السياسة الغبشاء
06-09-2015 03:14 PM


تصنع السياسة الرجل وتقوده من موقع إلى آخر بغض النظر إلى مؤهلاته الحقيقية وقدراته، ذلك لأنها لعبة السلم والثعبان والقفز السريع دونما حساب للمصلحة العامة خاصة في بلداننا العالمثالثية التي تعيش في ما قبل النسيج الحي للوعي الجمعي القادر على الفرز بين الحقيقة والوهم. فأغلب تفاصيل وجودنا وهمية تتجلى في صور وأشكال ومجسمات ليس لها من وجود خارج ملامح ما تغبش به العيون أمامنا، حتى البشر الذين نعتقد بوجودهم أحيانا سرعان ما نكتشف لو أننا دققنا الرؤية انهم كائنات خاطئة لم توجد في الحيز المتوهم الذي منحناه إياها.
ينشأ الطفل منذ صغره ويُدرب على عبادة الأوهام، على أوثان يصنعها المجتمع ويؤمن بها على أنها خلاصهُ وسياقه المعرفي والجوهري في الحياة، ثم ما أن يتوقف أحدهم ذات مرة صادقة مع نفسه ليكتشف أن جملة سياق وطن بحاله ما هو إلا تلك الصورة الكبيرة المتوهمة. لأن الحقيقة هي التقدم وهي الثقة بالذات وهي الرفعة وهي الحركة باتجاه المستقبل وهي النهضة، وما سوى ذلك ليس إلا وجود مفتعل لإنسان غير صالح إلا في ترتيب شؤون عيشه وقد يفشل في ذلك في حين تنجح الطيور والحيوانات في الغابات.
يصبح الحديث عن المأساة مأساة في حد ذاته، صورة لا يمكن احتواءها ولا السيطرة عليها سواء باللغة أو المجازات أو بالمباشرة، لأن ثمة خلل مدمر حدث في الحياة السودانية، وأوجاع مثقلة لا شفاء منها. حتى أن بصيص الأمل الذي يمكن أن يطل من هنا وهناك يصبح شبحا في الظلام بعد فينة من الزمن، لأن الناس عشقت أو أدمنت عبادة الأشباح وصارت تخاف ظلالها الباهتة في الليالي التي تفتقد الأقمار. لتصبح قصة الوطن فانتازيا مرعبة وجنون مربك ورواية لا يمكن كتابتها أبدا، ليس لها من بداية ولا نهاية ولا حبكة واضحة، فمن يكتب كل هذه الهموم والأوهام ومن يسطر وقائع ليس لها من تجلٍ إلا في حدود الارتهان للاموضوعي واللاقيمة، فأي قيمة تأتي من وراء اكتناز اللامعنى والقلق الوجودي الذي لم يؤسس كذلك على أي قيمة فاعلة ترفد وجود الكائن وتجعله حقيقيا في حيز الزمان والمكان، ليكون له أن يفهم من يكون بالضبط وإلى أين يسير؟
مدهش إذن أن يقف المرء ليشاهد لوحة سيريالية هائلة يشارك الملايين في رسمها تصور لنا كيف لأمة أن تنهزم ولأناس أن ينزاحوا من وعي العالم لكي يستبدل ذلك بالانهيار الشامل في كل وجه من وجوه الحياة، ثم لا يبقى سوى التلبس بالأسى والأحزان التي ليس من وراءها سوى المزيد من الآهات والدموع التي تكون قد جفت أيضا، فمن يرسم لأطفال في هذه اللوحة وداعتهم المفقودة ومن يجعل للغد المأمول زهورا وورودا تفوح في الصباحات الباكرة ليكون للأفق أن يضيء بالزهو والجمال والعطر الأثيري الرائع الذي يكوّن صورة للإنسان الجديد.
تعجز المفاهيم والتركيبات والحكمة أن تعدل الحال، لأن الاستعداد الذهني والنفس المشرئبة قد تعطلت ولأن ثمة خلل في سياق الذهن لابد من العمل عليه، ولكن من يكون مشغولا بذلك فالكل يعالج لهيبه ويداري وجعه ولكن بأدوية فاسدة، فمن أين سوف يأتي الحلال من بين هضاب الحرام وثروة النزق التي باتت همّ الكائنات، بها تتجمل وتتذوق وهي لا ترهن نفسها لسوى الفراغ الغارق في الظلمة والتيه، لأن الذي يكبر جناحه ليطير سوف يقع حتما ما لم يكن قادرا على أن يدرك مغزى الطيران بحكمة عميقة مكتسبة من هذا الكون ومن الله، أن يعرف كيف يتصالح مع الطبيعة ومع الإنسانية لا أن يصبح جزءا من فصول الجريمة التي ترتكب كل يوم وكل ساعة.
أنت مجرم لأنك صمتُّ على الجريمة وأنت تشاهد المأساة وتقول لنفسك ليس لي من داعٍ، وأنت ذلك القاضي الذي يحكم بالجور لأنك وضعت يدك في يد الجلاد وهتفت باسم الكذابين وأنت خارج الزمن وفكرة الإنسان الحر والإنسانية لأنك ببساطة لا تدرب ذاتك على المعنى، ليست الحياة حكاية سباق دون معنى، وليست انتصارا على الزمن في سبيل حفنة دراهم، إنما تصنع معناها وترسم وجودها من وراء الأنسنة ومن كونك إنسان حقيقي ورائع قادر على العطاء ومنح الأمل والجمال لهذا الكون، فالطاقة التي تستطيع بها أن تدمر وتسحق وتميت هي نفسها التي يمكن بها أن تصنع أمة وجمالا وبهاء وتبني جسورا لأجيال مقبلة تنتظر الأمل والرجاء الحسن.
ولكن عندما تصنع السياسة البائسة الرجال وتقودهم مع حفنة نساء إلى هرم ليس لهم وإلى ما هم غير آهلين له، فإن العقدة لا تنحل، والسردية تصبح مربكة، ويصير السؤال حول المستقبل أكثر غيبا واشتباكا مع الأزمات التي لا يمكن حصرها في مجمل صورة الحاضر الذي تعقد بشكل يدمي القلوب ويرهق العقول.
إن الإنسان ساعة يفتقد طاقة الحلم والانتباه ويتبدل حسه مع الزمن ويكون على علاقة جافة وغير مثمرة مع الذات لأنه نزع الإنسان بداخله، يتحول في الخلاصة إلى كائن تائه يدمر نفسه والآخرين. حتى لو أنه ظن بنفسه الحسنى، ولهذا فالتحرر الذاتي ينطلق من اليقين الكافي بالذات الذي يقوم على الصدق، الذي لا ينبع من الأوهام، بل من موضعة الذات بشكل حقيقي في هذا العالم وداخل سياق الأزمة، هل أنا قادر على الرؤية وتقديم الحل أم أنني سياسي فحسب؟!. وقد صارت السياسة في بلادي مهنة لا مهنة له، دون توصيف لمعناها ولا مغزاها ولا ممارسة لها تقود إلى خير العباد، بل يمكن إعادة تعريفها على أنها باتت مصلحة ذات مؤقتة تقوم على استنطاق غرائب الذات وجنونها باتجاه الآخرين وتحويلهم لخدمتها، بحيث يصبح السياسي هو المركز الذي تتمحور حوله الأزمات بدلا من أن يكون مساعدا في الحل أو أداة لإدارة دفة المجتمع الجديد المأمول من وراء الأفق المجهول.
وليس لمرثيات الشعراء ولا الفنانين ولا الرسامين أن تحل الأزمة، طالما أن طاقة الشعر قد توقفت.. أي البعد الثاني في الإنسان الذي يقول بأن لديه حس وجمال وفن وله رغبة في البقاء ككائن متعدد الأبعاد والهويات والمعاني. ولكن المعنى الوارد وراء ذلك والكائن حاليا هو الجمود والانشغال بالذات في حيز التشييء بأن يصبح الكل جملة من الأشياء والموجودات التي يمكن حصرها كميا لا نوعيا، بل أنها تتناسخ بشكل مخيف جدا ومعوج، لتقرر تاريخ بلد بأكمله. وقتها سوف يقول التاريخ كلمته ويهرب إلى منحدر بعيد عسى أن يهب نفسه كبش فداء لإنسان يستحق.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1613

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة