المقالات
ثقافة وآداب، وفنون
عماد البليك
الحياة كما لو أنها فيلم أمريكي
الحياة كما لو أنها فيلم أمريكي
05-08-2015 01:08 PM


في فيلم شاهدته ذات ليلة، لا أتذكر التاريخ وهل كانت ليلة شتوية أم صيفية، ولكن على ما أعتقد أنها من ليالي الشتاء إذ نادرا ما أشاهد الأفلام الأجنبية في الصيف، الأجنبية تحديدا لأن الفيلم الذي أتحدث عنه أمريكي.
كان البطل يحاول أن يجد فرصة عمل، وكان يظن أنه موهوب بما يكفي ليجد هذه الفرصة التي ستغير مجرى حياته. هذا هو حكمهُ على نفسه. وبالفعل وجد هذه الفرصة بأن أصبح مندوب مبيعات لشركة تعمل في تسويق قطع غيار السيارات.
الشاب المندوب، لديه القدرة على إقناع الموزعين على الشراء، مهما كانت قدرتهم على الرفض. إنه يستطيع أن يبيع أشياء مغشوشة على أنها مميزة ونادرة. لكن الذي حدث أنه لم يوظف قدرته، فقد وجد نفسه وفي أول صفقة كانت من الممكن أن تجعله صاحب شركة بنفسه، أنه لا يستطيع أن يكذب، وأنه بدلا من إقناع الموزع، الذي يعتبر من كبار الموزعين، قاد معه حديثا عن موضوع مختلف لا يتعلق بالبيع والشراء.
فرصة لقاء ذلك الموزع، كانت حلما لمدير الشركة، ففي تقدير العاملين بالسوق أن أكبر موزعي (الإسبيرات) كائن شرس من الصعب أن تجره إلى أرضك لكي تذبح رأسه بسكين حادة. هذه الشراسة، أصبحت في يد الشاب الموهوب، لينة طرية، واستطاع أن يدعو الرجل إلى حفل عشاء بواحد من أفخم الفنادق على كلفة صاحب العمل، مديره. الذي لم يتمالك نفسه وهو يقفز في فراغ المكتب، فيما اشتغل دماغه بتصور المستقبل، حيث لا يكون للأحلام حدود لتقف عندها.
ذهب المندوب الموهوب، وهناك بدأ حواره مع الرجل الوحش، الذي ارتاح له لأمر ما، الشاب لم يكن متأكدا منه. رأى في عينيه سحر خاص يذكره بسنوات طفولته العاثرة، وهو يتنقل من كنيسة إلى كنسية مع والده. كان العالم وقتذاك ليس فيه إلا صورة واحدة معلقة بقلب الطفل بإطار من العواطف المشوبة بالحنين لشيء مجهول، إلى اللحظة ليس بإمكان كبير الموزعين أن يحدده.
وبدلا من أن يدور الحوار حول طاولة العشاء، عن قطع الغيار، كان الموضوع الرئيسي هو المسيح، ولوحة العشاء الأخير، ودافنشي، ومايكل أنجلو، وبالطبع فيلم (شيفرة دافنشي) ومؤلف الرواية دان براون، وقبله فيلم (عاطفة المسيح) لميل جيسبون. وطوال الحوار كان الشاب الموهوب بارعا في الحكي، وفي اختلاق الصور الذهنية والمقاربات بين أشياء لا يمكن الربط بينها ولو في الأحلام. وكانت دهشة الموزع الوحش، تكبر وحلمه المالي يتضاءل، وقسوته التي يقول عنها التجار تبهت. تحول إلى تلميذ في حضرة المعلم الشاب. وانتهت الليلة، وعاد الشاب إلى بيته، ونسي أن يكلم مديره بما دار في (الصفقة) التي لم تتم أصلا.

لي أن أخبركم الآن بأن هذا الفيلم كان من صنع خيالي، لأنه من الضروري أن تضع توابل مثل (فيلم أجنبي)، (رواية غربية)، (مدير أمريكي)، (الولايات المتحدة)، وغيرها.. لكي تجعل الحكاية لها معنى وسهلة من حيث التجاوب معها. والأمر لا يتعلق باختراع الأكاذيب، ولكن في كوننا أصبحنا لا ننظر إلى الأشياء إلا إذا جاءت (متبلة). فالصفاء والمباشرة والشفافية والصدق وجملة هذه المفردات التي تدل على (العقلانية) وفق منظور عالم قديم.. عفوا عالم لم يكن موجودا ذات يوم، أصبحت كل هذه المفردات مهجورة داخل غابة مليئة بالحيوانات المفترسة.
(التتبيل) ضروري حتى لو أن الذي يسمعك، كان يدرك تماما أنك تكذب عليك وتلاقيه باحترام زائف، حتى لو كان ذلك المستمع الذي هو أكبر منك شأنا، من النوع الذي يردد دائما: (أنا أحب الصراحة، الوضوح، الشفافية.. أحب الذين يواجهونني بأخطائي ويقولون لي أنت غير موفق في النقطة المعينة)..
كذب وافتراء وزيف.. ورحم الله عبد الرحمن منيف، وهو القائل: (الأكذوبة في زماننا أصبحت شيء ضروري.. فأنت إن لم تكذب لم تعش).

فيبدو أن أول شروط هذه اللعبة، تحديدا في زمننا الراهن هو الكذب.. الزيف.. كن صادقا وسترى أن النتيجة عكسية تماما. وليس هذا الخطاب تحريضا على الكذب، وأن يهجر الناس الصدق. ولكن الشاب الموهوب في الفيلم المتخيل أعلاه، كان قد خسر وظيفته التي لم يعض عليها بنواجز ذكائه وحكمته التي أثبتت أنها غير مجدية، خاصة فيما يتعلق بالصدق مع النفس، وفق منظور تالف.
في الصباح جاء قرار فصله، فلم يحزن، ولم يتردد أيضا في الصعود على أول تاكسي يقف أمامه، أمام مبنى الشركة التي عمل بها لأسبوعين فقط، ليتجه إلى صديقه الجديد، عاشق المسيح ومجتر ذكريات الطفولة. وأثناء الطريق عاين (البيزنس كارد) أكثر من مرة، ليتأكد أن العنوان صحيح.. فهذا المكتب خاص جدا، وسري جدا، وقلة هي التي تنال حظوة معرفة موقعه، وصاحبنا الموهوب من هذه القلة.
وقف التاكسي. نزل الشاب. صعد إلى الطابق الرابع. وجد السكرتيرة الجميلة في انتظاره. ابتسمت له، ابتسم لها بعفويته المعتادة. سألها عن صديقه. أخبرته أنه مسافر ولن يعود قبل يومين.
وعاد بعد يومين وفي ذات الموعد، وفي البداية لم (يتشرف) صديقه بمقابلته، قال للسكرتيرة ببساطة: (أخبريه أنني لا أقابل أناسا حالمين). وأصر الشاب على الدخول.. وأخيرا دخل وقصّ على كبير الموزعين بكل حسرة وألم وخوف ما جرى معه.
انتظر لدقائق ليسمع كبير الموزعين يرد عليه: (كنت أعلم بما سيحدث.. وأعلم أنك سوف تأتيني.. ولكن عذرا فأنا لا أوظف أناس لا يجيدون عملهم)..

بإمكاني الآن أن أصل إلى نتيجة تأملية ذاتية.. ثمة أناس في هذا العالم قادرين على مزج المحبة بالكراهية.. أبعد من ذلك الواقع بالخيال.. ومعظم هذين النوعين من البشر لا يمكن أن يكونا مصدر خوف أو قلق.. ما يخيف وما يرهب بحق أولئك الذين لهم قدرة على الحديث بشكل رائع عن المسيح وفي الوقت ذاته هم يغتالون المسيح. ليس لديهم أدنى شفقة على مصير الآخرين. آو على أنفسهم.
أصبحت الحياة العصرية، هي تلك التوابل التي لابد منها، مع تعقد حاسة الذوق لدى الكثيرين. وأصبحت أيضا مصابة بجرثومة الأنا المفرطة في الغياب، عندما يكون الحضور الأكيد ما يمكن الاصطلاح عليه بـ (المحبة الكونية): أن ترى نفسك في الشجرة وترى الشجرة فيك.. والإنسان أحق من الشجرة إذا ما صدقت الرؤية.
سأعود للتأكيد الجازم ومن جديد بأن الأمر لا يتعلق بالحياة العصرية، وعبارات من هذا النوع (الرديء).. فالحياة دائما كانت عصرية إذا ما تعلق الحال بتوابل الكذب والافتراء والضمير الميت، منذ أن قتل قابيل هابيل، وسرق ماشيته وزوجته.
في الإدارة الحديثة التي تركز على النفس البشرية، ثمة قاعدة تفيد بأن تدريب النفس على الشفافية ضرورة لابد منها لنجاح العملية الإدارية.. الشفافية في الخدمة وفي المنتج وفي التعامل مع الموظفين والزبائن. وقد يستغرب البعض عن أي سوق تتحدث هذه الإدارة المثالية، التي لا وجود لها إلا في مدينة أفلاطون الفاضلة!. والأمريكيون يضخون عشرات الكتب يوميا، في هذا الموضوع المتعلق بالمثالية الجديدة، التي تتحدث عن الإدارة وفق استراتيجيا المباشرة والوضوح القائمين على الشفافية.. لكن يبدو أن الخلل ليس في المفاهيم ولا في تفسيراتها كما نقرأها في الكتب الغربية، ولكن في البيئة.. وهنا يطول الحديث حتى لينتهي المرء إلى الدوار النفسي والصداع الغيهبي. بمعنى أن شروط البحث عن المثال، تختلف من بيئة إلى أخرى وفقا للقيم والتقاليد والأحلام التي تسكن النفوس. حتى مفردات كالكذب والخديعة، تكتسي لونا مختلفا من مجتمع لآخر.
ولو أعدنا التفكير في مفردة (كذب) من منظور علم الإدارة الجديدة، فسوف نجد أنها ليست مضادا للشفافية.. بإمكان الكائن الشفاف أن يكذب، مثلما تكذب الزجاجة الشفافة وهي تحمل الماء ساعة ينكسر الضوء عليها فنرى أن القلم الذي أدخلناه في الزجاجة بات مكسورا. إذن لكي تكون الحياة بمعيار دقيق من الجودة، يجب أن يميز الإنسان موقع الحقيقة بمعناها المجازي، ليكون قادرا على إدراك هل هو يكذب أم لا؟!
أعود إلى ذلك النموذج من البشر.. الرجل الذي يتحدث بشكل رائع عن المسيح، وفي الوقت ذاته يغتال المسيح. هل كان كاذبا؟.. أبدا.. لا.. فقد كان صادقا إلى أقصى مدى، مع نفسه. وكان يلقن الشاب الموهوب درسا جيدا، أن الأمور يمكن فصلها بسهولة لمن أوتي حكمة التمييز، ولمن كان شفافا.. أما أولئك الذين لا حكمة لهم، فهم ينقادون للعواطف والأحلام المضللة وحياكة الأثواب من الفلين. لماذا أذن أخافني هذا النموذج البشري؟
ولماذا قررت ببساطة أنه كان يحتاج إلى أن يكون أكثر شفقة على مصير واحد من أبطال هذا العالم.. البشر؟!.. ولماذا قلت بالحرف الواحد: (ما يخيف وما يرهب بحق أولئك الذين لهم قدرة على الحديث بشكل رائع عن المسيح وفي الوقت ذاته هم يغتالون المسيح. ليس لديهم أدنى شفقة على مصير الآخرين. آو على أنفسهم).
الإجابة ربما تتدثر في الشفقة على الآخرين والتضامن معهم ما استطعت، ولكن قبل أن انتهي من كتابة هذه السطور.. تذكرت أن ثمة حكمة أجدر بالاحترام: (أن الذي يشفق على الآخرين هو في حقيقة الأمر يمارس الشفقة على نفسه.. أن يبكي للأشياء التي يفتقدها هو، لا تلك التي بيد الآخر)..
أبدأ اليوم في تقييم وضعك.. هل أنت مع النوع الأول (رب الشفقة) أم النوع الثاني (شيطان الأنا الملتهبة)؟.. هل أنت شفاف مع قدرة كبيرة على الكذب أم أنك تفصل بين الاثنين؟.. ولكني صدقني أينما ما كان موقعك، فتذكر أنها لعبة...
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1276

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1262547 [جيمى قانون]
0.00/5 (0 صوت)

05-09-2015 03:30 AM
يا عمدة الذ ما فى الموضوع انو هابيل بعد كتل اخوهو قابيل قام سرق بقرو ومرتو... مرات عندك خستكة رايعة

[جيمى قانون]

#1262520 [هناء عبدالعزيز]
0.00/5 (0 صوت)

05-09-2015 12:45 AM
ابداع

و ما زلنا فى انتظار كتاب بانكسى فى السودان رغم اعتقادنا بانه لا داعى للفضائح.

[هناء عبدالعزيز]

عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة