المقالات
ثقافة وآداب، وفنون
عماد البليك
الصندوق الزجاجي
الصندوق الزجاجي
05-09-2015 02:19 PM

"ليست هي مزحة يا أخي.. فقد.."
يقاطعه الرجل الآخر الواقف قريبا منه. لكنه لا يراه.. في الظلام..
"تستطيع أن تقنعني بذلك.. ولكنني أبدا لن..."
ثم ترتفع أصوات سيارات قديمة متهالكة في المكان وبشر يسيرون في تموجات سريعة كأنهم يلاحقون شيئا ما.. لا أحد من الرجلين الواقفين داخل الصندوق على علم بما يدور في الخارج.. سوى أنهما يشاهدان ويسمعان ولكن الصندوق ضيق لا يسمح بالرؤية لمسافة بعيدة.. حدود خمسة إلى عشرة أمتار ليس أكثر.
تضحك سيدة كبيرة السن كانت في أخر الصف الطويل.. انتهى التموج.. وتشير إلى الصندوق وتمضي لتتلاشى في الأفق.
***
مضت أيام على هذا الحال لا أحد ثائر أو مناضل رآهما لكي يخرجهما من هذا البؤس.. لكنهما لا يفكران فيه على أنه كذلك.. يظنان أنهما في نعيم أبدي.. أليس كل شيء متوفر هنا.. أليس ثمة من يأتي كل صباح ويقدم لنا الطعام والشراب ويسمعنا النكات المسلية التي يتداولها الناس في المدينة.. أليس لنا حوائط زجاجية نطل بها على الشارع ونرى ما يمكن أن يشعرنا بأننا جزءا من هذا العالم..
قال الرجل الأول:
"العالم من هنا أجمل.. والخروج إليه يصنع القلق والتوتر ويفضح طبيعة الحياة.."
"ولكن متى تعلمت أن تفهمها أنت؟"
لا يرد الرجل الأول.. يصمت كثيرا.. ثم يشرع في نوم عميق.
***
يبقى الرجل الثاني وحيدا تراوده أفكار شريرة جدا. كأن...
ثم يستغفر الله.. ويبدأ في تسلية نفسه بأن يفعل أشياء تنسيه الظلام الذي بدأ يرخي سدوله شيئا فشيئا، فقد دخل ليل المدينة. إنها الحياة قاسية يقنع نفسه وعليه أن يصبر على هذا الجحيم.. اليوم فقط يكتشف أن ذلك الصندوق الزجاجي جحيما..
ينسى فكرته الشريرة.. أفكاره.. ينظر إلى صديقه على الأرض نائما ربما كان يحلم بالخروج من هنا..
يستغفر الله أنه فكر في .....
يشعر بالشفقة اتجاهه.. إنه إنسان مسامح وطيب.. صحيح إنه فعل في السنين الماضية جرائم كثيرة واستحق أن يكون هنا.. لكن لسنا كلنا طيبين.. يكلم الرجل نفسه.. ثم يتذكر أنه هو الآخر ليس إنسانيا كما يحاول أن يتصور نفسه أحيانا.. حتى لو أنه قرر التوبة.. ليس متأكدا أنه سوف يبقى هكذا محافظا على الخواص الجديدة التي بدأ يكسبها.
***
منذ ان تم اختراع الصندوق دخله أناس كثيرون جدا.. وسيدخله آخرون. ولكن لا أحد يعلم الغيب!.. والمهم أن الصندوق يحافظ على قوته ومتانته وزجاجه اللامع.. ليس بمقدور أي رياح قوية أن تقتلعه أو توسخه بغبارها.. ولا أحد يتذكر أن الصندوق كان قد خضع للصيانة ذات يوم..
يقول المسؤول عن شأن الطعام والشراب:
"إنه ساحر يبدل هيئته كل يوم ويلبس لباسا جديدا ويصبح أندى وأجمل وأرق"
***
اليوم يقرر المسؤول الكبير أن يفرج عنهما.. عن الرجلين.. سوف يفتقدهما الزجاج والصندوق سوف يشعران بالوحشة قليلا.. فغالبا سوف يأتي رجلان آخران.. أو سيدتان.. أو رجل وسيدة.. لكن الزجاج يفضح كل شيء..
يرتفع صوت المسؤول ويفتح الباب يخرج الرجل الأول فالثاني.. يشعران بالشارع.. بالحرية كما تُسمى.. يتذكران الماضي القريب.. هنا في الصندوق المجاور..
ينظران للوراء يشعران بالحنين إلى الزجاج وإلى الحوارات التي كانت تدور بينهما.. بعضها طابعه فلسفي والبعض في مغامرات قديمة منسية لا يجوز أن تحكى أمام الملأ.. وأكثر ما يشتاقان لمرويات الرجل الذي يحضر الطعام والشراب وقصصه ونكاته المسلية.. فالواقع خارج الصندوق ليس فيه من نكات رائعة.. لأنك سوف تعيش النكتة وتكون جزءا منها.. من أصالتها وتركيبها وعطرها..
***
في الأفق البعيد.. ثمة سيارات قديمة متهالكة ما زالت تسير باتجاه مقاصدها المجهولة.. البشر أنفسهم يسيرون لا يلاحقون سوى غبار كثيف أمامهم يسد الرؤية.. الرجلان يفترقان ربما إلى الأبد.. ليس من تكهنات قوية بشأن المستقبل.. كل شيء جائز وغير جائز..
السيدة المسنة تعثرت عن السير ووقفت في انتظار من يساعدها على النهوض بعد أن جلست على الأرض.. ولكن يبدو أنها سوف تنتظر طويلا..
***
ينفتح باب الصندوق يدخل الرجل المسؤول الكبير يتفحص المكان.. يأمر الموظف المعني بأن ينظف الموقع جيدا ويبث العطر الفواح فيه، لأن هناك شخصية مرموقة سوف تزور الصندوق اليوم وسوف تتأكد من قوة الزجاج وصلابته وأنه غير قابل للكسر ويسمح بالرؤية تماما، إنها أبسط حقوق السجناء..
يقوم الرجل المعني بالواجبات بدقة.. لن يتعب كثيرا فالزجاج كما تعلمون نظيف جدا..
***
في الهزيع الأول من الليل تهب عواصف قوية جدا.. تعقبها أمطار.. يكون الصندوق قد هوى لأول مرة في تاريخه.. وتهشم الزجاج.. متناثرا على الشوارع المجاورة.. لا أحد يتجاسر على السير في الليالي المطيرة والعاصفة.. كل شيء يسكن إلا الذكريات في عقل تلك المسنة التي ما زالت جالسة لا أحد يساعدها.
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1252

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1263849 [مريود]
0.00/5 (0 صوت)

05-11-2015 10:12 AM
أحييك على مثابرتك .

[مريود]

عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2016 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة