المقالات
منوعات
سكنتُ ناركِ قبل السماء بنجمة!
سكنتُ ناركِ قبل السماء بنجمة!
06-19-2015 10:08 AM

*(سَأظلُّ أبحثُ عن صَدِيقَة
كَانت اذا ما أينعَ الناَّرِنجُ ترَقصُ
في انتفاضَاتٍ رَشِيقَة كَانت مَعِي
في الدَّار،ِ في الربَواتِ، في قَلبِ
الحدِيقَة..).
- كجراي-
.. يتكوّم العمر فوق كتفيّ، خريفاً في إثر خريف، وما زلت أستثمر ذاكرتي لأعود إليكِ، يا من كنتِ تعبرين في البال كأيلة مغناج، وكنسمة تمرّين أمامي، فيمضي إليك القلب عامراً بالشهوات. ما زلت يافعاً، وما زال فستانك المزهر يتمايل خلف النافذة الغربية، والقلب أيضاً ما زال قادراً على الاصطياد في المياه المتماوجة بألف ضحكة وضحكة. عيناكِ ما زالتا بحرين واسعين، وما زال الثغر يانعاً وثريّ الضحكات.
أيتها الممتلئة بالشغب، يا من يعرّش العمر بين أصابعك، فتمنحينه ألف دلالة قبل أن تجمعيه بخاتم ذهبي، وتحبسيه في قمقم. آن للعمر أن ينعتق ويتحوّل إلى مارد بأكثر من أربعين طرفاً، في كل طرف سنة مما يعدّ البشر. هل تذكرين أيام كنا نعدّ الحصى؟ كنا نختلف، نتصارع، فأنتصر وأحزن إلى حدّ الامتلاء، نتصالح مساء، فتسألينني: لماذا بكيتُ؟ أكذب وأقول لأنني آلمتك، أخجل من قول الحقيقة، الآن أستطيع البوح، فالقهر غالباً ما يجلب البكاء.
أما آن للخاتم الذهبي أن يهترئ؟ كيف يقولون إذاً كل شيء إلى زوال؟ ما زال البريق يحجبني عنك، وما زالت الغصة عالقة في الحلق. ليتك تسألين الآن، وليتني أجرؤ على الإجابة! هل حقاً لا يليق بنا الآن سوى الحزن على ما مضى؟ كيف لنا أن نعدّ العمر بالمقلوب؟ كيف؟ وكيف لنا أن نطلب من الزمن أن يعكس سيره؟ ولماذا؟ هل سنعدّ الحصى من جديد، ونختلف، نتصارع وتبكين وأحزن وأكذب؟ أجل لا بدّ أن يحصل ذلك كله، فقط لو تغيرت قوانين الطبيعة، ونواميس البشر.
سأتلو عليك تعاويذ حارس المغارة، فتنفتح وتدخلين، ثم أتلو التعويذة الأخرى فينغلق الباب. يا ألله كم أحتاج أحلاماً كهذه فأعود ولداً مشاكساً، وكم أحتاج من السموّ لأنسى! كم يطوّقني الخيال الراجع، يحملني معه إلى الوراء. راغب أنا في ذلك، لكنني أتنكّر وأكابر، تماماً كجائع مهذّب أمام مأدبة عامرة. أتمنى لو يغمض الكون عينيه ويتركني، سألتهمك أغنية أغنية، وغصّة بعد أخرى، سأُسكِت جوع أربعين عاماً، فقط لو يختفي خاتمك الذهبي، يا من أنجبت من ضلعها آلاف الأرواح الذكورية، ولا تزال تنجب المزيد من الأساطير، تقوقعها أمامي، فأضيع. ستعبر الريح حقل النايات، وأغني. سيمتلئ الوادي بالمواويل والمسادير، وستعزف حسناوات الجنّ في الكهوف كلما مررت قربها حاملاً ذاكرتي. كيف أنسى والدروب تلتفّ حولي كأفاعٍ شرسة، وأنا المغيّب فيك إلى آخر مدى؟ كيف أنسلخ من جلدي؟ تغتابني الروح وتتآمر عليّ، هي روحي المنشقة عني ذات حنين. يملؤني الحزن فأعود لأحرس باب المغارة المغلق.
نيمِّة تجيء... ونيمِّة تروحْ
الظلّ لا يفيء... والقلب لا يبوحْ.
يقتلني الكحل فيمتلئ القلب بالسواد، ويشفّ وجهك شيئاً فشيئاً عبر زجاج السيارات العابرة، إشارات المرور تعرفني كما أعرفها، دائماً توقفني لتذكّرني بشمس العمر المائلة للغروب. أرسم وقاراً بين عينيّ، وأتمتم بما لا أعرف. هو الجنون بعينه، جنون هادئ إلى حدّ برودة الموت. الصقيع يلفّ الشوارع، أدندن مع وردي أغنيات قديمة، فتهطلين أمامي عند كل همسة، ثم تغيبين حين تخضرّ إشارة المرور.
كيف تمضي هذه السنوات القليلة الباقية؟ ما زلت أبحث عنك في الشوارع المنطفئة. ماذا أقول لعكّازي بعد سنوات قليلة؟ ستموت الفراشة قبل بلوغ القنديل. فقط لو أستطيع تذكّر كلمة السرّ، كانت المغارة ستفتح، آه لو أستطيع! المغارة غدت مدينة، والباب لم يعد كما كان ممتلئاً بالرسوم والطلاسم، أصبح قصيدة بألف شطر، قصيدة بلا وقوف على الأطلال، قصيدة بآلاف الأرواح، كلما خرجت روح ولدت لديها روح أخرى. القصيدة تبحث عن سوق عكاظ، لعلها تحظى بروح تخلّدها، وأنا لست الشاعر العكاظي ذاك، ولست حداثوياً لأناقش النقاد. ما أنا سوى عاشق يتذكر خلافاته القديمة حول عدد الحصى في كل جهة، يختلف مع حبيبته، يتقاتلان وينتصر، فيبكي دون نشيج حين يتذكر خاتماً من الذهب الخالص طوّق إصبع الحبيبة ذات عمر مضى، ورفع ألف حجاب بين وادي الطفولة وإشارات المرور.
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1772

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1290014 [لا احد]
0.00/5 (0 صوت)

06-21-2015 03:00 PM
يا رائعا لقد عدت بنا للزمن الجميل تدفق عشقا
فهل انت الا احد الرائعين الذين يحملونا على جناح الكلمة المموسقة هربا من كل هذا الواقع البئيس

[لا احد]

الدكتور نائِل اليعقوبابي
الدكتور نائِل اليعقوبابي

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة