المقالات
السياسة
جدل الأنا والآخر في السودان!
جدل الأنا والآخر في السودان!
05-06-2015 01:09 AM



* ثمة اِلتباسات وتعقيدات ظلت ملازمة للفعل السياسي منذ بواكير الحركة الوطنية في السودان وذلك لصعوبة فك طلاسم قانون الصراع الذي يحكم جدل الانا السياسي والاخر المختلف ولما تتحصن به هذا الصراع علي ترسانة من التعقيدات النفسية والاجتماعية والثقافية والذي تخرج في محصلته بحالة اللاتشخيص ! والذي اشبه بحالة المريض الذي لا يعرف مرضه ولا يعترف بانه مريض! وفي اخر مراخي الوصف لهذا الصراع هو ما تدوالتها الصحف السيارة والالكترونية وصفحات المواقع الاجتماعية الاسفيرية حول الاستهداف العنصري لطالبات وطلاب دارفور بواسطة عصابات المؤتمر الوطني اثر احداث جامعة شرق النيل والتي اودت بحياة طالب يٌحسب لحركة الطلاب الاسلاميين، وهنا تبرز سؤال ملتبس للغاية لماذا استهداف ابناء دارفور دون غيرهم من ابناء الوطن؟! وهل قٌصد من هذا المشروع الاجرامي هو الخلاص من الاخر الدارفوري ام ان هنالك بواعث ماورائية تدفعهم دفعا نحو كل هذه الفظاعات والوحشية ؟! وسوف نمهد للاجابة علي هذا التساؤل الملح في ثنايا السطور اللاحقة ..ولكن سؤال الانا والاخر قد طرح كثيرا من الاشكاليات في الخطاب الفلسفي والتي تنصب كلها في كيفية تعامل الانا مع الغير وكيف للأنا النظر الي الغير ؟ يذهب الفيلسوف الالماني "هيجل" ان العلاقة بين والغير هي علاقة سلبية قائمة علي الصراع الجدلي كما توضح ذلك نظريته جدلية السيد والعبد ، اما "جان بول سارتر" فيري ان الغير ممر ووسيط ضروري للأنا ، الا ان أنا الغير جحيم لا يٌطاق لانه يشيئ الذات او الأنا ، لهذا فهو يدعو التعامل مع الغير بحذر وترقب وعدوان وانه يستحيل التعايش بين الانا والغير او التواصل بينهما ما دام الغير يستلب حرية الأنا ويمجد اٍرادته ، لذلك قال "انا والآخرون الي الجحيم" في مقابل "ميرلوبونتي" الذي رفض نظرية "سارتر" التجزيئية العقلانية واعتبر العلاقة بين الانا والغير قائمة علي الاحترام والتكامل والتعاون والتواصل واساس هذا التواصل هو اللغة ، اما "ماكس شيلر" فيري ان العلاقة بين الانا والغير قائمة علي التعاطف الوجداني والمشاركة العاطفية الكلية مع الغير ولا تقوم علي التنافر والبغض والكراهية .واذن من خلال هذه الرؤي الفلسفية نتساءل ما هو كيمياء التفاعل بين الانا والاخر في الفضاء السوداني ؟! وبين كل هذه الرؤي ولعل اكثر رؤية صدقية في ازاحة ستار بين الانا والاخر في مسار حلبة الصراع السياسي في السودان هي اٌطروحة الفيلسوف وعالم الاجتماع "ابن خلدون " والذي يري :ان العصبية هي المحرك للتاريخ الاجتماعي للمجتمعات وهي وراء عملية التغيير الاجتماعي بشكل عام ،منطلقا في تفكيره من مبدأ العلاقات الجدلية بين العمران البدوي والعمران الحضري مفسرا نشاة الدولة وانحلالها بناء علي الآلية العصبية، فهي التي تؤدي الي الملك وهي نفسها تؤدي الي زواله. ونعتقد ان نظريته هذه اكثر نجاعة في تفسير الظاهرات السياسية وطبيعة العلاقة بين الانا السياسي المهيمن والمستحوذ والغير المنفي والمستعبد، وما ظاهرات الاساءة والعنصرية البنائية القائمة علي العرق واللون والجغرافيا تطبيقات عملية لهذة الذهنية العصابية للأنا ! وهذا الأنا تبرر مشروعيته تارة بسند متعالي علي العقل البشري ومقدس في الوقت ذاته وطورا اخري بادعاءات التفوق العرقي الموهوم!!! وبناء علي ذلك تصدر احكام تنتقص من انسانية الغير والرمي اليه بالعبودية والاذراء والاحتقار وتترتب علي ذلك تحديد مفاهيم الوطنية ومن يحق له التمتع بامتيازات الدولة ...وكتاب الاسود ..الذي كشف بعض آليات هذه العصبية خير دليل مادي علي ذلك!
* اذن ضرورة وحتمية تحديد العلاقة بين الانا والغير ، وبما ان مشكلة الانا هي التي تنتج فكرة الاخر ،اذ ان الحديث عن الأنا يستدعي عن الاخر المختلف ، وعلي مر الحقب التاريخية في السودان ظل الأنا يمارس كل صنوف الاستبعاد وفي اخر تجلياتها الابادة الجماعية والتطهير العرقي للاخر المختلف ، لذلك ان ترسيخ فكرة قبول الاخر ونشر ثقافة التسامح من أوجب واجبات كل القوي المجتمعية ، وان فكرة قبول الاخر ترتبط بشكل عضوي بكيفية فهمنا للانا والاخر ، اي كيف نري انفسنا؟ كيف نري علاقتنا بذلك الاخر؟ وكيف نري دورنا؟ هل نحن مختارون لسمو فوق الاخر ام نحن وهم علي قدم المساواة؟ كل هذه الاستفهامات والتي من الضرورة ان يصبح محل اٍشتغال لكل قوي التغيير وصولا لبناء اجتماعي مشترك لكل الشعوب السودانية ، والعمل علي نشر ثقافة قبول الاخر حاجة اساسية وملحة وخاصة في ظل الظروف الحساسة والحرجة التي نمر بها من كافة النواحي التي نحن فيها،يجب ان تتجه كل الجهود الوطنية الخالصة لتاسيس ثقافة قبول الاخر لانها تساهم بشكل فعال في خلق جيل واع قادر علي تحمل اعباء المسئولية وقيادة المرحلة القادمة بشكل ايجابي وسليم ، وكما انها هي الاساس الذي يٌبني عليه دولة تشتمل بداخلها مقومات استمراريتها وبقائها وفي حال عدم الاكتراث لهذه المسالة الجوهرية والمضي قدما نحو ضلالات وعموميات الخطاب السياسي الفوقي المرتبط بأزمنة الشدة والمواقف العابرة ،قد تؤسس لتراكمات زائفة وتكون محصلتها هي نفس الدولة الوهمية القائمة وتنذر بمزيد من التشرزم والانقسام الاجتماعي!.
* ان عملية قبول الاخر هي بداية لعملية التحاور،وان قبول الاخر المختلف لا يعني بالضرورة الاقتناع به انما هو اقرار بوجود الاختلاف وقبوله علي هذا الاساس ،وتاسيس ثقافة قبول الاخر والتسامح هي مسئولية فردية وجماعية عبر تجذير ثقافة تقبل الاخر فرديا وتدريبه علي ذلك الاساس وتنمية ملكاته الوجدانية والنفسية والتي تحدد له توجهاته العامه....وكذلك تشكيل الوجدان الثقافي العام هي الركيزة الاساسية في قبول الاخرابتداء من مؤسسة الاسرة والمدرسة والمجتمع والدولة ...اخيرا يجدر بنا الاعتراف ان المسخ السياسي المسماة بالمؤتمر الوطني هو نتاج لخلل في تركيب البناء الاجتماعي ولذلك يسلتزم اصلاحات جوهرية في الجسم الاجتماعي عبر ترسيخ قيم قبول الاخر والتسامح!.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 913

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبد العزيز التوم ابراهيم
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة