في فنتازيات السودان
05-23-2015 05:31 PM

قال لي أحد الأصدقاء إنني أكتب في الفلسفة والفكر وكان يكلمني ويشير بشكل واضح إلى أن الحال شيء وما أكتبه شيء آخر، وكنت أفهم تماما ما يعني.
وقلت له إن ما أكتبه قد يكون ليس ضروريا في نظر البعض لأنهم ينظرون إلى المساحة التي أمامهم، إلى المشكلات اليومية ويبحثون عن الحلول السريعة ولكن هذا غير ممكن لا يمكن لحال معوج أن ينعدل بين ليلة وضحاها، فما تم تدميره ليس سهلا. لقد تغير السودان والسودانيون.
نعم تغير كل شيء تقريبا. الأخلاق والقيم والعلاقات الحميمة والناس السمحين والطيبة والإنسانية، وربما كان ذلك ليس إلا يوتوبيا لزمن قديم ليس له وجود إلا في المخيلة، لأن الإنسان أحيانا وساعة يفشل يظن أنه نجح في الماضي!!
أصبحنا مجتمعا جديدا لا تعرف أين هو بالضبط وماذا يريد وإلى أي اتجاه يسير. وإذا كان في بعض المرات تبدو مواجهة النفس قاسية ومؤلمة إلا أنها هذه الحقيقة التي يجب أن نتعاطى معها لكي ننفذ إلى الواقع بعمق ونعمل على تغييره.
بدأ صديقي يستمع لي. وهو أذكى مما أشرح له هذا الكلام. لكنه كان يمازحني كما أوضح لاحقا. وبنفسه قال لي: نعم إذا لم نعد بناء المفاهيم والقيم والأخلاقيات؛ أي نسيج هذا المجتمع الذي تشرذم فليس بالإمكان أن نصبح شيئا له قيمة في وقت قريب.
***
في حوارات لا تنتهي عبر مواقع الانترنت الماسنجر والوتس آب.. تكشف لك الرسائل المتداولة والكتابات القصيرة المجتزأة وأمزجة التعبير عن الحالة النفسية تلك الموجودة في موقع الفيسبوك عن مأساة عميقة جدا. حالة لا يمكن وصفها وصل إليها الناس. الأمر لا يتعلق بالاستياء فقط ولا الغضب ولا عدم الرضا، إنه شيء لا يوصف ولا يمكن تقديمه عبر العبارات الموجزة. إنه خليط غريب من المزاج السيء والشرود الذهني والغثيان والرغبة في فعل كل شيء لأجل اللاشيء. للدرجة التي يمكن القول فيها أنه مسرح من اللامعقول الذي فرضته الحياة الراهنة في السودان، ولو كان الحال مجرد عبث اقتصادي أو ضائقة مالية عابرة أو تسلط لكفى. ولكن عمق الأزمة يتعمّق لما لا يمكن إبداع الحكايات بشأنه إنه قصة اللاقصة ورواية اللارواية. وعبث اللاعبث. إنه اللامعقول الذي لا يفهمه العقل اللاواعي.
***
لنعد إلى الفلسفة والتفكير ومراجعة الأفكار كيف لها أن تدخل في عمق الواقع وأزمته، إن النهوض الحقيقي لأي مجتمع كان لا يمكن أن يأتي من مجرد رغبات ذاتية منبتة أو أفكار مقطوعة ليس لها من رصيف على الواقع. هذا معروف وحتمي. لكن الواقع يتغير والحياة الآن تسير بـأسرع من تصورات الذهن البشري كما لو أن العالم اليوم يتغير سريعا وهذا هو الحاصل.
هذا يعني أن ملاحقة الأفكار في حد ذاتها يصبح عملا مرهقا وغير ممكن. وبالتالي فإن جوهر أو مركز التغيير اليوم يعتمد على حلول بعيدة، بعدها الأساسي يقوم على تطوير المهارات الإنسانية في المعرفة والفكر وتدريب الذوات على التفكير السديد بما يجعل الإنسان يعرف كيف يدير حياته بطريقة أفضل. بما يخلصه من صور التراكم النفساني اليومي والشرور التي تعبر به في كل مكان تقريبا بعد أن تحول هذا البلد إلى كل شيء ممكن وغير ممكن.
وكما وصف أحد الزملاء بإختصار الحياة اليومية والفقر والجنون.. كتب: "الفقر يمسك بتلابيب شعب هذا البلد ويعربد في الطرقات ويعبث بقيم وتاريخ وأخلاق وعادات وتقاليد هذه الأمة. الفساد يضرب بقوة ذات (دفع رباعي) وينتهك خصوصية الدولة والمجتمع ويعربد في مفاصل البلد مثلما يعربد الفقر والفاقة. كل شئ في بلادنا ممكن ومتاح الجريمة والمخدرات والحرب والسحل والقتل والتفلت الأمني والأخلاقي والمجتمعي. عصابات النيقرز والمتفلتين يعربدون في شوارع الخرطوم وعمليات النصب والاحتيال تدار على عينك يا تاجر ويا حكومة ويا بوليس. كل شيء متاح في الخرطوم التي كانت زهرة المدائن .. الفساد والسرقة والنهب المسلح عبر الساطور وعبر السلاح الناري وغيره من أدوات النهب. في الخرطوم يمكن أن تُقْتَل على أيدي العصابات المتفلتة من أجل نهب الموبايل أو بعض دريهمات. الفساد يمسك بتلابيب المحليات وفاحت رائحته حتى أزكمت الأنوف حتى صُنفت بلادنا في قائمة الدول التي يرتع فيها الفساد وتتفشى فيها المحسوبية والرشوة والانفلات الأمني والأخلاقي. راعي الضأن في الخلاء الممتد على كل مساحة في بلادنا يعرف أن الفقر ضرب هذا البلد بقوة في كل مناحي الحياة مثلما يعرف أن ربع قرن من الزمان مرَّ على هذا البلد ولا يزال الفقر يرتع"..
إنه الزميل كمال علي في عموده "على فكرة" بصحيفة ألوان.. قبل أيام سطر ذلك وليس هذه الصورة إلا بعض من مشهد أكثر تعقيدا لا تصوره الكلمات ولا العبارات ولا تحتويه الروايات ولا السرديات.. قصة لا تكتمل فصولها لا بالمعايشة ولا المشاهدة ولا في الأحلام. إنها قسوة وظنون وخروج عن التاريخ تماما.
***
هذه الصور العجيبة من تردي كل شيء، ليس لها من ترتيب إلا بإعادة ترتيب الأفكار. طريقة النظر إلى العالم وإلى الذات وإعادة ترميم المرايا المشروخة، إنه الإدراك المفقود الذي دونه ليس لأحد أن يتقدم للأمام.. وهنا ثمة إشارة إلى أن مبادرة فرد تضاف لثان وثالث كما درج القول كثيرا، وبهذا يمكن أن يحدث التغيير وتتحول الحياة إلى الأفضل.
ليس هذا حلما. لقد رأينا كيف أن شباب استطاعوا أن يشغلوا البلد كلها ويحركوا الركود وهم يقودون مبادرتهم الرائعة في شارع الحوادث. وهي مجرد بذرة تتطلب الكثير من البذور التي يعمل كل منا، في مجاله ومحطته عليها. فليس لهذا البلد من مخرج سوى العمل الجمعي والجماعي. والخروج عن الانكفاء على الذات. تغيير المفاهيم والذهنيات بأن نزرع الأمل دون الخيبة والإحباط كما يفعل البعض أو يحاولون أن يزرعوا في الآخرين الحسرات المستمرة. وهذا ليس إلا نوع من التثبيط المقصود في بعض الأحيان، لأن من مصالح البعض أن يظل الناس عائشين في العجز النفسي وحالة الذهن المريض الذي لا يفكر ولا يفلسف ولا يشعر بالمرح. ثمة من وصل به الحال إلى الرغبة في تدمير كل شيء حتى ما بداخل النفوس من نشوة وسرور.
***
إن النفاذ إلى المستقبل والحياة الأفضل والتطور بشكل عام ليس مجرد أمنيات وأحلام، بل هو كلي وتكاملي يشتغل عليه الجميع كل في مجاله وحسب ما يتوفر له من الإمكانيات والأفكار وما يبرع فيه، ولهذا مخطيء من يظن أن الأفق المنشود يتكون عبر ظل واحد وحركة يتيمة ليس لها من أي إيقاع سوى التكرار. لهذا فكل له دلوه.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1458

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة