المقالات
منوعات
الخادمة..الأم..والطفل: أبرياء أم متهمون؟..أم الاثنين معاً؟
الخادمة..الأم..والطفل: أبرياء أم متهمون؟..أم الاثنين معاً؟
05-15-2015 12:50 AM


في مطار"جاكارتا" كانت "تورميني" تقف وسط مجموعة من رفيقاتها اللاتي أسعدهن الحظ وتم اختيارهن للعمل كخادمات في إحدى دول الخليج. يتجه المندوب الموكل من قِبَل مكتب التخديم الى قاعة المطار تتبعه الخادمات وأسرهن .. في طريقهم الى مكتب الجوازات،"تورميني" تلقي نظرة أخيرة على أطفالها الأربعة. تستقر عيناها الدامعتان على وليدها الذي تتركه تحت رعاية والدتها. بدا "محمد" الذي لم يتجاوز عمره الشهر السابع مستمتعاً بمص إبهام يده اليمنى غير عابئ بكميات اللعاب المتوالية التي تسيل من فمه فتبلل قميصه.

زوجها عاطل عن العمل وليس أمامها سوى ذلك الطريق المليء بالأشواك لإطعام الأفواه. وخزات على ثدييها تؤذن بتدفق الحليب من مسامات حلمتيهما. تبتلع غُصَّةً تنهمر على إثرها دموعها مشبعةً بالملوحة.. والمرارة.. والتعاسة.

داخل الطائرة، المضيفة تضع أمامها صينية وجبة الغداء..تمتد يدها نحو الطعام..يقفز وجه "محمد" من بين الأطباق وقهقهاته العالية ترن أصداؤها في أذنيها..تتراجع يدها..تموت شهيتها..تعاود البكاء ..

بعد التوقيع على كافة الأوراق الثبوتية تغادر "تورميني" مكتب المسؤول عن التخديم بصحبة "مختار" زوج "نوال".
"نوال" تجلس على كرسي في غرفة الجلوس في انتظار"تورميني".زوجها تأخر..يعْتَوِرُها القلق والتوتر..تنطلق من صدرها تنهيدة حارة..((يا رب تطلع بت حلال تريحني وتراعي لي"مازن" بضمير)).

"نوال" تعمل مدرسة، أما زوجها "مختار" فيعمل في إحدى الدوائر الحكومية. وأخيراً جاءت.. "تورميني" ..فتاة نحيلة الجسم صغيرة القد ترتدي حجاباً باهت اللون حرصت على ربطه بإحكام حول وجهها المستدير.

استقبلت"نوال" القادمة استقبال من يعقد الآمال على حسن الاختيار، ثم قادتها الى الغرفة المُعدّة لها. بجوار الغرفة حمام صغير مُعلَّق على مشجب حائطه "بشكير" جديد. يعلو حوض غسيل اليدين رف زجاجي وُضِعَت على سطحه صابونة حمام مع معجون وفرشاة أسنان. لم تنس "نوال" أن تؤكِّد على "تورميني" بضرورة الاستحمام والسواك يومياً.

ما أن ألقت "تورميني" بجسدها على السرير حتى راحت في نومٍ عميق، كان حصيلةً لرحلة طيران طويلة، وإجهاد، وترتيبات ما قبل السفر.

بعد أن أفاقت "تورميني" من سُباتِها وتناولت طعامها، جاءت "نوال" تحمل بين يديها صغيرها ووضعته على حجرها. ضمت "تورميني" "مازن" إلى صدرها بحبٍ وحنان.. هذا المخلوق الصغير يروِي عاطفة أمومتها وقد يعوِّضها عن فراق صغيرها.

منذ تلك اللحظة، شرعت "تورميني" في ممارسة أمومتها على "محمد" - أي على "مازن" - ..تطعمه..تُحمِّمه..تلاغيه..تلاعبه..تهدهده.
"مازن" يحبو.."مازن" يبدأ أولى خطواته في عالم المشي..يقع..يقوم.. يكرِّر المحاولة بعزيمة لا تفسح لليأس مجالاً.و"تورميني" فرحة.. سعيدة حنونة.هاهو ابنها يكبر أمام ناظريها،"محمد" يكبر، وما أجمل الدنيا. ولكن في الآونة الأخيرة، تغيرت أحوال "نوال"..أصبحت ترجع من المدرسة كل يومٍ ضجِرة..مرهقة..متوترة. التلميذات "مدلعات" في دواخلهن تختبئ عنصرية بغيضة تشي بها أعينهن..إنها في نظرهن لا تعدو أن تكون صورة مُحسَّنة من "تورميني". لقد هجرت بلدها لهثاً وراء حفنة من الريالات فهي خادمة مثلها مثل "تورميني"، حتى وإن حاولت أن تُعزِّي نفسها بقطعة الأرض التي كانت ضريبة شرائها عامين من التقتير وشد الأحزمة على البطون.
مديرة المدرسة التي ما تفتأ تضيِّق عليها الخناق بالأوامر مع جو العمل الذي تسوده المؤامرات والتكتلات، قد جعلا منؤ"نوال" شحنة من الغضب قابلة للانفجار في أي لحظة. "تورميني" أصبحت الشماعة التي تعلِّق عليها "نوال" كل إحباطاتها..تُعنِّفها..تزجرها..تعُد عليها الأنفاس.. تتصيد لها الأخطاء.. وتهددها بإنهاء خدماتها وكأنها تثأر لنفسها من نوبات الهلع التي تصاحبها وهي في صباح كل يومٍ جديد تتوقع "تفنيشها" ضمن برامج "توطين" الوظائف. يزداد الضغط على "تورميني" ..تتصاعد وتيرة الإساءات..والإهانات.. والتهديدات ..

"تورميني" تبكي..تحزن..تكبت..تكره..تحقد..و"مازن" يكبر..يلعب..يتشاقى..يُكسِّر..يُخرِّب.."يدفِّق" العصير..يصرخ..و"تورميني" تتحول الى وحش كاسر..وحش نما، وكبر، وترعرع تحت رعاية قسوة..وفظاظة "نوال".

هذا المخلوق الصغير قاسٍ.. ومجرم.. وجلاَّد.مشاغباته تستفزني..عيناه تقولان: أنا هنا..وابنك هناك بينك وبينه آلاف الأميال.. أنا هنا أنعم بحبك ورعايتك.. وابنك هناك يتلهَّف إلى حضنك ويهفو إلى ضمة من صدرك. تلك المشاعر السلبية نحو الطفل "مازن" قد أفرخت "تورمينى جديدة".. أصبح "مازن" يتلقَّى كل يومٍ وجبةً من الركل..والضرب..والصفع.

مع مرور الأيام اختفت "ضحكة مازن" وانطفأ بريق عينيه ولم يعد يشاغب ويكسِّر.. ويخرِّب. وذات يوم بهي الطالع فيه مرضت "تورميني"، اصطحبت "نوال" صغيرها إلى الحمام..خلعت "نوال" ملابس ابنها.. صعقت "نوال".. الجسد الصغير قد غطته الكدمات..كدمات تتضاءل من وصف بشاعتها الكلمات.

والنهاية .. "مازن" قد تعافى ..و"تورميني" تقبع في سجن النساء و..."نوال" تجلس على كرسي في غرفة الجلوس في انتظار وجهٍ جديد فيما تنطلق من صدرها تنهيدة حارة...((يا رب تطلع بت حلال تريِّحني وتراعي لي "مازن" بضمير)) ...
ملاحظة: هذا المقال وإن أخذ الطابع السردي القصصي، إلا أنه في مجمله ليس بمنأىً عن الواقع بغض النظر عن التفاصيل.



[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 817

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




بدور عبدالمنعم عبداللطيف
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة