي وعدكم بها"!.

كان الطفل الهندي الأحمر (لامي ساغا) هو (رنيه بوانكارت). وقد جِيء به في نهاية المطاف إلى باريس فكشف عن مكان مخطوطة: (صناعة يوم القيامة) التي دفنها الشرير (جيل دو جين) في الحديقة الخلفية من المنزل. وُلِدَ (لامي ساغا) في إحدى القرى الجبلية النائية على الحدود الفاصلة بين البرازيل وبيرو لوالدين من أصول هندية حمراء. وكان (لامي ساغا) منذ طفولته الباكرة طفلاً غريب الأطوار وشديد الذكاء، وعندما بلغ الخامسة من عمره صار يهذي أثناء النوم بكلمات وجمل باللغة الفرنسية وكثيراً ما رَدَّدَ: "أنا رنيه بوانكارت"، وعندما يصبح الصبح وينهض من النوم يسأله والداه عن أحلامه وعن مغزى تردديه المستمر لعبارة "أنا رنيه بوانكارت"، كان يجيب دائماً ذات الإجابة "لا أعرف، لا أذكر" وعندما بلغ (لامي ساغا) السابعة من عمره حَدَثَتْ هزة أرضية قتلَتْ نصف سكان القرية جراء انهيار السفح الجبلي الملاصق. وقد نَجَتْ والدة الطفل بإعجوبة من الموت؛ بعد أنْ ظلَّتْ تحتضن طفلها بين ذراعيها تحت الإنقاض إلى أنْ نَجَحَتْ بعثة فرنسية خاصة تابعة للصليب الأحمر في انتشالهما معاً بعد عشر ساعات من وقوع الكارثة.

وعندما أُخْرِجَ الطفل إلى السطح كان واهن الجسد وشديد الإعياء وفي حالة إغماء شبه تامة، وكان يُرَدِّدُ مِرَارَاً: "أنا رنيه بوانكارت.. أنا رنيه بوانكارت، وأنا أعرف السر، أعرف أين دَسَّ (جيل دو جين) المخطوطة التي تحوي خطته في صناعة يوم القيامة". دُهِشَ أفراد البعثة الفرنسية أشد الدهشة؛ وذلك لأنَّ ثلاثة منهم كانوا على علم بخطة (جيل دو جين) في صناعة يوم القيامة. وبعد حين طلب قائد البعثة من والدي الطفل السماح لهم باصطحابه إلى (برازيليا) ومن هناك إلى باريس للتحقق ممَّا سمعوا من أمر جلل وغريب. رفضا في البدء ولكن مع بعض الوعود والحوافز المادية وافقا على مضض وفي ذاكرتهم أيام طويلة من الفقر الذي وسم وجوهم المتكدسة بالوهن.

كانَتْ دوائر الشرطة وعدد من المؤسسات الأكاديمية والبحثية المختصة بالإضافة إلى دار الوثائق الفرنسية وآخرين من البشر العاديين الذين طالما سمعوا القصة الغريبة المدهشة من الإعلام والأفلام السينمائية، كان كلُّ أولئك يعلمون أنَّ (رنيه بوانكارت) كان مساعد عالم الفيزياء النووية (جيل دو جين) وقد قضيا معاً في حادث حركة غامض في يوم من أيام رأس السنة الميلادية في شارع (ريو مونسير لابرينس) في باريس بعد أربع سنوات ونصف من نهاية الحرب العالمية الثانية.

فقبل أن يُصَابَ (جيل دو جين) بالسرطان ويتحتم رحيله في غضون سنة ونصف وفق إقرار الأطباء الاختصاصيين، كان يعمل بجد واجتهاد في تطوير الصناعة الذرية لأغراض سلمية من قبيل الطاقة الكهربائية، وكان ذلك بتكليف من الدائرة الفرنسية الرسمية، حيث كان الشاب النجيب اليافع (رنيه بوانكارت) هو ساعده الأيمن في مهمته الشاقة تلك.

وكان (جيل دو جين) ذا تاريخ نفسي غير مستقر، ولكنه كان يخفي تاريخه النفسي البشع خلف ركام ذكائه الحاد وعبقريته منقطعة النظير في مجال الفيزيا النووية.
وُلِدَ (جيل دو جين) في سبتمبر من عام 1901، لأم فظة من الطبقة الباريسية الأرستقراطية، وأبٍ قتيل! فقبل ستة أيام فقط من ميلاد (جيل دو جين) قتلتْ أمه الفظة أباه! قتلته بسبب خلافات مالية كبيرة، وظلت الجريمة ملتبسة كل الوقت دون أن يدان أحد.

كان شعار والدة (جيل دو جين) في الحياة تلخصه مقولتها "إن الله خلق الألم ليعذب أعدائي من البشر وكل الذين يحسدونني على نعمتي!" وكانت تظن نفسها من أجمل النساء وأنجحهن وأثراهن على وجه الإطلاق. وكانت مصابة بداء (الأباثي) والمزيد فهي لا تشعر بآلام الآخرين وعذاباتهم، ولا تعيرهم أي اهتمام إلا ما همها من أمر نفسها متقمصة بعض المظاهر الزائفة من (مبدأ التقية) في سبيل حتمية إشباع الغرائز الجسدية والنفسية. فهكذا كانت والدة (جيل دو جين). وأمَّا هو فقد نشأ أشد شراً وكراهية للبشر والبشرية! .

فبعد أنْ سمع (جيل دو جين) باحتمالية موته جراء مرض السرطان أضمر أمراً شديد المكر والخبث والدهاء، لا بل هو اسوأ ما يمكن أن يخطر على قلوب البشر الأسوياء وفق المعايير السائدة! وقرر أن يحقق ما يضمره في عين الوجود: "لن أذهب وحدي، بل جميعكم ستذهبون معي". أخذ (رنيه بوانكارت) الأمر في بدايته من باب المزاح من رئيسه في العمل. غير أنَّ تكرار (جيل دو جين) لنيته الجِدِّيَّة جعل (رنيه بوانكارت) مزعزع الفكر ومشوش الرؤى تجاه السمت الأخلاقي للمزاح الثقيل الذي يفعله رئيسه النابغة في مجاله.

فألفاه -ذات مرة- منكباً على معادلة رياضية فيزيائة من شأنها صناعة ثقب أسود من ذرة واحدة بل أقل. وكانت تلك المادة الضئيلة تستطيع أن تبتلع الأرض في جزء صغير من الثانية، وليس الأرض فحسب؛ بل المجموعة الشمسية برمتها وما جاورها! وكان يسمي تلك المعادلة (صناعة يوم القيامة!). وحينذاك شَكَّ (رنيه بوانكارت) في الأمر لكن دون أن يبلغ مرحلة اليقين بعد، فمازح رئيسه وفي خلده هذه المرة قدر من الريبة: "إن كُنْتَ يا سيدي تستطيع إفناء الكون الذي نعرف فهل تستطيع استعادته من جديد كي يلقى الأخيار منا الثواب، ويلقى الأشرار العقاب المناسب".

فرد جيل دو جين: "سأفعل أنا ما أستطيعه وسيفعل ربك البقية، فذلك الذي في خاطرك ليس من شأني، أنا أفعل ما هو فوق العقل والأخلاق الجزئية، والأغبياء وحدهم هم الذين يعتقدون في استمرارية العالم من خلفهم ضرورياً وخيراً، أنا لا أعتقد، حسبي أنني أحقق رغبة الآلهة كلها في الفناء الأخير والنهائي للوجود، القناعات الأخرى والتالية لتلك الفكرة الحتمية ليست من اختصاصي"!.
عند السطر الخامس من بداية الصفحة الرابعة من رواية (صناعة يوم القيامة) كان لا بد أن أسمع من (ألينا) تحت إلحاح ممض من فانيسا بينما هي تشتغل على خدي الأيسر وكأنها تعزف على أوتار جيتار رهيفة قبل أن تستقر يدها في استرخاء كسول على حجري، وهي لا تهتم بصناعة يوم القيامة في طمأنينة بالية يعضدها موت (جيل دو جين) دون أن تعي أن (رنيه بوانكارت) قد نهض بالفعل في أحد سفوح الجبال اللاتينية!. ما قد يحير قدر كبير من الناس: كيف استطاع رنيه بوانكارت استعادة روحه الغائبة وعزيمته القديمة في الكشف عن (الدسيسة) في جسد جديد في مكان مختلف من العالم!.

يتواصل.. حكايتي مع الشابة الإنجليزية فانيسا أو الإنفجار الكوني العظيم/بيق بانق.. محمد جمال الدين

[email protected]



تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1828

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1253229 [مجدي الجبل]
0.00/5 (0 صوت)

04-23-2015 08:09 PM
بديع بديع بديع مبدع بدعة شديدة خلاص، كله كلام مدهش والمقطع الجاي دي عجبني حد الدهشة يا بروف جيل دو جين لئيم وقطيم قطامةشديدة ههههه (وحينذاك شَكَّ (رنيه بوانكارت) في الأمر لكن دون أن يبلغ مرحلة اليقين بعد، فمازح رئيسه وفي خلده هذه المرة قدر من الريبة: "إن كُنْتَ يا سيدي تستطيع إفناء الكون الذي نعرف فهل تستطيع استعادته من جديد كي يلقى الأخيار منا الثواب، ويلقى الأشرار العقاب المناسب".

فرد جيل دو جين: "سأفعل أنا ما أستطيعه وسيفعل ربك البقية، فذلك الذي في خاطرك ليس من شأني، أنا أفعل ما هو فوق العقل والأخلاق الجزئية، والأغبياء وحدهم هم الذين يعتقدون في استمرارية العالم من خلفهم ضرورياً وخيراً، أنا لا أعتقد، حسبي أنني أحقق رغبة الآلهة كلها في الفناء الأخير والنهائي للوجود، القناعات الأخرى والتالية لتلك الفكرة الحتمية ليست من اختصاصي"!.)

[مجدي الجبل]

#1252973 [سهيل احمد سعد]
0.00/5 (0 صوت)

04-23-2015 01:43 PM
مزهلة

[سهيل احمد سعد]

محمد جمال
محمد جمال

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة