المقالات
ثقافة وآداب، وفنون
عماد البليك
حول حقيقة الرواية التاريخية!
حول حقيقة الرواية التاريخية!
06-06-2015 01:53 PM

ليس صحيحا أن اللجوء إلى الرواية التاريخية يعني انغماسا في الماضي وتناسيا لقضايا اليوم هروبا من أزمات الواقع المعايش، ربما يبدو ذلك من نظرة أولية.
لكن في إطار ثان، فإن أي رواية هي عمل تاريخي في المقام الأول، لأن ما يحدث الآن يصبح بعد وقت وجيز في مقولة التاريخ، حتى لو أن ذلك بات أمرا نسبيا.
لكن يمكن هنا استنطاق الرواية التاريخية بالمعنى الحرفي والمباشر لها، أي تلك التي تعالج أحداثا غابرة قد يكون مضى عليها أربعون إلى خمسين سنة على الأقل، فهل يعد ذلك فعليا تناسيا لليوم وقلقه وعذاباته؟
وهل يعني أن الروائي العربي وهو يجرب هذا الشكل الروائي يكون قد وضع نفسه خارج "المسؤولية الأخلاقية"؟
وذلك بالطبع يفترض أن من وظائف الرواية أن تراقب الواقع وتكتبه وتسجل المعاناة الإنسانية وتقوم على عرض ألم الحاضر وجراحه.
لا أتفق كثيرا مع مقولة إن الأدب هو راصد للتحولات أو رقيب على السياقات الاجتماعية والسياسية، بقدر ما يكون دوره أعمق من ذلك في إعطاء المناظير الكلية للحياة من خلال الغوص في ثنايا الواقع، بل إبداله بالواقع اللامرئي والجديد الذي يكون على النص توليده، بأن يتحرر الإنسان من الأزمة المعاشة إلى ما ورائها من صور المستقبل من خلال النص.
وهذا لا يعني أن الرواية المعاصرة ستكون وثيقة لتقديم "روشتة" حلول، بقدر ما هي تفتح إضاءات للذهن الإنساني ليكون ملمّاً بالألم، وقادرا على تبصر الكيفية المناسبة لإمكانية رؤية الحياة بشكل أفضل.
وإذا كان ثمة سؤال حول أن بعض الروايات لا تلامس مباشرة القلق الواقعي في البلدان العربية الذي تفرزه تعقيدات اليوم من حروب وتشريد ومعاناة الشعوب والموت المجاني والدماء والقلق الشديد، بحاجة اليوم، قبل أن يكون سؤال المستقبل الذي يظل مؤجلا.
فإن ذلك بتقديري ليس هروبا من مواجهة قوة الراهن وأزمته، بل يعني عدم القدرة على النهوض من ردة فعل الأزمة ومن تعقيدات المعاش، فأحيانا يصعب أن تكتب من داخل ما يحدث، ويحتاج الأمر إلى بعض الوقت أو الزمن حتى تتجلى الحقائق وتتكشف الخيوط لكي نقرر ببساطة أين موضع الذات من كل ذلك، وإلا كانت الحالة شاعرية بحتة تتباعد عن السرد الذي هو سمة الإبداع الروائي. فالقصيدة أصلح لوصف المعاش من القبض على الزمن عبر السردية.
وفي تقديري أن الكتابة في التاريخ لن تتغافل بشكل أو بآخر عن المعاصر والراهن، من صور العذابات، لأن الإنسان أو ذات الكاتب تعيش في اللحظة الآنية ومهما حاولت أن تكون بعيدة لتتقمص واقعا آخر مكانه الأمس، فهي غارقة بحد لا يمكن انتشاله في صميم مشكلة وقضية اليوم.
وبهذا فإن أي رواية تاريخية، وهذا قد يكون حكما عاما ينصف كثيرا من الأعمال، هي سؤال حديث وواقعي، متعلق بما يحدث الآن وما يدور في حدود الراهن وتعقيداته من أسئلة وظنون ورغبة في التحرر الذاتي والكلي.
إن أسلوب الترميز في الأدب كما فعل نجيب محفوظ في "أولاد حارتنا" وهو يشير إلى سؤال الإنسان في العالم وحراكه الوجودي ما بين عالمي الروح والعلم، يتجه اليوم في بعض الأعمال الإبداعية إلى الترميز عبر التاريخ، فثمة أعمال أخذت من صور الأمس وهي تتقصد اليوم، كما في رواية (1919) للكاتب المصري أحمد مراد، يكون السؤال هل يكتب عن ذلك التاريخ القديم أم عن اليوم والحاضر؟! إذ ليس بإمكاننا أن نفصل الأسئلة بشكل دقيق ما بين لحظة الكتابة وما يحيط بها وذلك الأمس في تاريخ مصر المتمثل في ثورة 1919.
كذلك فإن عملا مثل "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" للسوري خالد خليفة، فهو وإن كان يشتغل على فترة مبكرة من سورية الحديثة، إلا أنه بطريقة ما يحاول أن يفهم ما يحدث في سورية اليوم من خلال ما جرى وقتذاك، أي مركب العنف والدم، ما هي الجذور التي كانت تستبطن الأزمة المشتعلة منذ سنوات.
وفي إشارة أخرى فإن رواية "شوق الدرويش" للسوداني حمور زيادة فهي وإن كانت تشتغل على الثورة المهدية التي حدثت قبل أكثر من مئة سنة، فإن المسائل التي تثيرها الرواية تلقي بظلالها في صميم ما يثار اليوم حول التطرف الديني وقضايا التشدد وانعكاس ذلك في صور العنف والتشرذم الإنساني.
وبالنسبة لي ككاتب، فإن التصنيف الروائي أحيانا والفصل بين الحقول الزمنية لا يعد أمرا ذا بال في حدود قيمة العمل الإبداعية، ولا أعتقد أن كاتبا معاصرا موجود في عام 2015 يمكن أن يكتب بأي حال في حدود الأمس الغارق في قضاياه، إن قضية الأمس أساسا لا يمكن التماهي معها ولا إدراجها في حيز رواية تكتب اليوم إلا وفق ما يعيشه المرء/ الكاتب الآن وما يتحرك في واقعه الآني.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1607

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة