الذات والعالم
05-22-2015 02:36 PM


في الربع الأخير من القرن العشرين وإلى نهاية التسعينات انتشرت في الثقافة العربية مصطلحات مثل الذات والعالم، أو الذات والآخر، مع اختلاف الدلالة لكل من العالم والآخر. فالعالم سياق يحتوي المكاني المحدد والجغرافي بالإضافة إلى المتخيل واللامرئي، في حين أن الآخر غالبا ما تشير إلى الذات المغايرة سواء فرد أو أمة أو مجموعة بشرية أو حضارة، وغالبا ما تصبح كلمة الآخر كما لو أنها تستفز الروح العدائية بخلاف كلمة العالم التي تأتي أكثر تشبعا وجمالية.
كانت تلك الأفكار أو المصطلحات تنظر إلى الذات والعالم على أنهما شيئان منفصلان يتكاملان أو يفترقان، وأنتج تراث لا حصر له من الكتابات الثقافية والأدبية والنقدية التي تتكلم عن الذات والعالم في الشعر وفي الرواية والسرد بدرجة أكثر وضوحا، ويمكن تلخيص مجمل هذا المشهد كانعكاس لما يسمى بـ "الحداثة" التي تعني توصيفا للوجود على هذه الثنائية أو منطق الثنائيات، فالحداثة قامت على شطر الموضوع عن الشكل والذات عن العالم والإنسان عن الحقيقة، والمبدع عن النص. وهكذا بمعنى أن ثمة عالمين دائما ما يحاولان التماهي في بعضهما ويحدثان توليفا من نوع ما او ابتعادا مطلقا.
لكن في الأفكار الجديدة وفي عالم "ما بعد الحداثة" التي هي سياق غربي في الأساس عكس ظلاله في المحيط العالمي، فإن الثنائيات بدأت في التضاءل وصارت الذات والعالم تميلان أو هما في واقعهما المجازي يعملان كشيء واحد ولم تعد تلك التوليفة الكلاسيكية قائمة من النظر إلى الاثنين على أنهما منشطران، فالذات والعالم هما عالم واحد مشغول بالأسئلة والتشابك والمثيرات اللانهائية التي تحاول أن توجد الهيئة لا المعنى. فإذا كانت الحداثة قد انشعلت بسؤال المعنى فإن ما بعدها اهتم بالهيئة بعد أن أصبح المعنى قائما في كل شيء تقريبا حتى لو أنه معنى ضال ومزيف وغير مقبوض عليه، وحيث أن المعاني تداخلت بشكل غريب ومضجر أحيانا. وصار العالم يتكلم عن عدة روايات لنفس الحدث وللمنظور نفسه، وصار ثمة أكثر من تاريخ للوقائع التي أحيانا تكون شبه مثبتة.
ولعل تطبيق مبدئي لهذا التفسير يقوم على مراجعات بسيطة للمتحرك اليومي في العالم من حولنا، كما يحدث في القصص التي نقرأها في الصحف أو نتناقلها عبر وسائط التواصل الاجتماعي، فالقصة تنشطر وتتجزأ وتصبح منفتحة القراءة والتأويل دون أن تكون قد أسست منذ البداية معنى واضح أو مسار معين لها، فهي تتناسل ليس من أجل المعنى ولكن من أجل بناء مجموعة لانهائية من الهيئات، لأن التعاطي أو التفاعل مع القصة أو الحدث المعاش وفي "أغلب الأحيان" يفتقد للجدوى الإنسانية ويقترب من التلهي والانشغال والمتعة الزائفة التي يحاول الإنسان أن يحصل عليها من خلال الاهتمام بالأخبار والوقائع والحياة من حوله لنقل بتعبير قديم "الاهتمام بالعالم"، في حين أن الذات والعالم باتا ذلك المركب الذي لا يمكن فصله أو تجزئته.
في عالم الذات والعالم، كان الإنسان ينشغل بأن يفهم العالم من خلال ذاته هو، من خلال تلقي المعارف والأنساق المختلفة واخضاعها للتفكير العميق بمحاولة أن يفهم الإنسان أو يقترب من حقائق أو أنماط جلية ومحددة لما يتحرك في المحيط الخارجي سواء تعلق ذلك بمحسوسات أو أفكار أو قيم وغيرها. ولكن في مرحلة "ما بعد الذات والعالم"، صارت الذات نفسها غائمة وغير واضحة، بفعل الوسائط الجديدة وتأثير الميديا التي تأخذ أغلب وقت الإنسان بحيث أنه لا يجد المجال ليفكر كثيرا من أجل استنباط المعنى، وبالتالي يصير المعنى مأخوذا بشكل الهيئات التي تمت الإشارة إليها، حيث أن الهيئة محاولة لاحتواء مؤقت لمعان منفلتة من الأساس، أو هي تصوير شكلاني للمعنى يضعه في حيز اللحظة والمصلحة والمنفعة العابرة.
هذه الصورة الجديدة تجعل الإنسان مشوش الذهن وخاضع لما يشبه التنويم المغناطيسي في العالم الذي يعيش فيه، بحيث أن أثره يكاد يتخفى أو يذوب وراء الملاحقة الفارغة للهيئة في سبيل التضحية بالمعنى أو المعاني التي تجعل للحياة قيمة أو رسالة أو مغزى واضح يتيح للكائن أن يكون مؤثرا بالشكل الفاعل، وبالتالي أصبح الحديث عن المجموع بدلا عن الفرد، وصارت ثيمة كالتغيير أو التحولات الاجتماعية والسياسية وفي أنظمة الحياة بشكل عام، مترادفة مع إطار كلي جمعي قد يكون وهميا في بعض الأحيان ويصعب السيطرة عليه أو التحكم به أو تعريفه على الأقل ماذا يعني بالضبط وأين توجد حدوده وفكرته!
إن وجود الإنسان أو الذات في هذا العالم المشوش والغريب، يجعلها أسيرة التنازعات المستمرة والحركة الزائدة ما بين المعنى واللامعنى، ما بين حقيقة متوهمة وأخرى افتراضية، حيث يضيع المعنى واللامعنى معا، فالكل يسكن عالمه الذاتي ويظن أن العارف والكلي والنهائي، بعد أن نفى عنه الخارج أو العالم وبات يرى أنه هو كذات وكعالم شيء واحد، فليس ثمة مجال للتفكير من خارج الذات في حين أنه في موضوعه الكلي يفكر من الخارج، وبالتالي هو واقع تحت تأثير هذا المخدر الكوني، والمعرفة الجديدة التي تفرض نفسها كما لو أنها الحقيقي والحتمي والأبدي، وهكذا يجد الإنسان نفسه متوهما بأنه العارف والذي يمتلك الحقيقة بل والثروة والرفاهية. لكن جوهر هذا أصبح ليس محكوما بقيم الذات وطريقتها في تفسير العالم وفهمه بعد أن صارت تلك الذات خاضعة للهيئة التي يصوغها العالم الخارجي، وهي ليس إلا كينونة داخل هذه الهيئة، بمعنى منتج داخل المغلف الجميل والبهي أو القذر في أحيان أخرى.
إن المفاهيم اليوم باتت مشوشة، فثمة صراع على الهيئات في شكل معان باهتة تروج لها مرحلة ما بعد العولمة حيث يكاد العالم يعود للتشظي والانقسامات التي تتطبع بالتوحش والجنون اللحظي لأجل منافع ذات قيمة محددة في ذاتها، وشبق ليس له من إثارة تسكنه أو تسكته، وأغلفة جميلة ورائعة لعناوين فارغة ومضمون باهت.. إنها صيرورة زمن جديد لم تكتمل فصول مسرحه الواقعي والعبثي والمتماهي في ثنايا كل واحد منا بحيث ليس بمقدورنا أن ندقق بإمعان وقوة فاحصة ما هي اللحظة الفارقة التي تصنع المغزى، أين نحن بالضبط منها؟ وبإمعان وقوة فاحصة إلى أين سائرون؟
وإذا كان ثمة من يرى منذ عقود أن الأسئلة مثل من أنا؟ وماذا أريد؟ وإلى أين أمضي؟ باتت أسئلة كلاسيكية وقديمة ولا معنى لها.. فالآن هي تعود لتهيمن بقوة جدا.. تعود لتقلق الذوات التي تحاول الانعتاق من الهيئة والشكل إلى المعاني الخالدة "اليوتوبية" إن وجدت. مع ملاحظة الفارق بين الهيئة والشكل.. ومع الانتباه إلى أن رحلة الإنسان في هذا العالم قد تكون ليس إلا استغراقات معادة في الأسئلة نفسها.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1561

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة