المقالات
السياسة
المثقف والتنميط (2 – 2)
المثقف والتنميط (2 – 2)
04-23-2015 02:45 PM


يحلل داريوش شايغان - فيلسوف ومفكّر إيراني معاصر – أزمة المثقف المعاصر في البلدان العربية والإسلامية ودول العالم الثالث بشكل عام، بتركيزه على إيران، وإن كانت كثيرا من إحكامه تصلح للتطبيق على الواقع السوداني بحيث يمكن الاستفادة منها. وسأطرح هنا بعض من نمط تفكيره في إعادة التفكير في صورة المثقف ودوره الفاعل.
في النظر إلى المثقف سواء عند شايغان أو أركون وآخرين، لا يمكن الفرز بين مساحتي الأيدلوجية والسياسية، فالمثقف كما هو نسيج (معرفي علمي وروحاني وتكنوقراطي)، لكن المشكل الذي يواجه به مثقفنا باستعارة شايغان في هذا الجانب من تداخل المساحات أن "المثقفين يبدون عندنا كأنهم صليبيون ذاهبون إلى محاربة طواحين الهواء، أكثر مما يظهرون كمفكرين حكماء يتأملون بهدوء وراء طاولة عملهم".
ويمضي للقول: "أن يكون المرء مثقفا في عالمنا معناه أولا معارضة السلطة. وهذا أمر ممكن فهمه لأن الأنظمة القائمة هي اما قمعية او شمولية صراحة. ولكن مما يؤسف له أن هذه المعارضة تظل بدائية وحشوية. فهي لا تترافق مع تحليل نقدي ولا مع نظرة الي المستقبل، ولا مع موقف ابتعادي عن السلطة".
وهنا يمكن الانتباه لمفاصل مستقبلية في إمكانية تشكيل مثقف نوعي فاعل، تتعلق هذه المفاصل بأدوات لابد منها منها: النظرة الناقدة للأشياء – لكن هذه مشروطة بالنظر الدائم إلى المستقبل، بمعنى التفكير الاستراتيجي وليس مجرد مشي المكب. والملاحظ أنها الصورة الغالبة على المثقف النمطي السوداني.
بالرجوع إلى شروط التحليل النقدي أو النظرة الناقدة للأشياء سنجد أن أول هذه الشروط، كما يرى شايغان أن الخروج عن "السلطة" أو "السائد" أو "النمط" الخ... من مفردات، كل ذلك لا يعني "التمرد على الأب والأم والقديم"، بقدر ما يعني "أن تؤخذ هذه الثيمات التأسيسة في السياق الثقافي للسلطة"، وفق شروط حديثة برؤية نقدية.
يتضح ذلك كما في نموذج الإمام المهدي، إذ أن إعادة التفكير في مشروعه بطريقة جديدة بعيدا عن "القوالب النمطية" من شأن ذلك أن يجعل فكرة "المهدية" ذات دور جديد في الحياة السودانية من حيث المستوى التنظيري لا المستوى السياسي الفاعل في النتائج الآنية.. بمعنى أن القراءة النقدية والفاحصة سوف تخدم في فهم الثيمات العامة والأطر ومن ثم المركبات الخفية لفكر المهدي وصيرورته ثورته وثروته، بما يفتح أفقا لفهم الذات الكلية للمجتمع وكيفية تشكيل المستقبليات. وهو هنا إنما نموذج فحسب.
فليس المطلوب من المثقف رفضا للماضي يقوم على مجرد النفي أو التمرد أو الظهور بشكل دون كيشوت ومصارع الطواحين فهذه صور غير مجدية، لأنه لا وجود للأبطال الحقيقيين إلا في حيز المعرفة الفاعلة في حيز السياق الثقافي والاجتماعي بما يمكن من استيعاب الذات والقراءة الذهنية المثمرة، ومن ثم التطبيقات على مستوى الواقع المعاش.

"السلطة والمعارضة":

في النموذج السوداني الآني، وفي ظل السلطة الحاكمة حاليا، يبدو للبعض كما لو أن المثقف مستثنى وبعيد جدا. لكن الرؤية المدققة تكشف أن صورة المثقف يعاد إنتاجها وفق نموذج أكثر سلبية للمثقف من النماذج التأسيسية الانهزامية. فالمثقف إما حاضر مباشرة ويكرس نفسه في خدمة السلطة لبسط أغراضها ونفوذها علنا، كما أنه توجد نماذج داعمة للسلطة أيضا، حتى لو بدت في بعض الأحيان كما لو أنها تعارضها. لأن خط السلطة الفكري هو الخط "العقائدي" نفسه للمثقف. لكن هناك مثقفين في نظر السلطة هم معارضون، فيما يكشف التحليل أنهم يدفعون فعل التسلط عبر فكرهم ونتاجهم المشوه أصلا بسبب اللاوعي والعماء السائد في مناظيم التفكير الجمعي الذي يخضع نتاجهم للمساءلة والغربلة.
لهذا فإن مجرد الرفض والغوغائية في الأحكام لن يشفع في إنتاج واقع جديد، ما لم نعيد التفكير في سياق المثقف السوداني عموميا ، إذ كيف سيكون بإمكانه أن يبدو أكثر براغماتية وعملية ونقدية لذاته، ليس لكي يحل مكان السلطة ويكون أكثر سلطوية أو لكي يوفر مشروعية لسلطة جديدة "استبدالية"، وإنما ليعيد بناء الواقع السوداني والحياة الثقافية والمعرفية كليا ويؤسس بُنى المجتمع المدني الحديث والخلآق. وهذا لا يتم بشروط مستعجلة كالتي يطرحها كثير من المثقفين الآن. فالسؤال الأعمق والأكثر تعقيدا لا يتعلق بالسلطة الآنية، وإنما بسياق عام يتعلق بمجمل الحياة السودانية. لأن مجرد استبدال "سلطة جاهلة" بـ "سلطة متجاهلة" لن يحقق أي تقدم في بناء مجتمع حديث، بل سيزيد الأمور تعقيدا.. مع الانتباه إلى أن "المثقف المعارض" بالصورة الراهنة، هو مثقف سلبي تجاه كليات إعادة تشكيل السودان، فهو رهين معاش ووقتي وهو يفكر بنفس درجة تفكير "مثقف السلطة" في كيفية إكساب معارضته مشروعية لتكون فيما بعد سلطة مقدسة.
إن التأمل بعمق يكشف لنا أن مفاهيم "المثقف والسلطة والثروة" تندغم في نسيج السودان على أنها ذات هدف واحد، هو "التعالي على التاريخ" ومفارقة الواقعي والممكن في حيز الراهن والمستقبل.. والمفارقة أن أي نوع من التعالي يؤدي في النهاية إلى ثقة بالذات غير مؤسسة على نحو عارف وربما التوهيم، ما يعني ترك الآني والتركيز على أفق بعيد "مقدس" وغير واضح الملامح، على أنه خلاص إنساني، وهذا غير صحيح إلى حد ما، لأن البعيد رغم أنه يجب أن يوضع في القراءة، إلا أنه لا يمكن الذهاب إليه دون العبور بخطط واضحة واشتغال عقلاني كبير.
وحيث لا دستور مدني حقيقي ومشروعية عليا يكون عليها الإجماع، تلزم الجميع وتتيح التداول السلمي للسلطة، فإن مركز أزمة المثقف سيكون الحرية التي تمكنه من العمل بعقل مفتوح، وهذا يتطلب وفقا لداريوش شايغان أن يتعامل المثقف "مع الحقيقة"، ويعني ذلك أن الواقع المشروط يجب أن يكون محل اعتبار إلى حين الانتقال لمحطة جديدة تدريجيا. وهذا أيضا يجب أن يفهم بعيدا عن الحلول العجولة والانتقامية وغير المفكر فيها بمنهجية.
كلاهما مثقف السلطة ومثقف المعارضة هما أسرى البراغماتية النفعية، وقد تأثرا إلى حد بعيد بالنموذج التكنوقراطي السيء جدا. وهنا نحتاج إلى سياق ينتج مثقف مفارق للنموذجين .. مثقف حر "حقيقي" قادر على التحليل الكلي والتخارج من فكرة الحقائق المقولبة والجاهزة، وكما يرى نصر حامد أبو زيد فـ : "ان خطاب المثقف الحقيقي خطاب مفتوح، أي غير دوغماتي. بمعني انه لا يرى انه يمثل سلطة. انه خطاب مفتوح لأنه نقدي في بنيته وقادر علي تجاوز نتائجه، وذلك علي عكس خطاب المثقف الآخر، مثقف السلطة، فهو خطاب مغلق دوغماتي اطلاقي، يتضمن مفهوم امتلاك الحقيقة المطلقة في كليتها وشموليتها".
[email protected]



تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 604

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عماد البليك
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2016 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة