المقالات
السياسة
أوديب السوداني
أوديب السوداني
04-28-2015 09:15 AM


*(ليس قمع الأشرار هو ما يخيفني،
بل لا مبالاة الطيبين..).
- مارتن لوثر كينغ-
.. كانت "ست الكل" جميلة يذبح حسنها النحر، وتغار منها حوريات البر والبحر.
اختارت عصاماً عريساً فهو، الهمام، الذي علمته أمه الكرّ، من غير فرّ، والإقدام من غير انهزام. فتزوجا على سنة الله ورسوله، وبات عصام فتوة الحارة، عضلاته هي حكمته وعلمه، يمشي من غير حرس وخفارة، ويخدم من غير أجر الحارة. وتوقِّره الأدباء والعلماء والتجار، والصغار والنساء والكبار.
أنجبا أولاداً وبنات، لكنهما لم يعيشا في تبات ونبات، لأنها جميلة تسلب الألباب ولا يزال الخطاب يطمعون فيها ويسنّون الأنياب. وينافقون عصاماً، ويدّعون صلاة وصياماً، ويحبكون له المكائد، وينصبون المصائد، وبعد إحدى السهرات، تطوع للخدمة الشفت حنضل، فخدم المجلس متواضعاً من غير تكبر. وأكرم ضيوف عصام، أصحاباً وأخصام، فهو يستقبل في المنزول، العامي والبهلول. انتهى السهر ووقت الشجون، وغزا النعاس العيون، وذهب عصام إلى المخدة، لكنه لم يستيقظ من الرقدة. لأن لحنضل لمسة سحرية. ليس لها نظير على المدحية.
مضت فترة الأحزان والبكاء، وتقدم الخطاب ليد الأرملة الغيداء، اشتبه البعض بحنضل الملعون لكنهم خافوا من لسعته السحرية الحيزبون، وكان يكثر من دموع التمساح، في الغدو والرواح، فالأرملة الشابة تجمع الصفات الأربع التي يتزوج من أجلها الرجال النساء: الجمال والحسب والدين والنسب.
وافقت ست الكل على الزواج من حنضل، والله أكبر على من مكر وتجبر.
ربما بسبب الهمسة السحرية. أو لأنه كان أكثرهم حزناً على الضحية، فكان يصاحب عصاماً، في السنة الأخيرة، مثل الكلب الوفي، و يرافقه كالظل الخفي.
برهن على إخلاصه، وتقليد المرحوم في صفاته وخواصه، بل إنه أقسم أنه سيسير على سنته وسيرته، وسيكلأ الأبناء بالرعاية، ويبعدهم عن الحرام والغواية. ولم تلق بالاً إلى التحذيرات التي قد تكون من الغيرة والحسد. كما أن النساء، يقعن في حبائل الأقوياء والشطّار، الذين يمشون من غير مظلة تحت القصف والأمطار. فتزوجها أيضاً على سنة الله ورسوله، كان ثمت شكوك حول عقيدة الرجل، فهو دخيل وضائع، لكنه كان مداهنا ومصانع، يواظب على صلاة الجماعة، ويظهر التقوى و الخشوع والطاعة.
استقر حنضل في بيت غريمه الواسع، الذي لم يكن قد رأى مثله في المنام ولا في الواقع. ولأنه سوقة ورعاع، فقد انهمك في تغيير الأثاث و تبديل المتاع. فقلب البيت فوقاني تحتاني، وجعله يئن ويقول كاني ماني. غيّر اللوحات القرآنية، والحيطان القيشانية، قلع الياسمين، وبدله بالصبار لأنه يحمي، بزعمه، من الأخطار، وربى كلاباً في الدار، بعد أن خنق الهررة بالحليب السام، وتعشى بأنواع اليمام، ثم كان أنه حوَّل الدار السودانية إلى ناطحة سحاب، تنطح الغيوم وتتجسس على البنات والشباب.
أما أبناء عصام وبناته الأيتام، فنزحوا إلى الحارات البعيدة، خوفاً من بطش حنضل وعبيده، فطابت لحنضل الأيام السعيدة، مع زوجته الثانية الجديدة. وأنجب أولاداً وبنات، وعاش في سكر نبات، إلى أن فطس ومات. وذهب إلى جهنم وبئس المهاد.
وكان ابنه الأكبر عنبر قد بلغ مبلغ الرجال، وتعلم أصول اللمسة السحرية بلا جدال، وأراد أن يحوز على سجل الدار ووثائق الملكية، ويسجلها بالشهر العقاري والمحلية، ولم يكن من داع لتلك البلية، لكنه الخوف من تقلبات الزمان وطلباً للضمان والأمان؟
فلم يكن أمامه من حل، سوى الزواج من.. ست الكل!
تستغربون، نعم، قصة أوديب تكررت يا سادة يا كرام في حارتنا، كما في مدينة طيبة، في عزِّ النهار والنور شغال، وعن سبق إصرار وأحم ودستور، وليس مصادفة وتوافيق، كما في مسرحيات الإغريق.
وتم الزواج، بهدوء ولين، كما تسلّ الشعرة من العجين، كل ما هنالك أنهم بدلوا اسم ست الكل إلى "ست الستات"، وحضر المأذون، وعزف المطربون ورقص الراقصون، وشهد الشهود اللئام منهم و"الكرام"، على الزواج الملعون الحرام.
وعندما يتزوج الابن من أمه، والخالة، أم ثانية، لا تحل للابن بالشريعة الإسلامية، أو الشريعة النصرانية، أو الهندية. يحلّ المرض والطاعون بالمعية، ويفتك بالحكام والرعية. ويجعلها دولة متخلفة وملعونة. وتغني على البطانة وعلى السيره.الطاعون كان من نوع جديد، وينتقل من غير بريد. إنه طاعون، الخوف، والجوع، ونقص في الأموال والأنفس والزروع، والكهرباء والماء.. وفتك بالاباء والأبناء.
الخلاصة:
قصتنا تختلف عن قصة أوديب اليونان بعدة فروق: أولها أن أوديب كان ملكا ابن ملك، وكان ذا قدمين متورمتين وهو إرهاص إسطوري بمنع التجول والإقامة الجبرية وقوانين الطوارئ والأحكام العرفية.. أما أوديبنا المعظّم فبلطجي وشماسي، وابن حرام ومجهول القرعة. وأنّ الشعب هو الذي أمسى متورم الأقدام، فالفلقة باتت مثل اللقاح، لكل مواطن. معارضاً أو مداهن.
أنّ أبو الهول كان قد حبك أحجية صعبة، ونذر أن ينتحر إن عرف أحد حلها، أما أحجية أبو هولنا فكانت مقلوبة، فالحل معلوم والسؤال عن حلها هو المحرّم. حتى ظهر ذلك الطفل في أول مظاهرة في هبة سبتمبر فوقع ما تعرفونه من.. سجن وقتل وتقطيع.
الفرق الثالث هو أنّ أوديب اليونان عندما اكتشف انه نكح أمه، والعياذ بالله، فقأ عينيه ندماً، وساح في الأرض غرماً، أما بطلنا عنبر بن حنضل، فلا يزال يتكبر، ويصرّ على الزعامة، ويقطع الكهرباء كي يجبر الشعب "المعمّى بالظلام" على الندامة، ويباهي يومياً ببعد نظره وسداد حكمته، وجمعه الزوجة والأم في فراش عصمته. وبدلاً من التوبة، أعاد النوبة، وبات ذلك الضلالي، يغني يومياً "أنا سوداني أنا".
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1145

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1257017 [sami]
0.00/5 (0 صوت)

04-29-2015 09:18 PM
ده شنو ده الله يهديك...شوف ليك مجال تاني غير مجال الكتابه يمكن تبرع فيهو

[sami]

#1255962 [الحمري]
0.00/5 (0 صوت)

04-28-2015 10:34 AM
للاسف قرائتها ثلاث مرات علي الرغم من اني قريت قصة اوديب علي رواية سوفكلس الاقريغي ورواية جون انوي الفرنسي وعملت فيها بحث نقدي وعلي الرغم من معرفتي بالكتابة والادب والصحافة الا اني لم افهم شي من علي الرغم من الكلمات الكبيرة المستخدمة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ بالجد ضيعت وقتي

[الحمري]

ردود على الحمري
European Union [الرشيد] 04-28-2015 02:59 PM
انت من تضيع الوقت ولم تقرأ 000 هو سوفكليس الأغريقي 000 وليس هنالك روائى باسم جون انوى بل كاتب باسم جان انوى وليس جون وهو من كتب ايضا مسرحيات اخرى لعل من اهمها Death In The Cathedral ولكن يبدو هنا ان رمزية الكاتب قد قلبت بعض مواجع فيكم 000

[المتجهجه بسبب الانفصال] 04-28-2015 02:02 PM
القصة فيها رمزية لحالة سودانية أو للحالة السودانية حسب فهمي البسيط ،،،

European Union [kaka] 04-28-2015 12:36 PM
ما تبقي حسود ! االقصة فيها شي من اوديب ومن حكايات حارتنا والحرافيش لنجيب محفوظ


الدكتور نائِل اليعقوبابي
 الدكتور نائِل اليعقوبابي

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة