المقالات
منوعات
غيمة حزن- من نبض الواقع
غيمة حزن- من نبض الواقع
05-05-2015 10:45 AM


ما أحلى العودة للوطن....ما أطيب ريحه و عبق نسماته! ما أحلى الارتماء في أحضان الأحباب بعد طول غياب!
كيف استطاع أن يحبس الأشواق و الذكريات طيلة تلك الشهو عمن يحب و هو و لا يحتمل فراقهم لساعات؟ حقاً و صدقاً ما أجمل لقاء الأحباب! و ما أصدق العواطف النبيلة حين تجد من يقدّرها؟
عاد بالأمس من السفر في إجازته السنوية حيث يعمل بإحدى دول الخليج. استيقظ مبكراً كعادته. ذهب إلى إلى والده في الحوش حاملاً صينية الشاي . يود أن يلقي عليه التحية و ليطمئن على صحته.
منذ أن عاد قبل خمسة أيام لاحظ أن هناك اعتلالاً في صحته والده لم يعهده قبل أن يسافر للإغتراب قبل تسعة أشهر.
حينما وصل من السفر كان المنزل ممتليء بالزوار الذين قدموا للسلام عليه . و لكنه لاحظ بمجرد وصوله أن ملامح أبيه لم تكن كما هي فقد تغيّرت بشكل ملحوظ.. لم يستطيع أن يكتم دهشته لذلك التغيير:.بطء في الحركة... تورم بسيط في القدمين...بالإضافة لذلك فقد اشتعل الرأس شيباً بشكل كثيف.
بضع ساعات مرت قضاها بملاقاة و استقبال الاصدقاء و الجيران ثم انطلق لتقديم واجب العزاء للمعارف و الجيران. عاد بعد تلك الجولة ليسأل عن أحوال أهل البيت... الشقيقة الوحيدة و الشقيق الذي كان يدير شؤون المنزل في غيابه و والدته الحنون التي كانت تصدر له الاوامر بالذهاب لناس فلان و علان للتهنئة أو العزاء .
جلس أمام والده و هو ينظر خفية إلى ملامحه في شفقة و حنان. تساءل كيف لم يشعر طيلة تلك السنين بحنان والده و لم يكن يحس رقة مشاعره إلا حينما كبر ... خاصة بعد أن سافر للخارج. تذكر كيف كان يرى في ابيه قوة لا تنكسر و شدة لا تلين، كم انحنت لسطوتها شقاوة طفولته و هو صغير. سبحان الله! و الآن بعد أن كبر انقلبت الخشية من الأب إلى عطف عليه. و الآن تدفق منه شلالات من الشفقة و العطف نحو ذلك الشيخ الذي وهن عظمه و أصبح ضعيفاً.
تذكّر في أسف كم قاسى ذلك الأب في حياته فقد كان يحكي لهم أنه نشأ يتيماً ..و كيف ذاق فقد الأم في صغره. تذكّر كم ضحى لتربيته و تربية أشقائه و كم تكبّد من أجل تعليمهم.
ضيق النفس علة جديدة لم تكن لديه من قبل. ظهرت لديه ما يشبه (الفوبيا) فقد صار يلح في فتح النوافذ حتى يعوّض ضيق الصدر. لاحظ أن كمية الأكل التي يتناولها لم تعد كما كانت قبل.
هذه الإجازة ليست كسابقتها...هكذا أحس.
سأل عن الورم أسفل الرجلين قال شقيقه ان نتيجة الفحص كانت عادية، و أن الطبيب طمأنهم بأن ليس هناك شيء يستحق القلق. لكنه لم يطمئن. في المساء أخذ والده لفحص الدم. و في الصباح عاد لأخذ النتيجة ...المفاجأة الدم أقل من 45% . شعر ببعض القلق . لكنه لم يكن قلقاً ممضّاً.
في المساء قرر أخذه للطبيب بنفسه. لبس الأب جلبابه و أخذ عصاه و تعطّر و ركب بجوار ابنه العائد. كان الأب يشعر بجانب قلقه الخفي بحنو غير عادي نحو ابنه العائد ... يشعر باهتمامه و عطفه عليه ...سبحان الل ! حتى ابناءه الصغار في نفس مشاعره ... ينجذبون نحوي يلهون حولي يجلسون على ركبتي و يتقافزون في حضرتي في لهو طفولي مثل ما كان أبوه يفعل حينا ك كان في مثل سنهم.
جلس بجوار ابنه في السيارة و ذهبوا للطبيب. نظر الطبيب لنتيجة الفحص و أدخله وراء الستار . و حينا ازاح الستار عاد و قد و ضع في وجه مسحة من الجد البالغ و القلق الخفي. و ألقى قنبلته:
- لا بد من أخذه بسرعة للمستشفى. ....هناك ماء في الرئة و مشكلة في عضلة القلب.
ثم اضاف في لهجة آمرة:
- إذهبوا به الآن..الآن.
الآن تدافعت إلى ذهنه سلسة من الأسئلة المحيّرة:
كيف أخبر الباقين؟ ماذا أفعل و ليس معي إلا شقيقتي الوحيدة ؟
هل اذهب للمنزل أولاً؟
هل أخبر شقيقي الذي يسكن بعيد؟
هل المستشفى تستقبلنا الآن بنفس الاهتمام و الجدية التي نتوقعها؟ هل و هل؟؟
جلس في السيارة و هو ينتظر أن يجلس والده في الجهة المقابلة.. لاحظ أن أنفاس الوالد أثقل من ذي قبل و كذلك حركته. جلس الوالد بصعوبة في طرف المقعد و لم يغلق باب السيارة بعد . الأنفاس تعلو و تهبط بصوت عال. و فجأة خرجت منه آهة ألم طويلة ثم.... انكفى على الإبن. باغت المشهد المفاجيء الإبن و الشقيقة. ... الأب ألقى برأسه في حجر الإبن ...لاحظ الإبن أنعنق أبيه بدأ يتصلب قليلاً قليلاً و لكن ما طمأنه أن جسمه دافيء. قرر أن يذهب إلى المستشفى .....و في المسشتفى عرف كل شيء. ..... الأب فارق الحياة في تلك اللحظة التي صدرت منه تلك الآهة الأليمة.
مرّت الأمور بسرعة.... اتصل بشقيقه بالهاتق نقلاً إليه الخبر المزلزل. ثم عاد إلى المنزل و معه شقيقته التي تنتحب في أنين مكتوم و معه أبيه جثمان صامت بلا حياة و لكن بذكرى دقائق أليمة......
في أول الشارع استقبله العويل الحزين... و زغاريد النسوة. و اندفعت إليه جموع الرجال و الشباب المعزّين و كأنهم كانوا على علم مسبّق بالفاجعة.
أقسم من كان داخل الغرفة لسل الجثمان أنهم لم يروا مثل ذلك المنظر فقد صار لون الجسم ذهبياً و البشرة مضيئة و كلهم يتحدثون عن طيبة و عن حسن معاملة و طيب معشر و ذكرى طيبة كانوا قد اهالوا عليها التراب.

[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1248

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1260504 [اوكامبو]
0.00/5 (0 صوت)

05-05-2015 06:15 PM
القصة جميلة ومعبرة لكن كيف تكون كل هذه الاشواق و الشجون و تغير الاشكال الطباع وهو سافر للاغتراب فقط قبل نحو تسعة أشهر ثم اجازة سنوية و هو حتى لم يكمل سنة كان ستكون الحياكة اجمل و اكثر واقعية و تاثيراً لو ان الكاتب قال : ( عاد من غربته بعد سنين طويلة قضاها في الخليج )

[اوكامبو]

ردود على اوكامبو
European Union [د.محمد عبدالله الحسين] 05-06-2015 07:01 AM
هو كان مغترب منذ سبعة سنوات و لكنه ياتي في الإجازة الصيفية في كل عام اي كل تسعة اشهر. و هذه التسعة أشهر كانت كأنها تسعة سنوات تنمو فيها الأشواق و يشتد الحنين. و هو الذي لم يعتاد أن يفارقهم تسعة ساعات. شكرا على التعليق يا اوكامبو.


#1260271 [الضلكابي قمر الدين]
0.00/5 (0 صوت)

05-05-2015 12:33 PM
عظم الله الاجر

[الضلكابي قمر الدين]

د.محمد عبدالله الحسين
د.محمد عبدالله الحسين

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة