المقالات
السياسة
أشيآء سآدت ثم بادت في امدرمان زمان
أشيآء سآدت ثم بادت في امدرمان زمان
05-02-2015 06:20 PM


في ذاكرة كل منا مشاهد واحدآث لا تزال عالقة بها وان أنقص كر السنوات الكثير منها وتولى النسيان مسح المتبقي منها فغرقت في بحار الغيب ، وهكذا فعل الزمن فكل اناس يواكبون أو يتأثرون بزمانهم وما فيه من عادات وتقاليد ، ومن عهد الطفولة في الاربعينات من القرن العشرين المنصرم ما زلت أتذكر بعض اشيآء وربما لطرافتها أو غرابتها ، ومن تلك الأشيآء ما كان يعرف بالظار ، والطمبرة ، ولما كانت مدينة امدرمان تضم في داخلها امشاجا" من قبآئل السودان المختلفة فان البعض نقلوا معهم ولها انماطا" من عادات وتراث موطنهم الاول وحافظوا عليها ، ومن جانبي فاني ولدت ونشأت وقضيت شطرا" كبيرا" من طفولتى في فريق ريد بحي الموردة بمدينة امدرمان ،وانفقت شطرا"آخر بحى الضباط بنفس المدينة والتى غيرت حكومة الانقاذ اسمه الي حى بانت شرق ،وفى البدأ كان مسرح طفولتى في فريق ريد حيث كانت الدنيا بالنسبة الينا لعب وضحك ومسرة ولا نحمل هما" ولا يعترينا هم تسعدنا قطعة الحلوى والكلمة الطيبة وتكد رنا الزجرة ا الناهية ، وتبكينا الضربة الموجعة ، وهناك تفتحت مداركنا لحدث جديد علينا وهو ما يدعونه (ن الظار) فقد اقام جيراننا المقابل منزلهم لمنزلنا حفلا" كان جميع ضيوفه من النسآء وتسللنا نحن الاطفال للفرجة وكان يميز الحفل ضربات الدلوكة فى ايقاع عال رتيب ( دق الدق دق دق ) وتحمل اثنتان من النساء ما يسمى ب (الشتم ) وهو طبلة صغيرة تحمل بيد واحدة ويقرع عليها باليد الأخري بقضيب من الخشب أو مسواك غليظ ، و تخرج صوتا" أرق من صوت الدلوكة ( تك تك تتك ) ويتوآءم الصوتان في ( هارمونى ) كما يقول اهل الموسيقي ) ، ويصاحب ضربات الدلوكة والشتم اصوات شجية رقيقة من شدو النسآء لا يستطيع السامع تبين كلماته ،ود خان البخور يملأ جو الحجرة ، والمرأة التى يعمل الظار من أجلها تغطى رأسها ووجهها بخمار وهي جالسة عل البرش وتأتى بحركات هستيرية بجسمها وخاصة برأسها يمينا" ويسارا" وعندما تشتد حركاتها وصراخها تهرع اليها ( الشيخة ويسمونها( الكودية ) وهى المنظمة والمشرفة علي الظار والعليمة بسر الطقوس والأهازيج التي ترددها وتغنيها النسآء ، فهى تشبه الي حد ما المايسترو الذي يقود الفرقة الموسيقية ، فتهرع الكودية وتغطيها بثوب وهي تقول (دستور يا أسيادي ـ طلباتكم يا اسيادي ـ طلباتكم مجابة يا اسيادي ) والمرأة تتكلم بكلام غير مفهوم الا للكودية ويقال عن المرأة انها ( متلبشة ) وتتكلم بلغة الجن ، ومثلها مثل الدرويش في الذكر الذي يقول كلام ( خارم بارم ) ويقال عنه (ترجم ) وغالبا" ما تكون الطلبات تعبر عن رغبات دفينة لدي المرأة لا تستطيع البوح بها عند الصحو ، والجن الذي يتملك المبتلية انواع واشكال مختلفة وكل واحد منهم له طلبات خاصة ولديه أهزوجة خاصة يستدعي بها ويسمي في الظار (الخيت) ، فهناك من الجن الحبشي والشلكاوى والهدندوى والخواجة ، وطلبات هذا الخواجة هي الويسكى والسجاير ، وتحضره الشيحةأو الكودية لها ،وتتكيف المتلبشة ، وربما تكون هناك زجاجة أو زجاجتين ويسكى وباكو سجاير تدحرهم الشيخة لنفسها ، وكل التكاليف على حساب المصابة ،فالشيخة هي الطبيبة ومشخصة الدآء والدوآء ،( وزوج المتللبشة ) هو الذي يتكفل بكل المصاريف والا سيحيق بزوجته مكروه من الجن يزيدها وبالا" .
وهناك مرض آخر من ورآئه الجن فى اعتقاد النسآء وهورصيف الظار وهو ( الطمبرة ) بضم الط وتسكين الميم وضم ال ب ) ولكن لا تحتلف كثيرا"عن الظار ولكن تتميز بان آلة الطمبور الموسيقية مصاحبة للدلوكة ويعزف عليها رجل ، كذلك كشكوش وشخاليلـ تصدر اصوات للايقاع ، والطبيبة المداوية هى الشيخة وهي التي تحفظ اسرار واهازيج الجن ( والخيوت ) وتسمي الكودية ايضا" ،و عندما انتقلنا للسكنى مع جدى لامى في حي الضباط عندما نقل والدى للجنوب وصحبه والدتى وشقيقاي التوأم الاثنان الصغاروبقينا نحن للالتحاق بالمدارس ، وشاهدت هناك الطمبرة لاول مرة وممارساتها وعجائبها ،فرأيت من يذبح الخروف ويتلقى دمه فى اناء وتشرب منه ( المتلبشة )، وكذلك شاهدت من يمسك الجمر ويقلبه بين كفيه .
وفي زماننا هذا تلاشت كل هذه الظواهر المتخلفة القبيحة التى كان مردها الجهل ولم تكن النسآء متعلمات ولا توجد مدارس للبنات وحتى مدارس الاولاد كانت تعد علي اصابع اليد ،مما اضطر معه جدي وكان رجلا" مستنيرا"ومتدينا" ان يدخل شقيقتى البكر خالدة الخلوة مع ابنه وخالها في نفس الوقت ،ولله الحمد اصبحت مدارس البنات فى الريف والحضر ، وربما زاد عدد البنات علي البنين في الجامعات واصبح لدينا دكاترة من النسآء في شتى المعارف.
وفي الامثال أن من الجهل ما قتل ، والجهل مصيبة فقد كانت معظم النسوة يعتقدن ان معظم أوكل الامراض النفسية والجسدية سببها الجن أو الحسد من عين الانسان فيلجأون الي الفقرا والمتشعوذين وهؤلاء يستخدمون وسآئل عقيمة كالمحاية الملوثة من يد الفكى أو مآء( السكن) الذي يعمل به المحاية أويستخدم الفكى ضرب المصاب بالسوط ضربا" مبرحا" ، ،أويجعله يستنشق دخان البخورحتى ينقطع نفسه ويستمر هذا التعذيب في كل يوم جديد ، ولعل جلادى بيوت الأشباح في عهد الانقاذ استوحوا منهم هذه الطريقة وزادوا عليها من وسائلهم الشيطانية !
ولا انسي ابتلآء ذلك الصديق وكان قد اكمل المرحلة الوسطى وتخرج من مدرسة الارصاد الجوى وارسلوه للعمل في الجنوب وهناك تعلم تدخين البنقو وادمن عيه وكانت النتيجة اصابته بصدمة عصبية ونفسية ، وارسلوه الى اهله للعلاج ، وبعثت به امه الى فكى في ديوم الخرطوم ليعالجه وابقاه الفكى معه ، وذهبت اليه وصحبته معي الي الدكتور العلامة التيجانى الماحي والذي كان اول من عالج طبيا" مرضي الامراض النفسية والعصبية واستمر علاج صديقي عشرين ىوما" وبعدها تعافى تماما" .
والحادثة الاخرى كانت لامرأة عجوز من الحلة ارمدت عيناها فعملوالها الظار ووصفت لها الكودية قطرة من منى تيس وستحضرها لها ، وبعد ان قطرت منها مرة واحدة سآْ ء حال عينيها وكادت ان تفقد بصرها كليةحتى ادركوها وذهبوا بها الى مستشفي العيون بالخرطوم وكانت مستشفى را ئعة من حيث النظافة والرعاية والاهتمام وبها دكاترة عباقرة في طب العيون كالدكتور الباقر والدكتور حسين ،واستردت الجدة عافية عينيها بعد ان هددها العمي وفقدان بصرها للابد .
هلال زاهر الساداتى
[email protected]


تعليقات 4 | إهداء 0 | زيارات 1553

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1259219 [K. S. Khalid]
0.00/5 (0 صوت)

05-04-2015 06:53 AM
عبيناه لمن دفق لوماوصل سارسله في موضوع منفصل تحياتي

[K. S. Khalid]

#1258864 [زايد سليمان زايد]
0.00/5 (0 صوت)

05-03-2015 02:13 PM
الكودية هي اختصار لكلمة الكوديانة ، وهي تطلق على شيخ أو شيخة الزار ، سواء كان رجل أو امرأة ،

[زايد سليمان زايد]

ردود على زايد سليمان زايد
United States [هلال زاهر الساداتى] 05-04-2015 03:43 AM
لاول مرة اعلم بان كلمة الكودية اختصار لكلمة الكوديانة!


#1258698 [راجع للوطن]
0.00/5 (0 صوت)

05-03-2015 09:52 AM
الكودية: هى القودية التى تقود اوركسترا الظار000وهى فصحى من قاد يقود فهى تقود.

[راجع للوطن]

ردود على راجع للوطن
United States [هلال زاهر الساداتى] 05-04-2015 03:09 AM
لم ادر بهذا الاشتقاق لكلمة قاد وارجو أن تستشير أي قاموس عربي كالمنجد مثلا" ، واماكلمة اوركسترا فهي كلمة حديثة وتطلق على عازفي الآلآت الحديثة مثل الكمان والعود والجىتار والبيانو والالات الأخرى وقائد الاوركسترا يدعي المايسترو، واماجماحة المديح كما تعلم فيدعون المداحين ، وشكرا" علي التعليق .


#1258658 [هدى]
0.00/5 (0 صوت)

05-03-2015 08:56 AM
جزاك الله خبرا الاخ هلال واامل ان تتحفنا بالمزيد كشاهد لذاك العصر وتجميع ما تكتب في كتاب واحد يسعد به القراء والمهتمين بغابر ايام السودان القريب وانوه واشير الى ما اعطاك الله من قدرة على التعبير والبيان ---والله الموفق.

[هدى]

ردود على هدى
United States [هلال زاهر الساداتى] 05-04-2015 06:22 PM
اشكرك علي كلماتك الطيبة الرقيقة وقد نشرت خلال اقامتي في القاهرة ثلاثة كتب هي ايام التونج ّذكريات في جنوب السودان وكتاب الطباشيرة والكتاب والناس وكتاب امدرمانيات وصدرت عن الشركة العالمية للطباعة والنشر والتوزىع ولقد حوت الكتب الثلاثة الكثىر من احداث ووقائع الماضي القريب ،وحاليأ"لي رواية تحت الطبع آمل ان تري النور قريبا" ، وارجو ان أوفي رغبتك في نشرى لكتاباتى الحديثة في القريب من الايام الآتية .
واكرر لك شكرى وأسف لان جميع نسخ هذه الكتب قد نفدت


هلال زاهر الساداتى
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة