المقالات
السياسة
ملكال ومسلسل القتل والخراب
ملكال ومسلسل القتل والخراب
04-28-2015 09:42 PM

ملكال ومسلسل القتل والخراب

ملكال، تلك المدينة التي ارتمت على أحضان النيل العظيم، ما جعلها تروي ظمأها من سلسبيله الدفاق. كانت ولا تزال تُعَدُّ مِنْ أجمل مُدن البِلاد ألقاً وبريقاً، وينتظرها مستقبل واعد.

شِهدَت هدوءاً واستقراراً أفضل إبان حرب التحرير التي اعتُبِرت أطول حروب هذه السمراء، فكانت مظلة تأوى بينها تحت ظلالها الوارفة، مثلما تجمع الدَّجَاجَةُ فراخها تحت جناحيها، حيث الأمان والشعور بالحنان والهيام، لكنّها زارتها الأيدي الخاطيئة العابثة بعد صمت البنادق وحضور السلام، حين استخدم الإنقاذ الذي ليس ولم يكن إنقاذاً البتة، تانقينجا لإعاثة الفساد فيها، فَقُتِلَ الأبرياء على يده عام 2006م، ثم تكررت ذات التراجيديا عام 2009م.

كم تمنيتُ زيارتها وقت السلم، فلم استطع ذلك، إلا وقت الحرب. زرتها بعد أيام معدودات من اندلاع الحرب في رفيقتها وأختها جوبا في ديسمبر 2013م، فبدت لي جذابة وساحرة من الجو، لكني وجدتها قد أُحيلت إلى خرابٍ وأشلاءٍ بعد هبوط الطائرة بنا.

كان المطار في حالة جيدة، لكن أحيائها ومتاجرها وسوقها تعرضوا لدمار هائل، وعبر بنيها الذين نجوا مِنْ حصاد النيران بشق الأنفس إلى مقر الأمم المتحدة، وسقط مِنْهم مَنْ سقط، ونفخ جُثَّثْهُم في مشهد يدمع له القلب قبل العينين، وحلقت الجوارح تَقْتَاتُ على جُثَّثِ من تم فداءهم بدماء شهداء قدموا أرواحهم قرباناً لهم كي يحيوا في حرب التحرير! اجتمعت طيور السماء لأكل لحوم أبناء شعبنا في وطن كان ينبغي أن ينعم بالسلام ويودع الموت المصنوع من أفواه البنادق!

في ثكنة الجيش، حبستُ أنفاسي في محاولت لتجنب إستنشاق الهواء الذي طغت عليه رائحة الجُثَّث التي تعفنت لجنود قِيلَ أنهم كانوا يطلقون النار بشراهة ضد رفاقهم، لكنني كدتُ اختنق.

التقطتُ صوراً للجُثَّث، والتقط صحافياً كينياً يعمل لحساب وكالة أسوشييتد برس، صورة مؤثرة جداً، انتشرت فيما بعد في مواقع التواصل الاجتماعي: إليكم الصورة في كلمات :

"جُنْدِيٌّ في كامل زيه العسكري، سقط على ظهره، ووجهه نحو السماء، وغرابٌ طائرٌ فوقه، ونسرٌ يلتهمه، وقد سقط بالقرب مِنْ محرك
بلدوزر قديم".

وفي طريق عودتنا إلى المطار، كان فريق مِنْ بعثة الأمم المتحدة يحفر مدافناً جماعية للموتي الذين امتلأت بهم المدينة والنهر. تباً لصانعي ومفتعلي الحروب!

شهدت ذات المدينة هجمات ومعارك الكر والفر بين القوات الحكومية وقوات التمرد مرات عديدة، فازداد الموت وتعاظم على أبناء شعبنا في ملكال، فتحولت المدينة مِنْ أشلاء إلى لا شيء جراء المعارك المتكررة، والمصحوبة بالتناوب في السيطرة عليها بين الحكومة والتمرد.

في منتصف الأسبوع الماضي، حين احتدم الصراع بين جنود الجنرال أولونج طابو والحاكم كون فوج، تأكدتُ بأن المواطنين الذين عادوا إلى ملكال في الآونة الأخيرة هم ضحايا ذلك الخراب.

كل هذه المعارك حولت جميلة البلاد، الراقدة على ضفة النيل الخالد، وتروي غليلها مِنْ زُلَالهِ، إلى لا شيء. تساءلتُ: هل أصبح الزوال والفناء المصنوعين بفعل أرباب الحرب مصير ملكال؟ إلى متى ذلك ، رباه؟ لماذا تستعر الحرب في هذه المدينة منذ فوضى تانقينجا حتى الآن؟ ماذا فعل سكانها وترابها حتى تستحق كل هذه الكارثة؟

ما شهدته هذه المدينة مِن تخريب وتقتيل لم تشهده بقية المُدن التي قُضِي عليها في أعالي النيل، فوطأة دمارها مضاعفة كثيراً. وإن كان هنالك قسطاً من الخراب، فهي التي نالته بلا شك. تباً للمخربين! ربما قارب خراب ملكال خراب مدينة أورشليم عاصمة اليهود في العصور الغابرة . أنني أبكي على الذين أصبحت المدينة قبرهم الجماعي ، بعد أن كأنت مدينتهم المحبوبة ومسكنهم الجميل، عاشوا فيها حالمين، لتنتهي حياتهم بتلك الطريقة التي لا تقبلها قضاء السماء قبل عدالة الأرض.

حين استل الرسول بطرس سيفه من غمده وقطع أُذن عبد رئيس الكهنة أثناء اعتقال المسيح في ذلك البستان، قال له المسيح: "مَنْ يقتلون بالسيف، بالسيف سيهلكون"، وهكذا جرى الأمر للذين أشهروا السلاح في وجه ملكال، والموت لا يستحقه الناس، بل الحياة والسلام والكرامة.

تأثرتُ بما جرى في ملكال منتصف الأسبوع، وشكلت تلك الحرب اللعينة ضربة نفسية سيئة غاية السوء عليَّ، لكن هذا الليل مهما طال سينجلي ليتبعه نهار، وقد عبرتُ عن هذا الإيمان في كلمات شعرية اسميتها: "بكائية الأمل على أرض الخير الوفير"، تجري كلماتها هكذا:

يا أرضي،
أني أبكي عليكِ..
سواعد بنيك الذين
استوطنت الكراهية
قلوبهم تدمرك
ليل نهار..
نسوكِ ونسوا
إعمارك ورفاهية إنسانك..
وأصبح
قصف المدن
والعسكرة
ثقافة يومية..
ملكال تحترق منذ ليلة
الاثنين حتى الآن،
أيدي الغدر لا تزال
تخضع مجتمعاتنا
لمزيد من التمزق والفرقة..
سقط بنوكِ في كل أرجائكِ
سقطوا بلا حق!!..
سقطوا بلا قضية..!!
لن ترتاحي
وتذوقين طعم
السلام والطمأنينة
إلا بذهاب الإيدي الآثمة
وشروق شمس
السلام الأبدي
في رحابكِ
لتتحول المدن الخربة
إلى مساكن البسمة،
ونراكِ جميلةً بهيةً في قهقاهات الأطفال..
نراكِ شامخةً في زغاريد أُمهاتنا..
في أغأني الرعاة..
ويشرق الأمل كالشمس من جديد،
نشق الطريق إلى الأمام
أقوياء متحدين
نبني وطن الفخر والأجداد
نعيش في وئام
وننام ملء الجفون..


دينقديت ايـوكــ

صحافي من جنوب السودان [email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1260

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1257033 [الكليس]
0.00/5 (0 صوت)

04-29-2015 10:06 PM
أخي الكريم ملكال مدينه اكثر من رائعه ,,تربطنا بها الذكريات والالفه الجميله وأهلها الطيبين
ملكال رائعه بكل مافيها ,,أتمنى من كل قلبي ان ينعم أهلها بالسلام والامن وجميع ربوع بلادنا الحبيبه ونتمنى ان يتوحد السودانيين من جديد بطريقه جديده جيده ..

[الكليس]

#1256896 [حاتم]
0.00/5 (0 صوت)

04-29-2015 04:03 PM
الكل تبنأ بحدوث الانفصال لأنه كان حتميا وكذلك الكل تنبأ بهذه الحر ب التي تدور الآن وتحصد ارواج شعب الجنوب تبيأ الجميع من أنها ستكون وبالا على من تم خداعهم بوهم الانفصال والجنة الموعودة التي ستتأتى من ورائه ارضى السياسيين غرورهم لتحقيق ما حلموا به والان يقتتلون لتقسيم الكيكة أين حلم البسطاء من شعب الجنوب ذهب ادراج الريح
لقد خدع ساسة الجنوب شعبهم الان فاق من السكرخ تلك ليته يتحرك للخلاص من كل من جعل الانفصال ممكنا فقد كان اكبر وصمة عار في جبيننا في الشمال يتحمل هذا النمظام المجرم الخسيس بيع الجنوب ليبقى في كراسي الحكم ويتحمل شعب الجنوب ثمن الخديعة قوموا الى وحدتكم من جديد حفظكم الله

[حاتم]

#1256841 [ابوعمار]
0.00/5 (0 صوت)

04-29-2015 02:49 PM
ما يحصل في ملكال وغيرها من مدن الجنوب هو نتاج طبيعي لثقافة الحركة الشعبية القائمة على بث الكراهية والبغض التي دمرت الشمال والجنوب معاًوالقادم أسوأ

[ابوعمار]

#1256725 [SESE]
5.00/5 (1 صوت)

04-29-2015 12:14 PM
ماذا اقول لك يا دينقديت ايوك وانت من ابناء الدينكا وتححدث عن ملكال عاصمة الشلك..؟ ولكن يا اخي اقول لك اننا كنا مع بعض افضل بكثير من الحال الذي فيه انتم الآن ونحن ايضا كنا افضل عندما كنا معكم فعلى الاقل كانت هناك دولة تمسك بالامور ولا تترك الانفلاتات الامنية توصل لمرحة القتل على الهوية وكما قال احد العقلاء الجنوبيين وهو يتحسر على الماضي فقال عندما كان السودان موحدا كان الاخوة الشماليين بيننا عاملين لينا زي (الكرتون بين الكبابي) يحميها ما تكسر بعضها والآن اصبحنا مثل الكبابي بدون كرتون تكسر بعضها البعض)......

الجنوب يشبه كثيرا محيطة الاقليمي يوغندا, كينيا, رواندا والكونغو وهذه دول كلها موبوءة بالاقتتال العرقي واسوأ ما حدث فيها كان في رواندا التي قتل فيها 1,5 مليون مواطن في معارك قبلية بين الهوتو والتوتسي وكانت هناك قتلات مشابهة في باقي الدول الاخرى من الجوار الجنوبي والشئ الوحيد الذي كان يمنع الجنوب من الانزلاق في احداث مشابهة هو وجود الدولة التي لا تسمح بذلك رغم الحرب الدائرة لسنين طويلة ولكنها كانت لا تسمح بالقتل القبلي وكانت كل القبائل الضعيفة تعيش في مأمن من جور القبائل الاقوى وما يضيق به الحال في الجنوب كان باب الهجرة الى الشمال مفتوحا حيث يجد الامن والامان ويعيش هناك بصفة مواطن دون ان يضايقه احد اما الآن....؟؟!!

[SESE]

دينقديت ايـوك
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة