المقالات
ثقافة وآداب، وفنون
عماد البليك
"طفل اسمه نكرة"
"طفل اسمه نكرة"
05-16-2015 05:29 PM



أي سياقات تحملنا إليها الحياة ساعة نفقد القدرة على التعايش مع وضع معين، وكيف يكون بإمكان الإنسان أن يخترق الألم والأوجاع لكي يتحرر ويصنع حياة جديدة؟ لاسيما إذا ما كان طفلا وليس إنسانا بالغا رشيدا له القدرة على اتخاذ القرار بسهولة.
ربما هذه ما يلخص الفكرة التي تطرحها واحدة من الروايات التي حققت مبيعات قياسية وحصد كاتبها الشهرة في ظرف وجيز. فرواية "طفل اسمه نكرة" A child Called It التي نشرت لأول مرة سنة 1995 والتي صنفت ضمن أكثر الكتب مبيعا بالولايات المتحدة وقتذاك على لائحة صحيفتي نيويورك تايمز ويو آس تودي، هي العمل المقصود، وهي مأخوذة من قصة واقعية بطلها كاتبها "دايف بيلرز" المولود سنة 1960 بسان فرانسسكو الأمريكية، وهو كاتب معروف بعد أن كتب هذه الرواية وأكملها بعملين هما، "الولد الضائع" في سنة 1997 و"رجل اسمه دايف" في سنة 2000 لتشكل الأعمال الثلاثية سيرة حياة أدبية لدايف الذي مهنته الأساسية تتعلق بعمله في القوات الجوية الأمريكية التي انضم لها سنة 1979 قبل أن يذيع صيته ككاتب. وللكاتب أعمال أخرى في تطوير المهارات والذات منها "ساعد نفسك" الصادر سنة 2001، و"ميزة الشباب" الصادر سنة 2004 و"تقدم للأمام" الصادر سنة 2009.
إن رواية "طفل اسمه نكرة" رغم قصرها حيث أنها في حدود 130 صفحة، إلا أنها من الأعمال التي يمكن أن تقرأ في جلسة واحدة، لما تملكه من تشويق وقسوة في الوقت نفسه. تلك النزعة المخيفة التي تقوم عليها من خلال صورة الأم القاسية والتي تضطهد ابنها دون سبب وتفضل أخويه عليه، وصورة الأب الذي كان متعاطفا مع ابنه ولكن في النهاية يمارس دور المتفرج إلى أن يصل به الحال ليذهب إلى حياته الخاصة ويترك ابنه الطفل والمعذب في مهب الريح.
وليس بمقدرونا مهما تخلينا أن نتخيل صور التعذيب التي مارستها الأم ضد الابن، لدرجة تعذيبه بالغاز داخل غرفة الحمام أو قسره على أكل القاذورات أو براز أخيه الأصغر حيث يضطر لذلك تحت الترهيب العنيف الذي تمارسه الأم، التي لسنا قادرين بأية حال على فهم ما يحركها بالضبط لفعل ذلك ولماذا هذا الابن غير مفضل، لدرجة انها باتت تحرمه الطعام ولأيام طويلة وتتركه ينام في قبو المنزل وغيرها من الأساليب المتوحشة، وعليه مقابل ذلك أن يتظاهر أمام الناس وفي المدرسة بأن كل شيء على ما يرام لأنه لا يملك إلا الطاعة والخوف من هذه الأم والانصياع لها.
وفي المدرسة ساعة يسئل عن سبب خدوشه وجروحه وغيرها من الأشياء التي يتعرض لها يقول – بسبب الخوف – ما تمليه عليه والدته، وبمرور الوقت سيكون على إدارة المدرسة أن تتدخل لتواجه الحقيقة، وتقرر للطفل مصيره بأن يذهب حرا طليقا في أحد دور الرعاية الاجتماعية بناء على أمر قانوني.. ليبدأ حياة جديدة تصنع منه رجلا حقيقيا بعيدا عن العائلة..
وهنا ننبه إلى أنه طوال السنوات التي كان فيها ذلك الطفل "النكرة" يتعرض للتعذيب وراء الجدران، ويعاني مع ذلك الألم المسكوت عنه من قبل الأب، كان يُطرّ للسرقة لكي يأكل أو يلبي رغبات أمه في فعل أشياء ترى فيها متعة فقط في أن يتألم لدرجة أن يفقد وعيه أو تضربه بسكين على بطنه.. في حين إذا قابلت الجدة أو آخرين بدت كالملاك وهي تتحدث عن عاهات مزعومة لهذا الابن لا يمكن حصرها..
وعموما هي سيرة يصعب تلخيصها.. تكشف العديد من الأمور.. سواء فيما يتعلق بمؤسسة الأسرة أو العائلة الحديثة وما يمكن أن يدور فيها، وتطرح أيضا أسئلة حول تربية الأبناء ومن المسؤول عنها، وهو الأمر الذي جعل بعض علماء التربية الإنجليز قبل عدة سنوات يطالبون بأن تكون رعاية الأبناء مسؤولية الدولة وليس الأسرة فحسب، بمعنى إعادة إنتاج مفاهيم التربية.. والسبب ببساطة مثل هذه الظروف الغريبة التي قد يمر بها بعض الأطفال كـ "دايف" في هذه الرواية ذات الخليفة الواقعية.. فقد تكون تلك الأم غير طبيعية أو مجنونة.. لأن الأب يصف عائلته بـ "المجنونة" ولهذا كان عليه أن يفرّ منها.. وقد تكون مريضة على الأقل نفسيا ولنا أن نرى النتائج.. وهنا طفل سيكون ضحية في كل الأحوال.. ضحية أم أو أم وأب أو هذه المؤسسة المسماة بالأسرة.
طوال صفحات الرواية التي تأتي في سبعة فصول وخاتمة سوف نتألم مع ذلك الطفل ونعيش معه أحزانه ونتجرح مع الضرب والحرمان ونجوع مع جوع طفل يجهل مصيره ويعجز عن فكاكه، وسنشعر كم هي تافهة هذه الحياة أحيانا.. وأن الإنسان يظل مركبا غريبا يمكن أن يفعل أي شيء.. وأن مؤسسة الأسرة قد تتحول إلى سلطة مصغرة تمارس القمع ضد الأبناء أو هي نوع من تلك المؤسسات التي يهان فيها المرء لأي سبب كان، وهو موضوع يفتح أسئلة كبيرة ومعقدة حول الإنسانية وطرق بناء العلاقات الاجتماعية بين البشر من دوائر القرابة إلى الدوائر الأوسع، وماهي القوانين وكيف تحمي الناس، وماهي الحكمة من وجود العنف والقسوة في تلافيف العاطفة.. أمور قد يكون عسيرا الحصول على إجابات واضحة لها، لأن الموضوع برمته يتعلق بالنفس البشرية المعقدة جدا والتي لايمكن لأي كان مهما تدرب على الحياة أن يفهمها بالشكل الكافي أو يدعي ذلك.
إن تلك الحالة التي وصل إليها ذلك الطفل، لكنه أنقذ منها في النهاية وقبل فوات الأوان، وصار له شأن.. نحن بالطبع كقراء نجهل أسبابها أو محركاتها الواضحة.. ربما الكاتب نفسه لايدري ما السبب وراء ما حصل معه.. لأن التفسيرات قد تغيب وراء المجهول والغموض الذي يكتنف الحياة الإنسانية كما أشرنا.. لكن ستكون النتائج ماثلة أمامنا.. ولولا التدخل في لحظة ما لوجدنا طفلا ضائعا في العالم إن لم يكن قد قتل أو مات على الأقل نفسيا ومعنويا وأصبح مدمنا لأي أفة كانت، إن لم يكن تعافى وتلك أعجوبة..
يقول دايف قبل أن يتم إنقاذه من جانب إدارة المدرسة نهائيا ويخرج من ذلك "البيت المجنون": "كنت متعبا وأقول لنفسي إنه بات أمامي يوم أقل للعيش في هذا العالم.. أنجزت واجباتي بطريقة خرقاء وخشيت كل لحظة من كل يوم. فمن دون أحلام، وجدت أن كلمات مثل أمل وإيمان هي مجرد أحرف موضوعة عشوائيا معا لتكوين كلمات عديمة المعنى – مجدية فقط في القصص الخرافية".
ويخبرنا أيضا: "مع مرور السنوات وازدياد كثافة الضرب فكرت في عمر أمي وحاولت حساب اليوم الذي قد تموت فيه.. كنت أتوق إلى ذلك اليوم الذي تغوص فيه روحها في أعماق الجحيم.. في ذلك الحين سوف أتحرر منها".
ويقول عن والده: "كرهت أيضا والدي.. فقد كان مدركا تماما للجحيم الذي أعيش فيه، لكنه افتقر إلى الشجاعة لإنقاذي مثلما وعدني مرات عدة في الماضي".
ذات يوم سوف يكبر "دايف" ليبني أسرته ويكون له ابن.. ولكن سوف يتجاوز الأخطاء التي وقعت في الماضي، سوف يعلم ابنه قيما جميلة وسوف يحبه حقا.. ليعلمنا أمرا واحدا إن كان للتجارب ان تختصر في النتائج التي تستخلص منها.. وهو أن الألم والقسوة وكافة الأمور السلبية التي قد يمر بها الإنسان في حياته، يجب أن تتحول إلى نقاط إيجابية تمنحه القوة والمضي للأمام بدلا عن التقوقع على الذات.. فعلى الحياة أن تندفع.. وأن تكون قائمة على تكسير فعل الإنكار ليكون تحقق الوجود كما فعل الطفل "دايف" ولذلك وضع الكاتب عنوانا هامشيا صغيرا تحت عنوان الرواية يخبرنا "شجاعة طفل للبقاء على قيد الحياة". وليس وحده "دايف" الذي ينقذ نفسه بالشجاعة.. لكي يبقى حيا.. فكل منا يحتاج إلى تلك الشجاعة ولو في أمر معين.. فلولاها لما تمكن امرئ من القفز فوق الحواجز ليكون "هو" وليصبح ناجحا في عالم بات معقدا ومربكا ومحفوف بالإكراهات والمتاعب والسرديات المضجرة في كثير من الأوقات.
[email protected]


تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 1643

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1267057 [Angreeb]
0.00/5 (0 صوت)

05-16-2015 10:27 PM
رائع ....ياترى كم دايف لدينا ؟؟؟؟

[Angreeb]

#1267008 [محمد فضل علي..ادمنتون]
0.00/5 (0 صوت)

05-16-2015 08:39 PM
www.epl.ca
يوجد في المكتبة6262 الرئيسية في مدينة ادمنتون الكندية في قسم مخصص للكتب بلغات اخري غير الانجليزية وفي قسم الكتب العربية كتاب لكاتب المقال اعلاه عماد البليك بعنوان
دماء في الخرطوم
وفي حالة عدم العثور عليه يمكن مراجعة الديسك لمعرفة اذا ما تم استلافه وميعاد عودته للمكتبة ويمكن ايضا طلبه من المكتبات الفرعية الاخري في باقي اجزاء المدينة.

[محمد فضل علي..ادمنتون]

عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الفيديو |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة