المقالات
السياسة
المبيدات.. صناعة الموت ( الحلقة الاخيرة - )
المبيدات.. صناعة الموت ( الحلقة الاخيرة - )
05-17-2015 08:22 AM


تحقيق:
لم يجد الفتى محمد أحمد صاحب الـ(11) ربيعاً غير أبيات الإمام الشافعي: (دَع الأيام تفعلُ ما تشاء ــ وطب نفساً إذا حكم القضاء.. ولا تجزع لنازلة الليالي ــ فما لحوادث الدنيا بقاء)، يلتمس لنفسه ما فيها من سلوى ويستمد ما بها من معاني الصبر، ساعة تلقيه نبأ وفاة والده المصاب بالسرطان بعد عشر دقائق فقط تركه فيها لقضاء حوائج والدته التي تستشفي هي الأخرى بمستشفى الجزيرة للأمراض وجراحة الكلى. فالفتى محمد بفعل المبيدات وانتشارها في الجزيرة ظل لأكثر من ثلاثة أشهر في سعي حثيث بين مستشفى الكلى ومركز الأورام يلازم والديه المريضين، إذ شاءت الأقدار أن يكون محمد الابن الوحيد لهما؛ الأمر الذي أجبره على التعاطي مع مرحلة أكبر من سني طفولته التي لم يعش آخر فصولها، ومدرسة لم يكمل فصلها الرابع بعد، ثم إن الأمر وقع ويقع على الدوام فلا يظنن أحدكم أن ما ذكرته أعلاه من مأساة عاشها الفتى محمد ويعيشها المئات من أقرانه من نسيج الخيال، بل هي قصة واقعية لفتى قابلناه عند مدخل المعهد القومي لعلاج الأورام بولاية الجزيرة، يردد ما ذكرناه آنفاً بعد مصابه الجلل بفقدان ولده وإصابة والدته بمرض الفشل الكلوي، إذاً هي الأخرى تتحسس طريق زوجها.
مواصلة
إن ما وقع على محمد وأسرته يقع على مئات الأسر بولاية الجزيرة، بسبب ما تردد عن الاستخدام المفرط للمبيدات بالولاية والربط بين زيادة حالات السرطان والفشل الكلوي وشيوع استخدام تلك المبيدات، وليقين صحفية (أول النهار) بأن هذه الممارسات الضارة بصحة الإنسان والحيوان ترقى لمستوى الجريمة ـ أولها تبعاتها الوخيمة عاجلاً أو آجلاً ـ كان لا بد من التصدي لها والتعامل معها بالجدية التي تستحقها، لذا حزمنا حقائبنا ويممنا وجوهنا صوب ولاية الجزيرة، لمعرفة حقيقة الأمر والوقوف عليه عن قرب، بغية تنبيه من يقومون على أمر البلاد والعباد؛ وقبل الوصول للولاية سبقتنا إليها جُملة من الأسئلة جال بها الخاطر واشتعل بها الرأس، عن العلاقة أولاً بين ارتفاع معدل انتشار السرطان والفشل الكلوي بالاستخدام الكثيف للمبيدات؟ وإلى أي مدى يمكن أن تسهم تلك المبيدات في زيادة انتشار السرطان والفشل الكلوي؟ وقبل الإجابة على هذين السؤالين ينبغي التذكير بما توصلنا إليه في الحلقات الماضية التي وقفنا من خلالها على انتشار المبيدات بالولاية، فتأكد لنا من خلال النتائج التي تحصلنا عليها وجود مشكلة حقيقية في الولاية بسبب الاستخدام المفرط للمبيدات، وكما أسلفنا فإن المبيد عبارة عن مركب كيميائي الهدف من استخدامه قتل الآفة أو منعها من التغذية والتكاثر، ومن ثم طردها من المحصول المعني، فضلاً عن منعها من تكملة تطورها أو تكملة دورة حياتها.
ومن المؤكد أنه قد تم اختبارها من حيث السلامة والفعالية قبل طرحها للاستخدام في المجال الزراعي، ثم إن أي انحراف في استخدمها بطرق غير مثلى اصبح مؤذية للإنسان والحيوان على السواء، مما ينتج عنه الأضرار الصحية والاقتصادية الفادحة وتسبب الموت للإنسان والحيوان معاً، عليه فإنه قد تأكد لنا وبالدليل القاطع استخدام المزارعين لمبيدات محرمة دولياً، لما لها من علاقة بمرض السرطان من شاكلة (DDT) بعد الحصول عليها من المهربين الذين يحصلون عليها بدورهم من مخازن مشروع الجزيرة، ولكل هذا وذاك سنحاول من خلال هذه الحلقة أن نشفي غليل تلك الأسئلة، التي لا يمكن أن نصل إلى إجابة شافية بشأنها دون استصحاب أسئلة فرعية يمكن أن تقودنا إلى إجابة فاصلة بشأنها، كالتعرف على عدد حالات الإصابة بالسرطان في الولاية سنوياً؟ وإلى ماذا يعزي الأطباء الزيادة المطردة في عدد المصابين؟ وما هي أكثر محليات الولاية إصابة بمرض السرطان؟ وهل ثمة إصابات وسط العاملين في الحقل الزراعي تفوق معدل الإصابة بين ممتهني المهن غير الزراعية؟
غياب للبحوث
من الإشكاليات التي واجهناها من خلال هذا التحقيق غياب البحوث العملية التي تحدد مدى العلاقة بين انتشار مرض السرطان واستخدام المبيدات، الأمر الذي يجعل الكثير من المختصين يحجمون عن استصدار فتوى طبية تؤكد إلى أي درجة تسببت المبيدات في انتشار مرض السرطان، إذ أجمع كل من توقفنا بمحطته من الباحثين والعلماء على عدم وجود إثبات عملي يحدد على سبيل القطع علاقة المبيدات بالسرطان، بل وحتى الأسباب الأخرى للسرطان لم تحدد بعد علمياً، ولهذا ذهب نائب عميد معهد النيل الأزرق للأمراض السارية والمكلف من قبل برنامج الأمم المتحدة للتخلص من المبيدات البروفسور نبيل حسن بشير، وقال لـ(أول النهار) إن أسباب السرطان وعلاقاتها ببعض المواد لا تزال مجهولة على مستوى العالم أجمع، لافتاً إلى وجود حاجة حقيقية للدراسات العلمية التي تثبت تلك العلاقات، ولفت نبيل إلى وجود دراسة أجراها بالولايات المتحدة الأمريكية وقت دارسته هناك أثبتت علاقة 300 مادة غذائية يتناولها الإنسان بشكل يومي بما في ذلك اللحمة بمرض السرطان، بيد أن الرجل استطاع أن يقيّم الحجة على المبيدات بتسببها في مرض السرطان ببعض العمليات الإحصائية نرى أنه من الضروري تأجيل الحديث عنها هنا إلى حين الفراغ من استعراض المصاعب العلمية التي واجهناها من خلال هذا التحقيق، ولن نذهب بعيداً عن هذه المعاناة العلمية. وفي سياق الحديث أعلاه رفض رئيس قسم الأورام بالمعهد القومي للسرطان بولاية الجزيرة دـ معاوية محمد على الجزم علمياً بهذه العلاقة، واشار كذلك إلى ما قاله سالفه البروفسور نبيل بعدم وجود دارسات علمية تحدد حجم ونوع العلاقة، بيد انه عاد وقال لـ(أول النهار) إن هنالك مؤشرات تدل على العلاقة الكبيرة بين انتشار مرض السرطان والاستخدام الكثيف للمبيدات، سيما في ولاية الجزيرة، اضف إلى ما سبق حديث مدير عام وقاية النباتات السابق بمشروع الرهد الزراعي يوسف آدم دين، الذي يصب في سياق الحديث اعلاه، فبدأ الرجل حديثه متفقاً تماماً مع حديث البروفسور نبيل والدكتور معاوية بعدم وجود دراسات علمية تثبت هذه العلاقة، وهنا تحديداً تعددت المطالب من المختصين والمعنيين بأمر السرطان للدولة بضرورة الاهتمام بالبحث العلمي سيما في مجال المبيدات وتأثيرها على صحة الإنسان والحيوان، وفي ذلك يقول البروفسور نبيل "ينبغي على الدولة تمويل البحوث العلمية في هذا المجال لكونه يتربط بحياة الإنسان".
علاقة
وعن ما يشاع بوجوده علاقة كبير بين انتشار مرض السرطان بالولاية وتزايد استخدام المبيدات توجهنا صوب المعهد القومي للسرطان، فكان اللقاء الأول مع المدير السابق للمعهد وأخصائي علاج الأورام البروفسور دفع الله أبو إدريس الذي أكد بدوره في حديثه لـ(أول النهار) وجود علاقة ورباط وثيق ومحكم بين الأمرين، وساق الرجل لتأكيد ذلك أكثر من دليل أولها حسبما قال "إن من أهم أسباب الموت في الجزيرة هو السرطان"، لكون الجزيرة بحسب أبو إدريس من أكثر المناطق في السودان استخداماً للمبيدات، علاوة على أن المبيدات التي تستخدم في الجزيرة حتى الآن أصبحت في عداد المحرمات دولياً، بعد ثبوت ذلك علمياً، وأنها السبب الرئيس في الاصابة بمرض السرطان. ثاني القرائن التي ساقها أبو إدريس لتأكيد تلك العلاقة بين السرطان واستخدام المبيدات، أن اغلب الاشخاص الذين يترددون على المعهد من المناطق الريفية والمحاطة بالمساحات الزراعية، فضلاً عن ان أغلب أولئك المصابين يعملون في مهنة الزراعة، أضف إلى ذلك ان اكثر المحليات اصابة بمرض السرطان هي المحليات الواقعة داخل المشروع كجنوب الجزيرة والحصاحيصا والمناقل، على غرار المحليات خارج المشروع إذ تقل الاصابة بالسرطان في محليات شرق الجزيرة وأم القرى، الأمر الذي يعزز فرضية تسبب المبيدات في ذلك، وعلى تلك الفرضية فإن الرجل بنى علاقة قوية بين المبيدات ومرض السرطان بل وصل الرجل لحد أن طالب الدولة بتعويض أهل الجزيرة عن ما لحق بهم من معاناة جراء استخدام المبيدات المفرط في المشروع سيما المصابين بمرض السرطان، وتأكيداً لثقته فيما ذهب يقول، في سياق حديث أبو ادريس المؤكد لتلك العلاقة بين انتشار السرطان وكثافة استخدام المبيدات في الجزيرة، توجهنا بالسؤال إلى الخبير يوسف آدم دين مدير وقاية النباتات السابق بمشروع الرهد الزراعي عن العلاقة بين الاستخدام المفرط للمبيدات وتفشي مرض السرطان سيما في ولاية الجزيرة، فبدأ الرجل حديثه متفقاً تمام مع الحديث من سبقوه بعدم وجود دراسات علمية تثبت هذه العلاقة، غير ان الرجل تمكن بما يملك من خبرة في المجال من اقامة الحجة على المبيدات، مؤكداً وجود علاقة كبيرة بين المبيدات ومرض السرطان، وبدأ الرجل في إثبات تلك العلاقة بتعريف السرطان والذي قال عنه "إنه نمو غير طبيعي في خلايا الجسم، هذا النمو لديه الكثير من المسببات والمهيجات، من بينها - بحسب رجل الوقاية- الكيماوئيات عموماً والمبيدات خصوصاً"، لافتاً إلى وجود دراسات عملية استطاعت ان تثبت علاقة بعض المركبات بمرض السرطان، من بينها مركبات الـ(DDT) ومبيدات (الاندرسلفان والسويدان والمارشال). تجدر الإشارة هنا إلى أننا تمكنا من خلال الحلقة الماضية من إثبات استخدام تلك المركبات ويكثر في رش الخضروات بالولاية، شيء آخر يشير إلى وجود علاقة بين الأمرين هو أن المبيدات المستخدمة حالياً في رش الخضروات من طماطم وبصل وباذنجان وغيرها خاصة بالمحاصيل الحلقية من القطن والقمح والفول، وهي في الأصل مبيدات ذات أثر باقٍ يستمر وجود المبيد بالمحصول لأكثر من ثلاثة شهور أحياناً، وبالتالي إذا تم تعاطي هذه المبيدات في رش الخضروات فإن المستهلك بلاشك سيتعرض لتلك المبيدات، إذا أخذنا في الاعتبار ان فترة نضج الخضروات أقصر، إذ لا تتجاوز في أقلب الأحيان الـ45 يوماً من الزراعة، وهذا يعني وجود تأثير كبير لهذه المركبات على صحة الانسان، فقد ثبت من خلال الحلقات الماضية استخدام هذه المبيدات في رش الخضروات وبصورة كثيفة، بل ووصل الأمر بالمزارعين لجني المحصول في ذات اليوم الذي تتم فيه عملية الرش أو صبيحته، وما من دليل أبلغ على ذلك من حديث المزارع والتاجر بالسوق المركزي للخضر بومدني صلاح مصطفى الذي كشف عن الكثير من الممارسات الخاطئة التي يقوم بها المزارعون في طريقة تعاملهم مع الخضروات، وأقر في حديثه لـ(أول النهار) باستخدام المزارعين لتلك المبيدات في رش الخضروات سيما الطماطم، ثم إن الرجل ذهب إلى أبعد من ذلك في إقامة الحجة على هذه العلاقة وقتما أخذ واحدة من حبات الطماطم وتحسس ما بها من أثر للمبيد بأنفه، فبدا ظاهرياً لنا ولكل من فعل فعلة صلاح متحسساً اثر ما بالطماطم من مبيد، أضف إلى ما سبق طرق الرجل على نقطة حساسة وهي من الأهمية بمكان إذا ارجع الإفراط في استخدام المبيدات إلى ضعف الجانب التوعوي والإرشادي لدى المزارعين، وقال ان المزارع يحتاج لتوعية مكثفة بخطورة ما يقوم به من عمل يعود عليه قبل الجميع بخطر عظيم، أضف إلى ذلك ما أكده البروفسور نبيل حسن بشير من علاقة بين الأمرين، عن طريق ما قال عنه انها عمليات إحصائية أظهرت نتائج معروفة عن هذه العلاقة، حيث قاموا من خلال تلك الإحصائيات بإخضاع ارقام سجل السرطانات بالولاية إلى عملية حسابية أكدت وجود ارتباط كبير بين الأمرين، إذا ما قورنت بأرقام وإحصائيات عدد المرضى من المحليات التي تقع داخل المشروع، والمعروف عنها تفشي المبيدات بها من محلية الحصاحيصا وجنوب الجزيرة والمناقل، بتلك المحليات الواقعة خارج النطاق الجغرافي للمشروع مثل محليات أم القرى وشرق الجزيرة، حيث أثبتت الإحصائيات نتائج مذهلة وفرقاً واضحاً من حيث عدد الحالات المصابة بالسرطان، إذ أثبتت الإحصائيات أن محليات المشروع هي الاكثر إصابة بمرض السرطان.
إحصائيات
تحصلت (أول النهار) من مصادرها على آخر إحصائية بعدد الحالات المكتشفة حديثاً من المصابين بمرض السرطان بولاية الجزيرة لعام 2014م، وكشفت الإحصائيات ارتفاع الحالات إلى أكثر من (1600) حالة مقارنة بعام 2013م الذي سجل (1453) حالة اصابة جديدة، فيما اكد رئيس قسم الأورام بالمعهد القومي للسرطان بالولاية دـ معاوية محمد علي ازدياد مطرد للمرض بالسرطان في ولاية الجزيرة، كاشفاً عن تردد اكثر من (20) ألف مريض سرطان على المعهد في العام، محذراً من المؤشرات التي بدأ يسجلها المرض بالولاية، والملاحظ ان السرطان اخذ في تسجيل مؤشرات مخيفة بولاية الجزيرة في السنوات الأخيرة، إذ تقدر الزيادة السنوية للمرض بحوالى 20% من كل عام، ولم يستبعد محمد علي في حديثه لـ(أول النهار) وجود علاقة بين انتشار المرض في الولاية والاستخدام الكثيف للمبيدات، مشيراً إلى ان ولاية الجزيرة تحتل المرتبة الاولى من بين ولايات البلاد من حيث الاصابة بالسرطان.
فيما توقع المدير السابق للمعهد البروفسور دفع الله أبوإدريس أن تصل نسبة الاصابة بالسرطان في الولاية إلى (3000) ألف حالة، لكون الأشخاص الذين يصلون للمعهد في العام تجاوزوا الـ(2000) ألف حالة وفي مراحل متأخرة من المرض، الامر الذي يعني بحسب الرجل وجود حالات كثيرة مبكرة وسط المواطنين لم يشعر بها اصحابها او لجهل بعضهم بخطورة ما يحمل من مرض، مشيراً إلى ان المعهد استقبل في عام 2013 اكثر من (1600) حالة اصابة جديدة بالسرطان، الامر الذي اهل ولاية الجزيرة لإحراز المرتبة الاولى من بين ولايات السودان اصابة السرطان، واستمرار وصول الحالات في مراحل متأخرة قائلاً هذه الحالات كانت موجودة قبل سنة او سنتين دون تشخيص، وهذا يدل على ان هناك العديد من الحالات في طورها المبكر دون أي تشخيص، لأن الحالات المتأخرة كانت موجودة قبل سنة او سنتين دون تشخيص، مما يؤكد عدم حقيقة النسبة الحقيقية للاصابة بالسرطان بالولاية وربما تكون الاصابة بنسبة زيادة تصل 50% لم تكتشف بعد، مؤكدا ان معظم الحالات من ولاية الجزيرة، وهناك الكثير من الحالات لا يتم علاجها هنا بالمركز، بل في الخرطوم، مثل مرضى السرطان بمحلية الكاملين، فيتم العلاج بالخرطوم لقربها من العاصمة، وإذا ضممناها تجعل ولاية الجزيرة هي النسبة الاعلى في الاصابة بالسرطان في السودان.
معاناة
المعاناة والمشقة التي واجهناها في سبيل الحصول على أرقام المرضى التائهة المفقودة داخل إحصائيات المعهد، ما كانت لتعني لنا شيئاً مقابل ما بدا لنا من صورة تحمل بداخلها مئات الرؤيات الحزينة والبائسة لأشخاص يعلمون علم القين - بعد التسليم بقضاء الله وقدره - أن قطار الموت اقترب بهم من محطتهم الأخيرة دونما أدنى قدرة على فعل شيء، فهؤلاء الوصول لهم لا يحتاج إلى مشقة مثل مشقة البحث عن الأرقام، إذ وجدنا المعاناة بشتى صورها خارج فناء المعهد الذي يمتلئ يومياً بالعشرات من ذوي المرضى وأقربائهم ،ما اصطدمنا به هو خجل الكثيرين من أن يتحدث عن مرضه وتفادي ذويهم الغوص في الموضوع، انتابنا إحساس عميق بضرورة مواساة هؤلاء فجلست (أول النهار) إلى عدد منهم تحت ظل شجرة أمام مبنى المعهد، حيث شكا العم أحمد عبد الرحيم 50 عاماً من ولاية كسلا قسوة الظروف التي يتعرضون لها في طريق ملازمة ذويهم الباحثين عن الشفاء، وقال لـ(أول النهار) إنه ظل لكثير من 3 شهور في ملازمة زوجته المريضة بالسرطان يفترش الإسفلت ويلتحف السماء، ويكابد ظروف الحياة ونفقات العلاج الباهظة دونما يجد أدنى مساعدة من الجهات الرسمية، بل المطاردة والإزعاج على الدوام من عمال المحلية والعاملين في النظام العام، حيث تطاردهم الكشات وتمنعهم من الاقامة داخل اسوار المستشفى مما يضطرهم للإقامة خارجها في ظروف اقل ما يقال عنها أنها صعبة سيما في الشتاء. شيء آخر يبدو ظاهرياً لكل متردد على المعهد التردي البيئ الكبير الذي تعرض له المعهد بعد حادثة انهيار احد مبانيه، تلك الحادثة التي ثبت وجود شبهة فساد مالي وأخلاقي بها، حيث تم نقل جزء كبير من عيادات المعهد إلى داخل مستشفى ود مدني التعليمي عبر باب خلفي يؤدي من المعهد إلى المستشفى، حيث يمر المريض من وإلى المركز عبر اطنان من الركام والحشائش والأوساخ، فضلاً عن استقرار الكثير من مرافقي المرضى على جنابات المعهد وخصوصاً القادمين من الولايات يكابدون زمهرير الشتاء ومعاناة الإقامة على الرصيف، حيث لا استراحات يمكن أن تأويهم إلى حين تماثل من يرافقون إلى الشفاء وتدركهم مشيئة السماء بالوفاة. وأقر رئيس قسم الأورام بالمعهد معاوية محمد علي بوجود مشاكل تواجه المستشفى في مقدمتها نقص الكادر الطبي العامل في المعهد بسبب الهجرة المستمرة للاطباء، وضعف التدريب والتأهيل له، فضلاً عن غياب الكثير من التخصصات الضرورية في تشخيص السرطان من المركز، أضف إلى حديث رئيس قسم الاورام بالمعهد من مشكلات الوضع البيئي والصحي للمستشفى المزري للغاية، حيث لا خدمات تقدم للمرضى اللهم إلا ما يقدم لهم من جرعات كيمائية، ماعدا ذلك فحدث ولا حرج، فأكثر من (1600) مريض جديد بالسرطان سنوياً بولاية الجزيرة يتلقون العلاج بالمعهد، إلى جانب المترددين على المعهد لاستكمال العلاج والبالغ عددهم (20) ألف شخص، كما ذكرنا آنفاً إذ ان المشكلة الكبرى ليست فقط في أعداد المرضى بل في ضعف الإمكانيات وعدم وجود أجهزة طبية تستوعب كل هذا العدد المهول من المرض، فلو أخذنا مثلاً جهاز الرنين المغنطيسي والأشعة المقطعية اللذين تتوقف عليهما عملية كشف المرض ليتم العلاج، فإنها لا تعمل بالصورة المطلوبة نسبة لانعدام الإمكانيات واعتماد وزارة الصحة بالولاية على الدعم الاتحادي الذي قد يتأثر هو الآخر بالوضع الاقتصادي الراهن، كل ذلك انعكس أثره السلبي على المرضى سيما الفقراء الذين لا حول لهم ولا قوى، لمجابهة نفاقات مثل هذا المرض، وسوء الانتظار على مدارج الصبر واعتصار الآلام. ولما كانت الأمانة الصحفية تقتضي إتاحة الفرصة لوجهات النظر المختلفة، حملنا كل تلك الإشكالات وذهبنا إلى وزارة الصحة ولاية الجزيرة للإجابة عليها، فطلبنا مقابلة الوزير الدكتور الفاتح محمد مالك فتم الاعتذار لنا بعد وجود الوزير في مكتبه يوم الزيارة، بعدها عدنا أدراجنا إلى الخرطوم، وجددنا الاتصال بالوزير هاتفياً فكانت استجابته لهاتفنا هذه المرة، بيد أنه لم يفيدنا في كثير مما طرحناه عليه من أسئلة، بحجة أن الأمر يعني وزارة البيئة والمعهد القومي للسرطان، فبدا لنا الأمر وكأنه في ولاية أخرى غير الجزيرة التي يتبوأ الرجل فيها كرسي وزارة الصحة، الأمر الذي أكد لنا غياب وزارة الصحة التام عن كل ما يحدث في الولاية من مشاكل وخراب بيئي تأثر به ويتأثر أكثر من (3000) مواطن في العام.
نتائج
من خلال الجولة التي قمنا بها لولاية الجزيرة والتي طفنا من خلالها ولأكثر من ثلاثة أيام في سبيل البحث عما يجمع المبيدات بالسرطانات من علاقة، فانطلقنا بدءاً من المناطق المتهمة بالتسبب في انتشار مرض السرطان لما عرف عنها من تجاوزات في استخدام المبيدات، فكان أن أثبت لنا بالدليل القاطع النقاط أدناه:
1ـ غياب الدراسات العلمية المنوط بها تحديد تلك العلاقة من الناحية المعملية.
2ـ إحصائياً المبيدات هي السبب الرئيس في انتشار مرض السرطان.
3ـ زيادة معدل الإصابة بالسرطان في ولاية الجزيرة بنسبة تتجاوز الـ20% من عام إلى العام الذي يليه.
4ـ المحليات الواقعة جغرافياً داخل المشروع أكثر إصابة من التي في خارجه مما يعزز فرضية العلاقة.
5ـ الغياب التام لحكومة ولاية الجزيرة حيال ما يتم في الولاية من أفعال ستؤدي حتماً في النهاية إلى الإشارة للجزيرة بقول (كانت هنا ولاية).
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1121

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




شاذلي السر
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة