المقالات
السياسة
حالة انهزام ذاتي
حالة انهزام ذاتي
06-05-2015 01:19 PM


الانسان هو المخلوق الذي أنعم الله سبحانه وتعالى عليه بملكة التفكير، ومن هذه الملكة جاءت ما تعرف بمبادرة شارع الحوادث المعروفة. وقد بدأت هذه المبادرة،كما هو معروف، على صفحات الفيسبوك ثم تحولت إلى عمل إنساني كبير ولد " من رحم الشارع العام" كما وصفته قناة سكاي نيوز عربية، وهي القناة خصصت دقائق طويلة من ارسالها لشباب شارع الحوادث. بدأت المبادرة على الأرض بمساعدة الأطفال المرضى بالسرطان أثناء تلقيهم العلاج، بتقديم المساندة المعنوية لهم والترفيه عنهم ليتجاوزوا مرحلة الألم النفسي والجسدي الذي يخلفه فيهم العلاج، ثم تطورت لمد يد العون المالي لكافة المرضى الفقراء العاجزين عن سداد فواتير العلاج والأدوية. صفة الذكاء الاجتماعي التي تصاحب هؤلاء الشباب منعتهم من استلام أي مبالغ مالية من المتبرعين واكتفوا في معظم الأحيان بالقيام بدور الوسيط أو صلة الوصل بين المتبرع والمريض المحتاج، وسدوا بذلك بابا من أوسع أبواب الشر الذي اجتاح مجتمعنا في جميع تراتبياته.
قناة سكاي نيوز عربية وصحيفة الشرق الأوسط احتفيتا بالمبادرة وبالقائمين عليها بوصفها انجازا حضاريا يحمل علامة صنع في السودان.. جميع مكونات هذه الصناعة سودانية بحتة لا توجد في غير السودان، وتمثل حدثا فريدا استرعى انتباه الإعلام خارج السودان. كان اختيار امرأة من عامة الناس لافتتاح تلك المنشأة العلاجية حدثا متميزا هو الآخر ونموذجا قدمه شباب مبادرة شارع الحوادث للعالم.
ولكن لأن زامر الحي لا يطرب، في كثير من الأحيان، فقد رأى بعضهم،وهو من حقهم،أن قيام امرأة عادية من عامة الناس بمسك المقص بيدها وقص شريط افتتاح المنشأة العلاجية التي قامت حصريا بجهود شباب شارع الحوادث،أمر لا يغتفر ويخرج عن السياق، فمثل هذه المقصات لا تمسك بها إلا أيدي علية القوم من كبار المسؤولين الحكوميين والسياسيين. ليس ذلك فحسب، بل يرى هؤلاء أن وجود تلك السيدة في ذلك المكان وفي تلك اللحظة يخل بالتسلسل الهرمي أو التراتب الوظيفي، مع أن هذا التصنيف لا ينطبق على شباب الحوادث ولا على تلك السيدة التي جاءت من عامة الناس، فليس من بين هؤلاء الشباب من هو موظف في وزارة الصحة، وليست وزارة الصحة ولا أي جهة حكومية أخرى هي التي أنفقت على المنشأة العلاجية. هي حالة لا ارادية من الانهزام الذاتي،الذي هو أسوأ أنواع الإنهزام، وغياب الاحساس بقيمة الذات، ومن ثم بقيمة الآخرين،أيا كان الدافع. التراتب في غير مكانه يغيب الاحساس بجمالية اللحظة والفكرة التي أمسك بخاصرتها الآخرون من خارج الحدود ،ويغيب الإحساس كذلك بروعة حدث افتتاح غرفة العناية المكثفة،ولربما كان مرد ذلك غياب التوازن النفسي،والانهزام الذاتي الذي استوطن بلا وعي في بعض النفوس، وهو أمر يستوجب الرفض والمقاومة. و"الفرح مقاومة، والفن مقاومة، والتمسك بالحلم هو الفرض الأعظم"،كما تقول الكاتبة مافي ماهر. ومبادرة شباب الحوادث إثراء مجتمعي، وحلم جماعي مجاني مشروع، وفرض أعظم، غير قابل للبيع ولا التغييب.
(عبدالله علقم)
Khamma46@yahoo.com


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1849

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عبدالله علقم
عبدالله علقم

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة