المقالات
السياسة
الشرطة ... وجبل الجليد
الشرطة ... وجبل الجليد
06-09-2015 12:23 PM

(1)

عندما ارتدى الملازم أول (عوض زايد) بذته العسكرية صباح يوم الثلاثاء وودَّع زوجته وأبناءه وهو في طريقه إلى مقر عمله بقسم (ود أبو صالح)، لم يكن يعلم أن تلك هي المرة الأخيرة التي يشاهد فيها أبناءه وأن ذلك هو الوداع الأخير.

طفلته الصغيرة تعلَّقت في عنقه بعد أن تحسَّست تلك النجيمات على كتفه بلهوٍ بريء، أما ابنه الصغير فقد داعب أباه كالعادة بعد أن اعتمر قبعتة وهو يرفع يديه بالتحية العسكرية.

خرج الملازم عوض إلى مقر عمله لأداء رسالته التي ظل يؤديها طيلة فترة التحاقه بالشرطة، وهي فترة تتجاوز الثلاثة عقود تنقَّل فيها بين عدد من الأقسام وصادَق أهالي منطقة ود حسونة وتواصل معهم في أفراحهم وأتراحهم حتى شَهِدَ له أهالي المنطقة بحُسن الخلق وطيبة المعشر فزوَّجوه ابنتهم.

وصل الملازم عوض إلى قسم الشرطة وفي المساء تلقَّى بلاغاً يُفيد أن مواطناً مخموراً قد اعتدى على جاره وعلى سور منزل ذلك الجار وحاول هدمَه، فأرسل عوض ثلاثة من رجال الشرطة إلى مكان الحدث، وحين وصل رجال الشرطة إلى حيث المتهم المخمور وجدوه يحطم في منزل جاره، فحاولوا إلقاء القبض عليه فعَمَد المتهم وبعض أهله الي انتزاع السلاح من رجال الشرطة، فما كان من رجال الشرطة إلا أن دافعوا عن سلاحهم بإطلاق أحدهم رصاصةً أصابت المتهم في قدمه.

عقب ذلك انسحب رجال الشرطة من الموقع بعد أن هاتفوا الملازم عوض وأخبروه بما حَدَث.

هنا أسرع الملازم عوض إلى سيارته متوجهاً صوب مكان المتهم لإسعافه إلى المستشفى، وفي الطريق هاجمه بعض أهالي المتهم وأوسعوه ضرباً بالعصي واستولوا على سلاحه وأطلقوا الرصاص عليه.. مما أدى إلى استشهاده في الحال .

إن حادثة الاعتداء على الملازم عوض الذي نسأل الله له الرحمة والمغفرة ولأهله الصبر الجميل ليست الأولى ولن تكون الأخيرة؛ فقد سبقته قبل ذلك عدة اعتداءات على عدد من رجال الشرطة انتهت بوفاتهم جميعاً، وليس آخر تلك الاعتداءات الاعتداء على العقيد محمد عبد العزيز مدير قسم الفتيحاب، والذي توفي تحت الضرب من قبل المواطنين، والمقدم عماد سعد الحسن بقسم المهندسين .

إن كثرة الاعتداء على رجال الشرطة ينبغي أن يخضع لدراسة نفسية عميقة تستصحب الاحصائيات وتحليل البيانات والفهم الراسخ لدى الشعب السوداني بأن الشرطة هي الوجه الآخر للنظام، وأنها يد السلطة التي تبطش بها أعداءها والمناهضين لها، كما يجب أن تستصحب تلك الدراسة الثقافة البربرية لبعض المواطنين، والتي تعتبر ممارسة الشرطة لصلاحياتها وإلقاء القبض على المتهمين هو انتهاك لعزة الأهل والقبيلة؛ وأن إلقاء القبض على أحدهم، حتى وإن كان مذنباً، ينبغي أن يُقَابل بالعنف والقصاص والاعتداء على الشرطة وأخذ ثأرهم منها بأيديهم .

كما أن الشرطة تحتاج إيضا إلى مجهود كبير لتغيير المفهوم السالب الذي ارتبط بحماية النظام الحاكم، وفي حاجة ماسة أكثر إلى تأهيل أفرادها لحماية أنفسهم برفع مستوى التدريبات التي تستصحب حماية الشرطي لنفسه دون (استفزاز) المواطن.

إن لم يحدث هذا فلن تجد المؤسسة الشرطية من يلتحق بها في ظل ارتفاع نسبة الاعتداء على أفرادها وانخفاض أجورهم وتضخم (جبل الجليد) بينهم والمواطن.

(2)

حدثني اللواء حقوقي هاشم علي عبد الرحيم مدير الإدارة العامة لإعلام الشرطة عن غضبة الأخوة المتقاعدين من الشرطة علي بسبب مقالي الأخير (تزييف الشرطة) والذي ذكرت فيه أن بعض المحتالين الذين يمارسون الاحتيال والنصب والابتزاز تجاه المواطنين هم من مفصولي الشرطة أو المتقاعدين .

حسناً، إننا يجب أن نُسَلِّم دائماً بأبجدية معرفية قديمة منذ نشأة الخليقة تقول أن كل مجتمع أو فئة بها الصالح والطالح، والشرطة واحدة من هذه الفئات؛ بها رجال شرفاء أتقياء أنقياء يحفظون الله ورسوله في قلوبهم كما يحفظون الوطن والمواطن، ويدافعون عن المواطنين كما يدافعون عن عرضهم ودينهم، ديدنهم في ذلك قَسَم يحفظونه وعهد تعاهدوا عليه ورسالة يقدسونها، وبالمقابل هناك فئة ضالة يسيؤون إلى المهنة ويلوّثون الكاكي باستغلاله لتفيذ أغراضهم؛ بدليل فصل عدد مقدر منهم وتقديم آخرين لمحاكمات.

إن غضبة الأخوة المتقاعدين من استعمالنا لمفردتي ضابط ومتقاعد نقول لهم عنها: لكم العتبى حتى ترضوا، ونحن نعلم أن جلّكم من الشرفاء وأنتم آباءنا وإخواننا، ولكن تبقى هناك ملاحظة تظل غائبة عن إخوتنا في الشرطة، فالفرق الذي يبدو كبيراً لديهم بين أن يمارس الاحتيال ضابط أو جندي هو فرق لا يعني المواطن كثيراً، ولا يهمه أن يكون من احتال عليه هو جندي مفصول من القوات النظامية أو ضابط تقبع النسور والمقصات على كتفه، الأمر سيان بالنسبة للمواطن .

الأخوة الشرفاء في الشرطة، نحن ننظر إلى الهوية العسكرية والزي الأخضر ولا ننظر إلى عدد النجوم على الكتف .


*نقلا عن الوطن



تعليقات 5 | إهداء 0 | زيارات 2647

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1282716 [برعي]
0.00/5 (0 صوت)

06-10-2015 03:48 PM
والله موضوعك جمييل ومعبر ، عموما ايام الشربه وبعد تطبيق شريعة نميري وحتي ايام الانقاذ ، من كان يقوموا بالقبض علي المساكين ناس الشربه هم عساكر مقاعدين

[برعي]

#1282523 [الصابر]
0.00/5 (0 صوت)

06-10-2015 11:10 AM
بالحيل انت بقيتي صحفية،، دا الكلام ،،مقال موزون ومتسلسل ،، ربنا يذيك علم ونور

[الصابر]

#1282348 [الديامي]
0.00/5 (0 صوت)

06-10-2015 08:40 AM
حقيقة مقال ممتاز وتحليل جيد واتمنى ان تسيري في هذا الدرب .

[الديامي]

#1282323 [جنو منو]
5.00/5 (1 صوت)

06-10-2015 08:19 AM
ياحليل زمن الشرطة فى خدمة الشعب .. فى هذا العهد انقلبت الايه ..!!

[جنو منو]

سهير عبد الرحيم
 سهير عبد الرحيم

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة