المقالات
ثقافة وآداب، وفنون
عماد البليك
اعادة اكتشاف الإنسان في الفكر الحديث (4)
اعادة اكتشاف الإنسان في الفكر الحديث (4)
06-01-2015 05:28 PM


السياسة والتكنولوجيا والدين: يطرح الكاتب الفرنسي ميشيل ويلبيك فكرة مفاداها أن السياسة ليست ذات أهمية تاريخية حقيقية، إلا حينما تتسبب في كوارث كبرى على الطراز النابليوني، كما يؤمن بأن السيكولوجيا الفردية ليست ذات أثر على أي من الحركات الاجتماعية.. وواقع فكرة ويلبيك أنه كما يقول لا يؤمن كثيرا بتأثير السياسة على التاريخ، ويعتقد أن العوامل الرئيسية تكنولوجية وفي بعض الأحيان، بل أكثرها دينية.
وهذا يعني أن السياسة تتراجع في دورها إن وجد، في صياغة التاريخ الإنساني لصالح التقنية والدين، بمعنى أن الوقائع والأحداث الكبيرة التي تشكل معطى التقدم في الحياة الإنسانية، تقوم على تطور تكنولوجي أو اعتمادا على مقولة دينية. وربما لهذا السبب كان قد كتب روايته الأخيرة "الخنوع" التي صدرت بالتزامن مع أزمة "شارلي إيبدو" في 7 يناير 2015، بل أن غلاف الرواية جاء في الصفحة الأخيرة من المجلة التي أثارت الجدل برسوماتها الكاريكاتيرية. وهي رواية تحدثت عن وصول حزب إسلامي للسلطة في الجمهورية الفرنسية في عام 2022 ورئيس مسلم اسمه محمد بن عباس.
عرف ويلبيك دائما بآرائه المثيرة ومحاولته لإنتاج أعمال أدبية ذات مغزى تجريبي في موضوعاتها التي تشتغل عليها، بحيث يشد الرأي العام باتجاهها فقبل "الخنوع" كانت قد صدرت له رواية "بلات فورم" أو "المنصة" التي صورت سياحة الجنس في تايلند، لكن الرواية بتقدير مؤلفها فشلت ولم تحقق الأمل المرجو من وراءها.
على الصعيد الآخر فإن المهم في أفكار الرجل، هو فكرة أن السياسة هي تابع وليس كيان أصيل، حيث أنها تبدو فكرة مثيرة للجدل أكثر من كونها منطقية وواضحة يمكن التركيز عليها في فهم التاريخ. لكن من جانب ثان فإنها - هذه الفكرة - تشكل مصدرا للاستلهام والوعي بعدد من الأمور في علاقات أنساق العقيدة والدين والأفكار بالممارسة السياسة في المجتمع والدولة وكذلك حركة التكنولوجيا وتطورها بشكل عام.
وفي هذا الإطار يمكن الإشارة إلى رمزيات واضحة في التراث الديني، فالأنبياء أغلبهم جاؤوا بمعجزات ذات طابع تقني أو تكنولوجي، أي الاتيان بصور جديدة وغير مرئية من قبل، تُكسِّر ناموس العادة والواقع والروتين، كما في صورة عصا موسى مثلا وهذه المعجزات في غالبها تأتي بسياق التقنية لكي تقود إلى نتيجة فكرية أو يقينية مرتبطة بالإيمان والاستسلام.
ومن هذا يفهم جزئيا التداخل بين التكنولوجيا كمعجزة وسياق التدين في عالم الأنبياء، لكن هذا الشيء تلاشى أو انتهى مع المعجزة المحمدية التي كان مثارها النص أو اللغة، وهنا تراجعت قيمة التأثير التكنولوجي لصالح المجاز والكلمة التي أثبتت أنها البيان والسحر الذي يقدم فعله القوي في تغيير العالم. بل أننا سوف نكتشف أن قوة الكلمة والفكرة هي التي سوف تقود إلى التأسيس المرئي وصناعة التقنيات وتغيير دفة الحياة بشكل عام.
وهذا يعني كذلك أن التاريخ البشري ظل يعمل على مسارين باستحضار المعطى الديني. مسار يتعلق بالإيمان المشفوع بالرؤية والإعجاز المرئي، ومن ثم مسار ثان يتمثل في الإيمان القائم على المجاز واليقين باللغة وقدرتها على إعادة تشكيل العالم وفهمه واستنطاقه. وهذا التنازع أو الصراع بين المرئي ممثلا في التكنولوجيا واللامرئي ممثلا في اللغة والمجاز ما زال إلى اليوم يشكل قيمة مركزية في وعي الإنسان للوجود بشكل عام وصياغة أنساق السياسة والمجتمع والمعرفة البشرية.
ومعروف أن السياسة تستفيد أو توظف المقولات الدينية واليقينيات في محاولة لرسم طريقها وإيجاد الهيمنة والسيطرة على الشعوب والعقول، وينجح ذلك في ظل عدم الوصول إلى معرفة كافية بماهية السياسة ودورها في المجتمع إذ يحدث خلط أو عدم تمييز بين مهمة السياسي ووظيفة رجل الدين، إذ يبدوان في مجال واحد، نتاج السياق التاريخي المتراكم والمتوارث في هذا الإطار.
في مجال آخر فأن التكنولوجيا وإن كانت تهيمن على العالم وتسيطر على الذوات من خلال ما تفرضه من قيم ومفاهيم جديدة لا مجال للشك فيها، إلا أنه لا ينظر إليها بالشكل الواضح الذي يجعلها ذات قوة كالدين مثلا. رغم أنها انطلقت من خلال أفكار وخلفيات متعلقة بثورة التنوير، وهي من ناحية عملية تلعب اليوم دورا خطيرا في تغيير شكل العالم بل إعادة بناء الأفكار الإنسانية ومحورتها باتجاه حقائق غير محددة بالدرجة الكافية إلى الراهن. ولعل ملاحظة الأجيال الجديدة لاسيما الأطفال، نجد أن ثقافتهم ووعيهم بالعالم بات يتشكل من خلال منظور ومعطيات التقنية الحديثة فهي قد باتت عالمهم الواقعي الذي يعيشون فيها ويتفاعلون به مع ذواتهم في سبيل معرفتها والتماهي مع شروط الذات والآخر ومعطى الحقيقة الإنسانية بشكل عام.
لكن هل يعني ذلك أن التكنولوجيا وصلت درجة الهيمنة الكافية التي تجعلها تمثل إطارا سياسيا، هذا حاصل، فالتكنولوجيا اليوم تدخل في كل شيء تقريبا وهي تركب أنماط الحياة في البيت والشارع وفي مؤسسات العمل وفي طرق إدارة الحياة عموما، بمجمل ما حول الإنسان من متعلقات من الساعة إلى الجوال إلى التلفزيون إلى الكمبيوتر إلى ماكينة الصرف الآلي إلى غيرها من لامحددات، فهي تحولت إلى قالب سياسي يتجسد في صورة مرئية جامدة في حين أن أثره أبعد من ذلك، وهو مختزن بالأفكار التي صرح بها وما أغفل عنه.
فالتكنولوجيا إذا صدق مفاد ويلبيك، تقوم اليوم بعمل سياسي ممتاز، فهي تشكل المجتمعات وتديرها أكثر مما يقدمه سياسي تقليدي يعمل على أنماط قديمة وبالية. وهذا يشير إلى أن العالم الكلي والشامل في المناظير هو أعمق من الالتزام بالأنماط نفسها والدولايب المعتادة والمتكررة، ما يفرض الانتباه والعمل الدائب على ترقية الوعي المعرفي والمواكبة للاستفادة من الكيفية التي يتحرك بها العالم اليوم في صناعة الوجود الأفضل للإنسان.
إن السياسة كوسيلة لإيجاد المسار الأنسب للمجتمع وحفزه باتجاه اكتشاف قدراته وتوظيفها بالشكل السليم، تفقد اليوم الكثير من بريقها إذا ما وضعنا ما تمت الإشارة إليه في الاعتبار، إذ لم يعد السياسي مجرد ذلك الكائن القادر على توظيف الفكر أو التلاعب به لاستجرار الناس وممارسة الاغواء والألاعيب لقد بات الأمر أكثر تعقيدا وجاذبية في الوقت نفسه، من حيث إثارة الذات نحو البحث والسؤال والرغبة في التلقي والاستكشاف. وهذا يعني تدريب أو تمرين العقول على رؤية المساحات الجديدة التي لم تعد قائمة على الأنماط السائدة، وما لم يكن للإنسان هذا الهدف كجزء من صيرورته فسوف يقع في شراك التقليد والاتباع وبالتالي يرهن نفسه لأفكار سحيقة ومقولات معولبة فقدت صلاحية استهلاكها. فالعالم اليوم يشتغل بأنساق أكثر تشابكية تتطلب منا العمل على الاستفادة منها ومحاولة ادغامها في سؤالنا حول صيرورة شعوبنا ومستقبلها في ظل تضاعف الأسئلة المعقدة والكثيفة حول الذات والمعنى.
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1583

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1277719 [Sami]
5.00/5 (1 صوت)

06-02-2015 10:40 PM
(السياسة تتراجع في دورها إن وجد، في صياغة التاريخ الإنساني لصالح التقنية والدين).

لنتحدث عن شيئين: علمية السياسة، كفن للإدارة، و الوسائل التي تستعملها السياسة لتطبيق تلك العلمية على الواقع. أي الوسائل التي تستخدمها إدارة معينة للوصول للمتلقي، و إقناعه بفكرة ما.

فالإعلام هو الوسيلة العصرية، للسياسي و أشكاله المختلفة، كوسيط للوصول للمتلقي (الشعوب). فالوسيط إذن هو التكنولوجيا، من إنترنت و شاشات مقروءة و مرئية و مسموعة.

التكنولوجيا إذن وسيلة السياسي، و الدين بوصفه تاريخيا أكثر تأثيرا في العقول و القلوب مجال جذب من الصعب مقاومته بمكان، لادعائه الحقيقة المطلقة من ناحية الخطاب.

إذن التكنولوجيا و الدين وسائل السياسة، للتحكم في الشعوب و بالتالي حكمها، بفكرة أنها تمتلك الحقيقة، و تستطيع أن تقنع من تشاء بذلك، بأساليب واقعية، و حتى مصنوعة، عن طريق الصورة، و برامج الكمبيوتر.

الشيء الثاني: من هو السياسي في عالم اليوم.
ليست الدول، بل هي امبراطوريات و شركات عالمية و تحالفات و منظمات.
شركات الماك وورلد و تحالفات عصبية، تشتري كل شيء بالمال، تشتري السياسيين و العلماء و التكنولوجيا و البترول و الذهب، و حتى البنوك.

التكنولوجيا تستخدم المعلومة، للتحكم في المتلقي، و تغير فكره.
فالصراع هنا ثقافي (ما يسمي بالغزو الثقافي)، و تفاصيله في كتاب صدام الحضارات، الذي يتحدث عن أن المنتج صار عالمي يصل إلى ثقافات متعددة، لا تستطيع رفضه. أي أن الحضارة واحدة( المنتج) من تلفون و تلفزيون و أدوية و بزور، و لكن الثقافات مختلفة، مما يجعل الثقافات المستهلكة للمنتج القادم من الشركات العالمية، تستخدم منتجات مرفوضة في تقاليدها الثقافية، و لكنها مضطرة لاستعمالها رغما عنها.

الثقافات الضعيفة تلك سرعان ما ترفض المنتجات التي لا تتلاءم مع تقاليدها(ثقافتها). مما يخرجها من التاريخ، أو تقبل تلك المنتجات فيحدث لها تبعية و إبدال ثقافي. ثم تنشب إثر ذلك معارك داخلية في تلك الثقافات الضعيفة، هي معارك تلبس و تفجر المشاكل الداخلية النائمة (الفتنة) في تلك الثقافات، قبلية كانت أو عنصرية أو دينية (عناصر الثقافة الجوهرية)، بالإضافة لعنصر اللغة.

و هو صراع بين القديم (التقليدي)، و الوافد ( الحديث)، يحتاج المزيد من الوقت، و "بعض الحروب" و الخسائر المادية.

فالسياسة إذن لم تتراجع، و لكن بسبب عالمية الشركات الإمبريالية الرأسمالية المستغلة للشعوب، و التكنولوجيا، تغير مفهوم السياسي، فسقطت الجدران بين الأوطان و صار كل الناس جيران. الفي عمان أصبح جار الفي أم ضوا بان.

[Sami]

عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة