المقالات
منوعات
عهد .... قصة قصيرة
عهد .... قصة قصيرة
05-20-2015 05:07 PM


المسافة التى قطعها بين محطة الحافلات والمكان الذى يجلس عليه, قصيرة جداً, ومع ذلك شعر بوطأة الارهاق وان اوصاله تكاد تتقطع. وعزا الارهاق الشديد الى الحقيبة الثقيلة التى كان يحملها على ظهره. لكنه فى قرارة نفسه كان يدرك بانه يحاول زرع الطمأنينة, لان الذى يشغله اكبر من ذلك. خلع الجزمة الانيقة وضغط على رجليه ثم نظر اليها نظرة حنق عارم. اخرج منديله الابيض فجفف به العرق الكثير الذى سال على وجهه ويديه وقشرة رأسه.وشرب الكثير من الماء راجياً ان ينجح فى اطفاء ظمأ شوقه ونار القلق المضطرمة.
رأسه المشحون بالافكار الكثيرة كان يسنده على كفه العريضة, وكان ممداً رجليه وتاركاً كوعه لينغرس فى جسد السجادة الانيقة. وفى نفس الوقت كان يستمع الى الموسيقى, لكن بلا اهتمام كبير. ولما نظر الى الشمس العنيدة تأكد له ان الوقت مازال مبكراً لحضور الناس الى الشاطئ. وبعد حين ستأتى حبيبته وستنال الحفاوة وقصر الرمال الذهبية, وسيعزف لها صاحب الكمان لحنها المفضل. ولما امعن النظر فى حركة المد والجذر المنتظمة ظن انها ستساعده فى ترتيب افكاره واكمال نظم الحديث الذى سيقوله لها اليوم. وبعد ان اطمأن من ترتيب الاشياء استلقى على السجادة واضعاً رأسه على قبضة يده ومتمنياً من كل جوارحه ان يغفو غفوة قصيرة و ينعم بحلم جميل
استدار مرات عديدة ذات اليمين وذات الشمال وهو راقد على السجادة, رأسه لا يريد ان يستقر على رأى واحد. وبرغم تصميمه العنيد بان يخبرها اليوم بكل التفاصيل, الا انه ظل طوال الوقت ينقح ويعيد صقل الرواية. ذات يوم قالت لصديقاتها انه حولها الى عاشقة فريدة وجدت به وجداً لامس تخوم الهوس اليومى. وفى كل مرة كان يزمع فيها على اخبارها بما يضمر كان يتردد حين يدرك عظم المخاطرة, ثم يعمد اخيراً الى تأجيل الامر برمته.
فى تلك اللحظات كانت حبيبته تتبسم منشرحة, غارقة فى النشوة, تخطو فى اتجاه باب غرفتها وهى واثقة, لكنها فجأة آبت واتجهت نحو المرآة. نظرت الى الكحل الذين يزين عينيها الواسعتين الحلوتين, ثم ادارت وجهها المستدير الجذاب فى كل الاتجاهات. عدلت من وضع فستانها الفضفاض وهزت جسمها الممتلئ. تبسمت مرة اخرى حينما تذكرت اطراء اخواتها وتوكيدهن على اختيارها للفستان البيج الفاتح والشال والصندل الذهبى والاكسسوارات, وكذلك هزلهن الكثير الذى جعلها تتأخر عن المواعيد. شدت فستانها على جسمها لكى تتأكد من انها مازالت محافظة على وزنها. ومع انها كان تعلم انه يعشق كل ضلع فى حديقتها الغناء, ويحب بدانتها بلا تحفظ, الا انها كانت تخشى من الافراط فى السمنة. اخيراً لممت حاجاتها وازمعت على الخروج. هزت جسمها من جديد ولم تنس ان تغازل تلك التى خلف المرآة. ولانها قامت بحركة منفلتة, فقد وضعت يدها على فمها حتى تقمع الضحكة الوليدة.
كانت تصبو الى ان يسود لقاءهما المرح وتعربد فيه الصبابة, وهى واثقة من قدرتها على نشر البهجة. هى محبوبة ممراحة, تلازمها ضحكتها العذبة اينما حلت. وهى تحب الرقص كثيراً, وتؤديه بخفةالفراشات الجميلات. لكن حبيبها كان يتضجر احياناً من افراطها فى الرقص ومن جرأتها.
فى مساء الامس كان وحيداً فى البيت. شرب كأس الويسكى الاسكتلندى دفعة واحدة ثم وضع الزجاجة فى الثلاجة. وقبل ان يغادر الحمام وقف وثبت رجليه جيداً ثم نظر بعمق فى المرآة. كان مهموما وهو يفكر فى تفاصيل الحديث الذى سيقوله اليوم, وفى لحظة ما اكفهر وجهه. وحين ركز بصره لاحظ للتجعدات الكثيرة على وجهه. هو يعلم انه مازال شاباً فى مقتبل عمره وان التجعدات اتت بفعل الغضب الشديد. تذكر ان والده كان يبشره بأنه سيكون مثله, وان التجاعيد ستظهر على وجهه فى وقت مبكر. وازداد غضبه وهو يلاحظ الشبه الكبير بينه وبين ابيه, خاصة فى الوجه العريض المستطيل والشفاه الغليظة. وفى طريق الرجوع الى الغرفة صب كأسا رابعاً وجلس على الاريكة وهو يشاهد التلفاز
سلمت عليه ومدت اليه الوردة الحمراء النضرة كنضارة وجهها الجذاب. وكعادتها اتته يرافقها البشر الخصيب. اسرته بفخامة حضورها الجليل, فظل واقفاً كالطفل مشدوهاً ينظر اليها وهو صامت تماماً كجلمود. هو يعلم ان معدنها من ذهب صقلته النار فزادت من تألقه وصلابته. ولما طال وقوفها وضعت الكعكة الالمانية المعسلة على السجادة. هى نحلة ألذ من عسل الكعك الذى صنعته خصيصاً له. روحها الشفافة انضر من القمح الشامخ الذى يكسو بشرتها. حباها بعبارات ترحيب قصيرة ومرتجفة, لكن عينه اخبرتها بالكثير. مازحته وأضحكته فاستطاعت فى هنيهة ان تنقله الى دنيا رحبة غنية البهجة. كانت كلماتها منمقة ومنسوجة نسجاً محكماً كاغنية حبلى بالمعانى اشترك فى تأليفها ملوك الشعر , وغنتها الجماهير الطروبة, اما ايقاعها فلا يمل منه لانه يجدد من قبل الجميع
هيأ لها سجادة فجلست عليها. وبعد لحظات شعرت بانه يتألم نتيجة لاستناده على يده, فتزحزحت واقتربت منه لكى تساعده على تغيير وضع جلسته. فى تلك اللحظات انتهز الفرصة لكى يراجع خطته حتى يأتى حديثه متزناً ومقنعاً لها. لكن لحظات التفكير اوشكت ان تبدد حلاوة اللمسات الرقيقة وسحرها
ظلت تتحدث اغلب الوقت وهى جذلانة تعلو وجهها الابتسامة الساحرة. الف مرة عبرت عن عظيم فرحتها بلقاءه وعن مقدار توقها. كان جسمها يتحرك كله ويتثنى حين تردد كلمات الشوق. كانت الحلاوة والعذوبة تتسرب من بين كل حرف من احرف كلماتها. وكانت تأسره الدهشة وتلجمه فينسى ان يعدل من وضع جلسته ويزداد شعوره بالالم. ولانها كانت تريد ان تدلق بوحها كله دفعة واحدة, فقد زادت من سرعة كلامها ومن الاكثار من تحريك يديها وعينيها. وفى كل لحظة يتوقع فيها انها ستتوقف, ويشرع فى تهيأة نفسه للكلام, يراها تبدأ الحديث من جديد. ولما وجد سانحة بدأ سيل الحديث البارع ينساب منه, واكتنفته حالة الولع المجنون.ولما لم يجد مخرجاً استسلم لحالة الحب واجل ما نوى عليه, واستمتع باللحظات النقية وطرب
لم يشعرا باقتراب مغيب الشمس ولا باكتظاظ الشاطئ. كان حديثها المعسول يغشاه مثل نسمة رقيقة تتزل برداً وسلاماً على بشرته السمراء. ربت على ذراعها المخملى لكى ينبهها الى وجوب الجد فى العمل لاكمال قصر الرمال, فلم تعبأ به, كانت تغنى. كتفها ناعم كجليد قطنى سقط لتوه على غصون الاشجار. قال لنفسه:” مترف وثرى”. غطى ذراعيها بعمامته فجذبتها وضمتها الى صدرها وظلت تعبث بها وتمرر اناملها المترفة على الاطراف المطرزة بالخيوط الذهبية. لم يلهيه غناؤها عن العمل بدأب شديد لاكمال القصر. كان ينظر اليها كل حين فيتبين عمق العشق المضمن فى النظرات الحنونة ورقة الصوت وحلاوة النغمة.
لاحظت انها تركته لفترة طويلة يعمل فى بناء القصر, بينما هى كانت مشغولة بالحديث والغناء, فأنبت نفسها و تبسمت ثم امسكت بيده برفق. صمت وهو ينظر اليها ويحس بطعم كطعم الفرحة بالمولود الاول . شجعته على الحديث وهزت رأسها بالمصادقة. دهش من قدرته الفائقة على التحفيز و على صناعة الدهشة, وافتتن بقدرتها الاسطورية بان تجدد روح حبهما على مدار الساعة. بالامس حين هاتفته لكى تذكره بالمواعيد, كانت متحمسة ومنتشية ومراهقة جداً حين عبرت عن مقدار عشقها. لم يك ثملا فى تلك اللحظات. واليوم استعاد تلك المشاعر. قال لها
انا فرحان جدا -
بالحب الذى يكبر -
لا -
اعتدلت فى جلستها وانتفضت ورفعت يدها وهمت بتنفيذ ما نوت عليه وتحركت فى اتجاهه. امسك بيدها وقال :” كنت اهزل". ولما هدأت رآى جنة حسنها تكبر. حدثها بان حبهما لم تزده الايام الا منعة ونضجاً وحلاوة. تحدث كثيراً عن مشاريع المستقبل, وحين توقف وجدها منتظرة لسماع المزيد.
مالت الشمس نحو المغيب فأقتربا من الماء لكى يغسلا اياديهما. اثنيا على مضاعفة الجهود لاكمال زينة قصر الرمال. وفى تلك اللحظات شعر بان الفرصة ستضيع منه اذا اصبح يجاريها فى كل شئ, فصمم ان يخبرها بالحديث الذى يضمره, بالرغم من انه قد يفسد عليها لحظات سعادة عظيمة .امسك بيدها وغسلها ثم ظل متمسكاً بها. مرر ابهامه على اناملها المترفة. بشرته نسمات الغروب بساعة النصر القريبة, فعندها سيهزم نفسه المترددة, وسيغنى الملحمة التى الفها تخليدا للنصر
ناولته الشال فاعتدلت فى وقفتها ثم توجهت نحو المطعم. ظل مشمولاً بالرضى ومستمتعاً بالعطر الشهى ونعومة الشال الذى احتفظ به فى حجره ورعاه كطفل. وهى فى سيرها احست بصعوبة فى المشى بفعل وزنها الثقيل, وفى منتصف الطريق توقفت واستدارت, كانت تعلم يقينا بانه كان يراقب مشيها. تبسمت واشارت اليه بسبابتها الذى ظلت تتارجح لعدة ثوانى. ضحك كثيرا حتى اهتز جسمه كله. ضحكت للاشارة التى رسمها بيده ثم قهقهت وواصلت سيرها
اول امس كان على يقين بانه قد قال لها الحقيقة باستثناء بعض التفاصيل غير المهمة. لكنه عاد فى مساء الامس وبحث فى التفاصيل لكى يستوثق من درجة تاثيرها على استيعاب حبيبته وتقييمها للحقائق. وبعد تفكير لام نفسه عن نكوصه عن عهد قطعاه بالا يكتم احدهما سراً عن الاخر. هو يعلم ان ذلك الالتزام قد القى بحمله الثقيل على كاهله. احس بانه متورط
اغمض عينيه ووضع عليهما اصابعه كانه يريد ان يغطى الحقيقة. وعندما صحى, احس بالشئ الواضح امامه والواقف مثل صخرة كبيرة لا تستطيع اى سفينة ان تتجنب الارتطام بها. فكر فى صدفة تنقذه ثم قبض على يديه كانه عثر على كنز, لكنه تراجع سريعاً وخمد حماسه. استلقى واسند عنقه على اصابع يديه المشبوكة
حين رجعت كانت متلهفة تكافح لكى تزيد من سرعتها. كانت متحفزة لكى تحكى له كل ما شاهدته فى رحلتها, طريقة جلوس المحبين على الشاطئ ومشاجرات سائقى الحافلات اضافة الى الاطفال الرائعين واحلامهم النقية. لاحظ للبهاء الجديد الذى صاحبها وللعيون التى ازدادت حلاوة. وعندما امسك بطرف الحديث كانت تنظر اليه بشفاه مرتعشة وتحرك شعرها. رفع الوردة وداعبها. وحين تحدث كانت تراقبه بانتباه وبلا مقاطعة. كلاهما كان يريد ان يسمع المزيد. وبرغم المشاكسات فان مشاعر الاحترام والهيبة لم تتغير . احس بها ككائن شفاف رائع يغدو ويروح فوق الحدائق الغناء
قال لنفسه:” جبان. لكن لا توجد خيارات كثيرة, فاستمتع", وهز رأسه. وعندما فطن الى نفسه سارع وقال لها بتلهف: "احبك احبك". كانت فى تلك اللحظات تشرب عصيراً وتنظر اليه بطرف عينها وهى متلهفة للمزيد. سمعت موسيقى بائع الايسكريم فتفاعلت معها. ارتجلت رقصة ما ولم تتقيد كثيرا بالموسيقى. احيانا كانت تطقطق باصابعها لكى يستقيم الايقاع مع رقصها. ومع ان مرحها زين المكان واضفى عليه روحا جميلة, الا انه احس بان الوقت مناسب ليحدثها بما اعتزم. هيأها بان لخص لها ما ذكره فى الماضى. قاطعته قائلة
قلت هذا الكلام من قبل -
نعم لكنى اريد ان اذكرك -
لم انس. هل هنالك جديد -
لا -
ادرك بانه بدا يدخل فى المسار الخاطئ فاعتذر. ولما اسهب فى الاعتذار والثرثرة جعلت تومئ براسها وتوافقه على كل شئ
ليس كل ما نخفيه هو شئ ممهور على انه سر يجب الكشف عنه. واحياناً ذكر الوقائع بعيدا عن السياق الذى حدثت فيه قد ياتى بنتائج غير عادلة. وقد يكون تغاضينا عن الاشياء الصغيرة محمدة نجنى ثمارها ولو بعد حين. والحبيبة تضجرت لكن صبرها لم ينفذ, ربما لحكمة تعلمها هى. لكن على اية حال فان الزمن المتبقى لم يسمح لهما بفعل الكثير
ذهبا الى موقف الحافلات. فى الغد ستنفتح لهما صفحة جديدة. كانت تسير قريبة جداً منه وتمسك بيده الى ان صعدت الى الحافلة. لم تتحدث كثيراً لكنها ودعته بحرارة بينة. وبعد لحظات امسك الجوال و ضغط على ايقونة الاتصال لكنه تراجع. يمم وجهه شطر الشاطئ
بعد لحظات سيكون بمفرده وسيفكر جيدا فى كل الاحتمالات. وربما يصل الى نفس القناعة السابقة وهى انها ستسامحه. لكن لا ممندوحة من اخذ الامور بروية.
-
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1316

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




محمد مهاجر
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة