المقالات
السياسة
قصة (عن الحياة اللندنية) الحاجة إلى غرفة
قصة (عن الحياة اللندنية) الحاجة إلى غرفة
05-26-2015 04:36 PM

رأيتها تفكر مطرقة، مرتبكة، ومجهدة، حالما فرغتُ، للمرة الثانية ربما، من مسح أرجاء الكازينو بناظري، فتجددت مخاوفي القديمة، من إمكانية انسحابها المتوقع، في أية لحظة.

أخبرتني قبلها أنّها لم تتوقف عن التفكير، وقد أخذتْ تتقلب، على السرير، ونور غرفة السطح المؤجرة مطفأ، وتتأمّل أحياناً، عبر النافذة المشرعة، في سماء مخملية سوداء مرصعة بالنجوم، إلى أن استسلمتْ أخيراً إلى سلطان النوم. وكنّا جلسنا، أنا وهي، في حوالى العاشرة صباحاً، إلى منضدة قابعة أسفل شجرة كافور، مترقبين حدوثَ إشارة القدر تلك، بالهدوء نفسه الذي يسبق العاصفة. «غداً، حبيبتي، وداد، يوم اكتمالنا»، غازلتُها، أمس مساءً، وقد بدتْ لي ضحكتها، عبر الهاتف، منطلقة دافئة.

عند منتصف الظهيرة، أقبلتْ أسرة، شاقة طريقها، بمرحٍ وصخبٍ آسرين، نحو «ركن العائلات»، على الطرف الآخر البعيد، من الكازينو. «ألا تشتهي ولداً، أو بنتاً، حبيبي يوسف»، سألتني، بُعيد موافقتها، على «فعلها». فهمتُ، من النبرة الحانية لسؤالها، أنّها تحذرني، بنعومة جلد الأفعى ربما، من النكوص، بعد فعلها. أمّها مصريّة. والدها سوداني عاش، في نواحي الجبل الأصفر، من قبل أيام حكم الملك فاروق، ولم يعد يعمل، منذ أمد بعيد سبق وفاته، في سلاح الهجانة. قالت «أغلب الرجال يفرون، بعد فعلها». وذكرتْ لي مثلاً مصرياً مفاده أن الإبقاء على رجل وفياً طوال الوقت أمر أشبه باستحالة حبس الماء داخل «غربال». وكنت أنا كي أصل معها إلى «فعلها» على استعداد تامّ وقتها للتوقيع بأصابع يدي العشرة على ضمان سلام العالم وأمنه. في أثناء تلك المكالمة، وحتى لا «تخلع» هي مجدداً، قمت بتأكيد ما نحن معاً مقبلان عليه، قائلاً «الأمر، إذن، حبيبتي وداد، رهن غدٍ، كما تعلمين، حبيبتي، بمن سيحضر منهما، إلى الكازينو، أولاً؟! الرجل البدين، أم الرجل النحيل؟».

كان أعقب ظهور الأسرة، ظهورُ عاشقين غريبين. ظلا يتلفتان بجزع، كما لو أنهما يواجهان إحدى تلك المشكلات الكبرى، في الحياة، مثل مستلزماتِ عشّ الزوجية. بالنسبة لنا، حبيبتي وداد وأنا، فلم يكن حتى ذلك العشّ موجوداً هناك. وكنّا رأيناهما معاً، وهما يعبراننا، أكثر من مرة، في صمت بدا مثقلاً بالحزن، ويواصلان الطواف طويلاً حول المناضد المتناثرة في دائرة واسعة، كما لو أنهما نسيا الجلوس. أخيراً، استقرا حول منضدة ظللنا نرى الرجل البدين يجلس إليها، على مدار حضوره اليومي. لم يستبدلها لسبب ما أبداً بأخرى. وقد مكنه سخاء يده على ما بدا نفوذاً بين العاملين. ما توقعنا حدوثه، حدث. وقد أقبل نحوهما، على الفور، نادل، انحنى قليلاً، وبدأ يتحدث. كان بوسعي رؤية ابتسامته المرائية من على ذلك البُعد. وهما، لم يفعلا شيئاً حيال همسه، سوى التطلع إليه برهة، قبل أن ينتقلا مكرهين، إلى منضدة مواجهة للمدخل ذي الدرجات الحجرية. «يبدو أنهما يخططان لتفاصيل الزواج، حبيبي». كما لو أنني لم أسمعها. واصلتُ التمعن، مستغرقاً بكلياتي، في الزرقة الحريرية الناعمة لسماء الصيف النظيفة أعلى الفروع، بينما كنت منشغلاً تحت جلدي بسبب تأخره الغريب عن الحضور «كل هذا الوقت».

كنت إذن لاجئاً سياسياً، واسمي لا يزال هناك، على تلك الأوراق القابعة، في أحد أدراج مكاتب السفارة الأميركية، في انتظار تنفيذ قرار إعادة توطيني. ولما تقادم العهد، بانتظار قرار السفارة، لاعتبارات غير مفهومة، بدأتُ أوسوس في أذنها «هيا نفعلها، حبيبتي وداد». «إذا ما وصلتَ أنت إلى هناك هكذا، من دون عقد، سينتهي كل شيء، ستهجرني وسأفقدك، ولن تعود حبيبي، مرة أخرى». كان القرب اليومي يُشعل غابات الرغبة المطمورة في أعصابنا. تظلّ تشتعل عقب كل لقاء، وفي الأثناء، بعنف ولا رأفة، إلى أن تموت من تلقاء ذاتها، مفسحة المجال لغابات أخرى لم تطالها بعد سلسلة الحرائق الأكثر مدعاة للتعاطف أو الأسى. كان التفكير، في ذلك التواصل المكتمل بيني وبينها، يحتلّ مساحة، في دماغينا، بحجم مقاطعة البنجاب، في الهند. وقد كنّا، على مدى أشهر عدة، نكتفي، إذا أسعدنا الحظّ، بقبلتين، أو ثلاث. ثم بدا ألا شيء آخر، بقادر على تجاوز المأزق، سوى تحميل القدر مسؤولية ما سيحدث، على الطريق، من مخاطر. والزمن الرحيم نفسه أخذ ينمّي بدوره في تربة وداد بذرةَ أن تنهار حيطانها المنيعة، عندما قبلتْ بِرهانِ البدين والنحيل، في مستهلّ السنة السابعة من عمر العلاقة، إلا أنها تساءلت قبل أن تغير رأيها بداع سبَّبته «تحذيرات عاجلة» وصلتها أثناء النوم، قائلة «ولكن، أين نفعلها، حبيبي».

كان علي إذن أن أبحث بين رفاق المنفى، عمن يعيرني شقة ليوم، وقد بدا أن من المستحيل فعلها داخل شقتي الخاضعة لرقابة صاحب البقالة في البناية المقابلة، ولا أعلم مَن غيره من أهل الحارة؟ بعد مرور نحو الشهر، وافق أحد نشطاء حقوق الإنسان، أن يعيرني شقته، أثناء تغيبه لحضور أحد تلك المؤتمرات. «لا»، قالت وداد، بحسم قاطع، وقد استيقظتْ عفاريت العفة بغتة بداخلها. ولما عادتْ تقتنع، تحت تأثير مطارق الحاجة التي لا تقهر، اعتذر الآخرون تباعاً، معبرين عن مخاوفهم لأسباب، منها «بوليس الآداب المصري»، وقد أدركوا بحذاقتهم المكتسبة من ممارسة السياسة في الخفاء أن في الأمر امرأة. أكثرهم تفهماً قال «لا مانع أن أعيرك شقتي»، على «عظمة المخاطرة طبعاً»، شريطة أن «تُشركني في الغنيمة». جاء النادل ثانية. وضع عصير الليمون وفنجان القهوة. كنت قبلها أعزف لها على وترٍ مختلف لحن كيف يمكن القدر أن يعمل على «مساعدة عاشقين». فور انصراف النادل، بتلك الأكواب الفارغة، قالت «لنفرض، حبيبي، أن الرجل البدين حضر من قبل وصول الرجل النحيل؟».

في البدء، لاحتْ مسألة «الحضور أولاً»، كمحاولة جيدة، من جانبي، لتحميل القدر عبء المغامرة كله، فإذا وصل النحيل أولاً سنفعلها، وإذا أقبل البدين أولاً فلن، وفي الحالين، ستكون هي إرادة القدر. قلت بشيء من الضيق «لن يحضر البدين أولاً». ضحكتْ وداد، وبفم يتفجّر شهوة «أنت، حبيبي، لا تستسلم، أبداً، حتى في الخرافة».

كانت في الحادية والثلاثين. لكنتها المصرية دافئة وغريبة عن تلك الملامح والقسمات المنحدرة إليها من جهة أبيها. كنت أقترب من الأربعين، بإعانة شهرية، من مكتب الأمم المتحدة، وبلا وظيفة، سوى تغذيتها بترف الحياة مستقبلاً في أميركا. وكنت أعلم أثناء مراوغتي للقدر أن الرجل البدين دائماً ما يحضر إلى الكازينو في أعقاب ظهور الرجل النحيل. ظلّا على تلك الحال سنوات، فكيف إذن يمكن أن يختل نظام العالم في هذا اليوم بالذات ويسبق البدين النحيل في الحضور. ولم تكن وداد، في مثل براعتي، حين يتعلق الأمر بمراقبة المكان، أو هكذا كنت أتوهم. «أنت متأكد، حبيبي، أن شقة صديقك هذا، في حيّ المهندسين آمنة، غداً»، أفرحني سؤالها، وقد بدا أن تأنيب الضمير اللعين أخذ يتراجع كذلك في داخلها. ولم يتبقَّ لها الآن سوى التفكير، مثلما أُفكر، في تلك الجوانب العملية. «بالتأكيد، حبيبتي، الشقة متاحة، غداً». «ماذا سنفعل بعد أن يمر يوم غد»، سألتني. وذلك أمر لم أكن أضعه قطّ في الحسبان. لا سيما أن عذاب من تذوق غير عذاب مَن لم يتذوق بعد. ويداي تسقطان إلى جانبي الكرسي، قلت «بعدها سنكون قريباً في أميركا».

كانت أعيننا لا تزال عالقة على المدخل. العاشقان الغريبان غادرا منذ مدة. وقدم في الأثناء عشاق آخرون وانصرفوا ومنهم من بقي. عنقي أصابه تيبس. الذباب لا يزال يطوف بنشاط. الرجل البدين أصلع قصير القامة. يرتدي نظارة سوداء. كثيراً ما يلعق فمه. يجلس إلى منضدة تظللها شجرة بونسيانا. ما إن يستقر، حتى يسارع النادل، إلى خدمته. وعلى غير توقع، هبتْ دفقة هواء باعثة رائحة الأفرع السوداء الميتة والأعشاب المنبتة وتلك الأشياء الأخرى الطافحة بدورها فوق العطن وملتصقة في لزوجتها بحواف القناة المارة بمحاذاة سور الكازينو الداخلي. مما ضاعف غمي المتزايد أصلاً لتأخر حضور الرجل النحيل. وكان الرجل البدين نفسه تأخر في الحضور. كما لو أن النحس يمارس لعبته القديمة في حرق أعصابي. هذا الصباح، هالني انتشار الشيب على رأسي، بينما أقف قبالة مرآة الحمام، والغضون التي تعلو الآن حاجبي وداد لم تكن موجودة هناك، عندما بدأت علاقتنا وغرد طائر الحبّ. كان للرجل النحيل هيئة شاعر حالم بذقن دائريّة مهملة. يدلف إلى الكازينو متأبطاً كتاباً وأوراقاً وعلى جيب قميصه قلم أزرق. يجلس مستقبلاً مياه القناة، يتأمّل، يشرع في الكتابة، أحياناً يتوقف ليتابع القراءة، أو يعاود التأمّل في شجر الفايكس الممتد حليقاً حذاء سور الكازينو الخارجي، بينما لا يكاد صدره يكف احتراقاً بسجائر «بلومونت». ظلّ حتى يوم أمس يحضر إلى هنا كساعة طبيعية، فلِمَ تأخر الآن؟


عبدالحميد البرنس
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1944

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1274475 [مشفر عن عمد]
0.00/5 (0 صوت)

05-28-2015 01:36 AM
(هبت دفقة هواء باعثة رائحة الأفرع السوداء الميتة والأعشاب)
ثم...
(مما ضاعف غمي المتزايد أصلاً لتأخر حضور الرجل النحيل)

استعمل الطيب صالح، في موسم الهجرة، على لسان الراوي، عندما التقى الأخير بأرملة مصطفى سعيد "حسنة"، استعمل تعبير "حمل الهواء"، في موقف مماثل، بينما استعمل البرنس "باعثة"، و الفرق كبير. و أظن أن الهواء يحمل و لا يبعث.

بدل "مما ضاعف" كان ينبغي توظيف "ذلك ضاعف"، أو شيء مثل ذاك، إذ أن "ما" هنا تجيء بمعني الوصل، و هو لا يتفق مع الوقف المستعمل قبل "مما".

على أية حال القصة بديعة، تفجر مسألة القديم الذي لا يتسق مع الواقع.
فكما قال البرنس اللقاء اليومي، بين أي عاشقين، من الطبيعي أن يطرح مسألة التكامل بإلحاح.

عندما وصلت في قراءتي للقصة إلي بداية البرغراف الأخير، توقفت لأتخيل نهاية القصة، و لكن البرنس كعادته فاجأني بتلك النهاية غير المتوقعة، المفتوحة، الملغزة، المليئة بالانتظار و الترقب.
كنت أنا و وداد بطلة القصة نعرف، كما يعرف البرنس، أن الرجل الكاتب النحيل لن يحضر ذلك اليوم "هو لم يحضر طبعا، حتى في القصة"، و لأنه "الكاتب" فإن نهاية القصة لم تكتب حتي الآن. و ما ذلنا ننتظر الرجل النحيل ليقرأ علينا الحل.

أيضا مبدأ القرعة، لأتخاذ قرار، عند الاتفاق "موضوع التكامل" غير مبرر في تاريخ القرعات (قصة ذكريا و هو يكفل مريم). إنما عند الأختلاف، فهي موجودة و منطقية. و هو ما أشرت إليه من اختلاف بطلي القصة مع العرف الاجتماعي، أو بمعنى آخر اتفاقهما ضد تقاليد الزواج المكلفة و التي أشار لها البرنس مرات في القصة، عند ذكره العاشقين التائهين، و مائدة الرجل البدين "المجتمع المادي".

يا عزيزي، الرجل، و المرأة أيضا، أنا مثلكم، حتي هنا في أقصي الغرب الأمريكي، كنت أسأل نفسي: هل أفعلها؟
هي فلبينية، عاهدت نفسي، رغم لقاءنا يوميا، أن "لا"، إلا لو دعتني دعوة صريحة(و الغابات تزهر و تحترق و تدفن نفسها داخلنا)، و لما فعلت بأن دعتني الي بيتها، قلت " إنها ليست دعوة صريحة كفاية".
أحيانا ليست تكاليف الزواج هي المشكلة! بل "أشياء أخري".

لماذا تأخر الرجل النحيل؟

[مشفر عن عمد]

عبدالحميد البرنس
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة