المقالات
السياسة
الإفتتان بالقراءة و غواية التاريخ(2)
الإفتتان بالقراءة و غواية التاريخ(2)
05-03-2015 08:30 AM




قبل أن أشرح كيف تمكنت مني غواية التاريخ كان لابد من أن اسرد تلك الرحلة ‏الطويلة التي سرتها و تقلبت فيها بين مختلف المعارف و التخصصات المعرفية و مختلف مجالات الثقافة حتى شغفت بالتاريخ (و لا أدّعي بأنني قد سبرت أغوار تلك المعارف جميعها بل و لا واحدة منه.ا و لكن كان إطلاعي عليها مجرد إشباع لفضول و حب استطلاع و مرور عابر أحياناً أو متئداً احيانا أخرى، حسب الميل و المزاج و الإفتتنان و التأثّر و الإنطباع. و هكذا سارت رحلتي الخاصة بالإطلاع الحر بمراحل عديدة و أنا هنا لا أذكرها إلا لكي اوضح كيف تلعب الظروف و الأقدار دور كبيراً في تشكيل رؤية الإنسان للحياة و المجتمع و الإنسان و الحياة الدنيا و الحياة ‏الآخرة، و كيف تلعب دوراً في تشكيل الموقف السياسي. حيث تلعب الأسرة و الأنداد و ‏زملاء الدراسة و الحي و الأصدقاء و الأنداد دورا كبيرا فيما ذكرت. فقد لعب الأصدقاء و ‏الأنداد دورا مهما في أن نعشق كرة القدم في شبابنا الباكر و أن نمارسها و نشجع بكل ما أوتينا من حماس و إفتتنان و تخلّينا عنها رويداً رويدا دون أن نشعر. و ما كنا نظن ‏أن نتخلى عنها يوماً. كما كان للأصدقاء و الأنداد و صحبة الحي و اللعب دور لا يمكن تجاهله في أن ‏نعشق السينما، و أن تتفتح ذاقتنا و وعينا على الأفلام و الممثلين. و أن نتعرف على بعض أسرار و دقائق التمثيل السينمائي و حياة النجوم و فحوى و مغزى الفيلم و مراميه. كما ارتبط وعينا المبكر و مرحلة المراهقة بعشق رومانسي لبعض نجمات و فاتنات الشاشة. و كم امتد بنا الإعجاب و الإغواء إلى أن نتماهى و أن نقلّد أحياناً ‏مشيةً أو أسلوب في التحدث أو النظرات لبعض الممثلين من الرجال. و كم أمنا البحث ‏و محاولة التعرف على سيرة حياتهم. بل أصبح بعضهم (إلى حد ما) مثلاً أعلى لنا. و لم ندرك خطل ما افتنّا به إلا بعد أن نضجنا. في الحقيقة كان هناك دافع خفي يعزز ‏إعجابنا بالسينما و التمسك بها كهواية و ذلك بخلاف استمتاعنا بالأفلام و هي أن ‏إفتناننا بالسينما كنا نحسّ به ينقلنا (و لو إفتراضياً) و نحن في تلك السن إلى خانة ‏المثقفين. حيث كان المتعلمون و المثقفين في فترة السبعينات هم الذين يذهبون إلى ‏السينما لمشاهدة الأفلام الغربية فقط و يستنكفون عن مشاهدة الأفلام العربية و الهندية. ‏و كانت دور السينما في السعينات و الثمانيات تعرض أحدث الأفلام الامريكية و ‏الإنجليزية و الفرنسية. فعرفنا و شاهدنا أشهر الأفلام التي كانت تعرض في أرقى دور ‏السينما في العالم مثل: ( صائد الغزلان) و ( جسر على نهر كواي) و (زد) و (أعراض ‏صينية) و (صوت الموسيقى) و (أطول يوم في التاريخ) و (الساعة الخمسة و العشرين) ‏و ( قصة حب) و (الهمسة الصاخبة) و ( مدافع نافرون) و (ضيف على العشاء) و ( ‏إلى استاذي مع حبي)....إلخ. كما عشقنا من الممثلات الكثيرات: صوفيا لورين، راكيل ويلش، اودري هيبورن، آلي ماكغرو، جين فوندا، مريل ستريب. و أعجبنا ب: سيدني بواتيه، كيرك دوغلاس،جريجوري بيك، جيمس استيوارت، الن ديلون، لويس دي فونس، ‏جون واين، الن لاد، ستيف ماكوين، و غيرهم. وساعدت هذه المعرفة و ذلك التماهي أو كما كنا نظن و نرمي إلى ان نكون شبابا مثقفين أو متعولمين بلغة اليوم. من ناحية أخرى لعبت أجهزة الإعلام دوراً هاما في تشكيل وعينا السياسي و الذي ارتبط ‏في نشأتنا المبكرة بوهج و بريق الإشتراكية و القومية العربية. فوجدنا في أجهزة الإعلام ما يشبع نهمنا و ما يسد حاجتنا لمعرفة معاني و مصطلحات و شعارات كانت ملء ‏الساحة المحلية و العربية و حتى الإفريقية فاتجهنا للقراءة السياسية فوجدنا الصحف و ‏المجلات المحلية و العربية مليئة بما يشبع حاجتنا و يسد الرمق و نحن لا زلنا في ‏اولى مدارج الحياة السياسية. ذكرت كل ذلك لكي أوضح دور أجهزة الإعلام و الأصدقاء ‏و الأنداد في تشكيل الوعي و في الدخول إلى ساحات العمل السياسي. و بطبيعة الحال ‏ازدادت معارفنا بشكل عام و لكن لم نسير أشواطا كبيرة في دروب السياسة و لا الفن و ‏لا الرياضة. و حتى تلك المرحلة لم نجد ميلاً أو شغفاً لقراءة التاريخ. و مع دخولنا للجامعة ازداد تفاعلنا مع السياسة، و الأفكار السياسية الجذابة و شعاراتها ‏الحارة التي كانت تموج بها صحف الجامعة و لياليها السياسية. و اندمجنا في ذلك الجو ‏مشحونين و مندفعين و مأخوذين باللاعبين السياسيين داخل و خارج الجامعة. و كان ‏ذلك خلال فترة مايو التي انخدعنا بشعاراتها البراقة و هتافاتها الزاعقة و التي كانت قد وجدت صدىً لها في نفوسنا المتحمسة كبير. ثم ثرنا مع الثائرين على مايو و رجالاتها و شعاراتها. و تجاوبنا مع المعارضة في ذلك ممثلة في التجمع النقابي و أحزاب التجمع ‏الديموقراطي و نحن لازلنا نحلم كشباب بالديموقراطية و الحرية و رفعة الوطن. و خرجنا ‏إلى الشوارع مع من خرج و هتفنا و نددنا و أشدنا و قرأنا البيانات و المنشورات و ‏الصحف. و كالعادة لعب بنا و ببراءتنا الساسة و أقطاب السياسة و قبضنا الهواء. و أخيراً رجعنا منكسي الرؤوس مهمومين و مهزومين، لنبدأ من جديد القراءة و الإطلاع في السياسة و الإجتماع لكي نحلل الاوضاع و ‏لنتنبأ بمستقبل بلادنا.
و هكذا دون أن نحس انتهت فترة الحياة الجامعية ، كما أنتهى ‏إنقلاب مايو. و لا زال التاريخ بعيداً من إهتماماتي ....فالواقع كان أشدّ وطأة.
أسرد كل ذلك و بعد أن مرت كل تلك السنون و لكن لا زال بيني و بين ‏التاريخ ذلك الودّ المفقود. و بدأت مرحلة جديدة مع تخرجنا من الجامعة...يتبع

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 846

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د.محمد عبدالله الحسين
د.محمد عبدالله الحسين

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة