المقالات
السياسة
السلطة والحرية
السلطة والحرية
04-23-2015 02:54 PM



هنا الكل يبحث عن السلطة ، التي تتوزع على الكثيرين أي سلطة القمع ، الأب على ابنائه ،الأستاذ على تلاميذه ، البواب على الداخلين، الموظف على الموظفين تحت رئاسته الوزير على الهيئة العامة ، الرئيس على الشعب ، إن السلطة تعطي طعما خاصا ذائقته في النفس وليس في اللسان أو كما أسماه جوفنيل الأنا الحكومية، يبحث الجميع عن السلطة ويتقاتلون من أجلها ، ويتفاوضون حولها ، وتشرع القوانين وتسن وتدستر من أجل تثبيت دعائمها ومنحها شرعية الحركة والتفعيل. وهي تنطلق في القمة ولكنها في الواقع تتحرك في القاعدة ، أجهزة الشرطة حتى أصغر فرد فيها ، الجيش حتى أصغر فرد فيه ، الأمن والاستخبارات حتى أصغر فرد فيها ، القضاء ، النيابة ، رجال الدين من فقهاء السلطان، تمارس السلطة وتنفذ السياسات العامة على مستوى قاعدي ، لذلك فإن القوة التي تصل إلى الحكم تبدأ في بناء قاعدة مناصرة لها وتزيح القاعدة السابقة ، وتبقى -وهذا لحسن الحظ- هذه القاعدة هي الأقلية في مواجهة أغلبية الشعب الساحقة المسحوقة .
إن الصراع حول السلطة صراع إنساني اجتماعي تاريخي ، تهذبه صورة حديثة هي الدمقراطية . وهي أي السلطة في مواجهة دائمة مع الحرية أي حرية الفرد ، لذلك رفضها الأناركيون وخفف منها الليبراليون ووسعها الشيوعيون ، إنها محاولا لمعالجة أزمة السلطة والفرد ، هذه الثنائية التي لا محل لفضها أو لتغليب طرف فيها على آخر ، فهي تؤخذ كلية ولا تتجزأ.
إننا كليبرالين نرى التخفيف من السلطة ولكن كيف؟ إذا كان من الواجب على القانون أن يتدخل دائما لرسم حدود الحقوق والحريات ، وإذا كان على المؤسسات أن تتحرك بقانون ، وإذا كان على العلاقات بين الحكومة والفرد يجب أن تخضع لقانون والقانون هو نفسه سلطة قمع فكيف نحاول بليبرالية مثالية أن نطالب بتخفيف السلطة عن كاهل الفرد وكيفية توزيعها توزيعا ضيقا لمصلحة الجميع؟ إن المحاولة الرئيسية التي أطرحها هي القوانين النووية تلك التي تأخذ شكلا هرميا مقلوبا ؛ بحيث تتنزل القوانين من أسفل إلى أعلى أي أن كل دائرة اجتماعية تفرض قوانينها الخاصة بها والمقبولة لديها ، ثم تتسع الدائرة شيئا فشيئا وصولا إلى القوانين الفدرالية .
وكما أن السلطة تنشأ من أعلى فإن هدمها لا يتم إلا من أسفل ؛ هذا إذا استبعدنا استخدام العنف؛ فالعصيان يجب أن يحدث من القاعدة أي من أسفل الهرم لا من أعلاه ولذلك فإن التوعية السياسية يجب أن تنطلق من القاعدة لا من القمة. إن هدم سلطة الدكتاتور تحدث حين يكتشف فجأة أنه لا يملك قوة السيطرة على القاعدة وأنه صار حاكما بلا شعب ، إذا اردنا أن نسقط الدكتاتورية فيجب أن نسقطها في أعين أصغر فرد من أفراد الشرطة والجيش والأمن والقضاة ووكلاء النيابة والموظفين. حينما يحدث هذا فإن القمة تشل حركتها تماما وتسقط السلطة الفوقية .
إن بلوغ هذه المرحلة ليس سهلا بل يحتاج إلى عمل دؤوب فهو مواجه بجهل العامة وبالرموز التاريخية وبرجال الدين السلطويين وبقمع الحكومة ، وبالمصالح الشخصية وبالرأسماليين وكلهم قوى يجب أن يعمل لها ألف حساب ، فالخطاب الاستقطابي يجب أن يكون مؤسسا ومتنوعا وجاذبا ولكنه غير محايد.
إن تفكيك السلطة مرحلة لاحقة للحكم الليبرالي وإعادة تهيئة المكونات الثقافية للمجتمع بحيث تستوعب ثنائية السلطة والحرية وتغليب الأخيرة على الأولى دون تفريط في خصائص السلطة الاستقرارية وتثبيت دعائم الحرية الفردية أيضا.
ــــــــــــ
22أبريل2015

[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 643

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1253588 [العراب]
0.00/5 (0 صوت)

04-24-2015 04:48 PM
اديك العافية والله...
يجب أن يبدأ استقطاب اجهزة الدولة فورا...

[العراب]

د.أمل الكردفاني
 د.أمل الكردفاني

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة