التراب.. المفتاح والأمل
06-02-2015 06:59 PM

أي شيء يحكم علاقة الإنسان بالمكان، هل هي مجرد الذاكرة المشوبة بالحنين، وهل ينزرع الإنسان في الأرض والتراب بكيمياء محددة تشده إليها، هل ثمة علاقة بين الأرض والإنسان خارج فضاءات المعقول. تلك الأشياء الملموسة والمحسوسات التي نعرفها نحن البشر ونصر عليها على أنها تمثل معنى العالم وحقيقته التي نبحث عنها.
الإنسان في سياقه الفردي لا يمكن أن يتحرر من المكان بالشكل المطلق، ربما توجد حالات استثنائية، تعكس ذلك. لكن يمكن للإنسان في سياق المجموع أن يوجد هذا التحرر ويخرج تماما من اللحظة التي تسمى أرضا أو وطنا، يمكن له أن يخرج ليبتكر هذا الوطن في أي مكان آخر، وبهذا المعنى يتحقق له الانفلات من جاذبية الأرض أو التراب. لكن التراب تظل لها سحرها الخفي. ولعل في تجربة بعض الشعوب التائهة التي وجدت مستقرها في مواقع أخرى من الأرض ما يكشف بعض من هذه الظنون وهي قضية لها مراجعات لانهائية.
يكتب علي الملك في "مدينة من تراب":
يا زائراً مدينتي .. يا أيها الغريب
الطارق باب مدينتي
لا قرى عندي أهديه ولا ماء
فماء الخيران آسن
والبهائم قد أهلكها الضجر في قطعان الرعاة
أقدم لك مفتاح مدينتي .. ليس من الذهب المفتاح
وليس فضة مفتاحها، مدينتي
مفتاح مدينتي من طين
خلاصة الخلاصة من طمي النيل ورمل الصحراء
فخذه.. خبئه بقلبك وأدفنه.. ثم عد إلينا ثانية
وأدر المفتاح في أبواب المدينة العريضة مثل الأمل
وعندها سيتحطم المفتاح، ويتفتت.. ذرات
ثم عد إلينا.. نعطيك مفتاحا آخر
تعالج هذه الصور الشاعرية واحدة من ثيمات حضور التراب والمدينة والبحث عن الخلاص الإنساني في سياق رمزي، لكنه واضح وجلي فالمرموز له بالمفتاح أو الأمل هو تلك الطاقة التي تحفز على الانعتاق من الابتعاد ومن خوف التشريد الذي يمكن أن يصيب الذات الجديدة التي تحس غرابة سواء كان ذلك حقيقة أم تلهيا، لتمضي بعيدا عن مقامها ومستقرها. وحتى لو أن المفتاح ضاع ثم ضاع فثمة مفاتيح أخرى لا عد لها كما يكشف النص.
والمرموز الثاني هو القلب الذي يشكل الموقع أو المكان الذي يحمل المفتاح ليكون دلالة الأشواق وربما الحنين يظل الإنسان يحمله للمكان وللتراب. ليكون السؤال إذ كيف يختبئ مفتاح من طين في قلب. لكن أليس في الرمزية الميثولوجية أن الإنسان هو طين أيضا؟
وإذا كان سياق النص عموميا يرتبط بذلك الغريب القادم من مجهول ما محدد بغرابته أو مبتكرة له، لم يحدد لنا المؤلف، فإن فكرة الغريب لها من الدلالات منقطعة النظير في سياق الثقافة السودانية والأدب، حيث دائما كان الغريب ومنذ زمن ود ضيف الله وطبقاته إلى ضوالبيت عند الطيب صالح هو ذلك الذي يقوم على الاستكشاف وبناء المجتمع الجديد. وهي من النقاط التي تتطلب مزيدا من البحث والاستنطاق في تلافيف ميراثنا الثقافي والاجتماعي، فأي سر يحمله الغريب ليكون له هذا الموقع؟ وهل هذا المكان - هو - مجبول على صيغة الغرباء منذ الأزل؟ ولاشك أن ثمة ظروف ومواقعات تاريخية تتطلب تبصرا وتحليلا عميقا للوصول إلى النتائج التي يمكن أن تصبح مُقنعة.
لكن هذه الأرض التي تستقبل الغرباء وتحتفي بهم بل تقدم لهم المفتاح الطيني ليس عندها من تبجيل أكبر من ذلك في حدود الثقة بالقدرات والاستقبال للآخر، إنها لا تمنح مفاتيح من ذهب ولا فضة، إنها تترك للإنسان أن يحمل المفتاح الطيني ويديره في القلب ليكسب محبة الناس، فجوهر هذه الثقافة كما يشير علي المك كأنما يقوم على فعل المحبة الذي بدأ يتناثر ويتهاوى مع ظرفيات وتعقيدات الحياة الجديدة.
فالمحبة هي التي تشكل "القناع" أو الوسيلة أو السياق الذي يؤدي إلى التحرر لهذا الغريب، سواء كانت المحبة التي منحها له الناس أو تلك التي سوف يقوم هو بمنحها لهم بعد أن ملكّوه المفتاح الذي يشكل قيمة دلالية عالية وترميزية في الاهتمام، ولنا أن نراجع ذلك في التراث الإنساني بشكل عام، حيث مفاتيح المدن العتيقة في الأساطير لا تأتي هباء بل تتطلب المشقة والانكسارات. لكن مدينة من تراب في سوداننا كم هي سهلة ولينة وكريمة.
ثم تأتي المحاولات ليصنع الإنسان مفتاحه الذهبي بعد أن يكون قد جرّب المرة الأولى والثانية أي حاول فنال، أي صنع أمله وخلاصه في هذا العالم وأصبح له مستقره في هذه الأرض، ففي "بندرشاه" يقوم ضوالبيت الغريب ببناء مجده في القرية، ذلك الكائن الذي جاء من البحر بلا صورة ولا لغة ولا خاصية معينة لها صلة بالأرض، لكنه في النهاية يصبح المفتاح، ويكون قائد المكان وسره ولازمته الكبرى. وطوال تاريخ عميق ظلت أرض السودان تحتفي بالغرباء وتحتضهم، لتكون هي الوطن البديل الذي يعيشون فيه بأمن وسلام.
ولعل ثيمة العطاء المتجدد أيضا تتضح في النص، فحتى فشل المرة الأولى في إدارة المفتاح لن يمنع من العطاء الثاني والمتجدد. إنه سحر التراب والطين،
"وعندها سيتحطم المفتاح، ويتفتت.. ذرات
ثم عد إلينا.. نعطيك مفتاحا آخر"
حيث لا ينقطع الأمل ولا الرجاء ولا الدعاء، وحيث الذات تستمر في التماهي مع المكان وترابه ولا تفقد الصلة به وحيث لا تقول لا كفى ليست هذه الأرض بالمناسبة معي.
لعل مراجعة التراث الأدبي والفني والإبداعي لأي شعب من الشعوب يكشف عن المكتنزات والمثيرات والمحفزات التي تصنع الآمال وتحرر الإنسان من أثقال اللحظة وقسوتها، ولهذا فإن أدبنا السوداني رغم ضيق حاله كما يراه البعض، فيه من الغنى والثراء الذي يمكن أن يصنع المستقبل إذا ما عملنا عليه واشتغلنا بقراءة جديدة تلهم الكائن وتجعله يعيش في سياق المفتاح الطيني والأمل الذي يتكرر، حلم العودة الذي لا ينتهي. وهي عودة إلى الوعي وإلى المعنى وإلى الكينونة الإنسانية التي تسكن الذات، هي سحر ذلك النهر وهذه الأرض وهذا التراب.
وإذا كانت النصوص الأدبية والفنون بشكل عام كما ترى بعض النظريات الأدبية والحديث منها تفسر الماوراء في الثقافة وتستبطن الأزمات والحلول في لاوعيها بعض أن يخضع النص واللوحة للقراءة الثانية والثالثة، فإن توليد تيار من الوعي الأدبي والتنويري الجديد الذي يعيد ابتكار الذات من خلال مناظير ثقافية فكرية يصبح ضرورة. ولهذا كم نحن في حاجة لإعادة الكثير من الاسماء والكتب والنصوص والذكريات التي لم نتحرر منها إلا بسوى الشغف بعالم جديد نظن أنه قائم خارج سياق الأمس، إن الإنسان هو ابن اليوم وابن الأمس وابن الأزمنة المستقبلية، وهو الحيوية التي تحمل مفتاحها باستمرار، لا تعرف اليأس لكي تفتح المدينة وتغسل الظلال الباهتة وترسم بدلا عنها عالما جديدا وأثيرا ورائعا.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1307

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة