المقالات
السياسة
الإنقاذ و الحركة الإسلامية جدلية الصراع
الإنقاذ و الحركة الإسلامية جدلية الصراع
06-20-2015 10:53 AM



إن التغييرات المستمرة في نخبة الإنقاذ، منذ ما حدثت المفاصلة عام 1999، قد أثرت في التركيبة السياسية للإنقاذ، و ما تزال تحدث تغييرات في النخبة، دون أن ينسحب ذلك علي سياسة الإنقاذ، لا يختلف اثنان، إن الإنقاذ نظاما سياسيا صنعته الجبهة الإسلامية القومية، بانقلاب 30 يونيو 1989، حيث لعبت عضوية الحركة الإسلامية دورا كبيرا في نجاح الانقلاب، و باعتبار إن الانقلاب حدث ضد نظام ديمقراطي، إنه لم يكن في أجندته أية تصور لتحول ديمقراطي، و دلالة علي ذلك، إن عراب الحركة الإسلامية الدكتور الترابي عندما ذهب للولايات المتحدة، شارحا و معللا للانقلاب، كانت محاضرته التي ألقاها علي أعضاء الكونجرس الأمريكي، محاضرة ناقدة للنظام الديمقراطي في الغرب، مما يدل إن للرجل موقف من ديمقراطية وستمنيستر، كما إنه لم يقدم تصورا جديدا بديلا، يؤكد فيه أنهم لا يمانعون مشاركة الأحزاب التي حلوها بقرار الانقلاب عائدة، ثم قدم رؤيته السياسية بعد ذلك، في اللقاء الذي كان قد رتبه للدكتور الترابي مع عدد من النخب في الولايات المتحدة " مركز دراسات الإسلام و العالم" قال الدكتور في اللقاء "إنه ضد نظام الحزب الواحد" و لكنه لم يقدم رؤية للاتجاه الذي كان يريد السير فيه كنظام حكم، و ربما لم يكن لديه في ذلك الوقت تصورا محددا، الأمر الذي جعله يتحدث حديثا عاما، دون أن يخوض في تفاصيل حول ماذا بعد استلام الدولة، حيث قال ( لست مؤمنا شخصيا بنظام الحزب الواحد، و لقد تجنبنا علي الدوام، في إطار الحركة الإسلامية، إلي مذهب مقفل، أو مدرسة فقهية. و لكن قدرا من الوحدة و الإجماع مطلوب، لتحقيق حد أدني من العيش المشترك ضمن الكيان الواحد) و أضاف قائلا ( إننا في السودان نسعى جهدنا لتحقيق حد أدني من الإجماع، علي القضايا الوطنية الأساسية، بحيث تضمن بقاء المجتمع متجانسا و معافى، علما أن اختلاف وجهات النظر تحت سقف هذا التجانس يعزز وجود المجتمع) هذا حديث عام، و كيف يخلق هذا التجانس دون أن يقدم دعوة للقوي السياسية، كان الدكتور راضيا بحل الأحزاب و منظمات المجتمع المدني و مصادرة الصحافة و الحريات، ثم خرج بقضية التوالي، باعتبارها النظام السياسي الذي يجب أن تتراضي عليه القوي السياسية، و هي لا تخرج من دائرة دولة الحزب القائد، تلك الفترة كشفت إن الحركة الإسلامية كانت تجتهد أي جدل اليوم باليوم، و هذه السياسة تواجه مشاكل كثيرة، كما إنها تعتمد علي الصواب و الخطأ، مما تؤدي للاضطراب في الساسة، إن كانت داخلية أو خارجية.
لكن الدكتور غازي صلاح الدين العتباني، الذي بدأ نجمه يصعد في تلك الفترة، كأحد مفكري فترة تأسيس دولة الإنقذ، قد أفصح عن النظام الذي تتطلع إليه الحركة الإسلامية، و الذي لم يخوض الدكتور الترابي في تفاصيله، أو حتى توصيفه، حيث قال الدكتور العتباني لجريدة الشعب المصرية 24 مايو 1996 يقول ( التعددية الحزبية بالمعني الغربي، الذي ورد إلينا عبر النموذج البريطاني بالتحديد، هذا الشكل من الممارسة التعددية أثبت فشله، ثلاثة مرات في السودان، أصلا لم يحل و لم يقدم حلا لقضية واحدة، و لا يمكن أن نتمسك به فقط ، لأنه في نظر بعض المفكرين السياسيين، يتيح هامشا للديمقراطية لا تتيحه النماذج الأخرى، نحن نريد نموذجا لإتاحة الحرية، و إتاحة شكل من أشكال التعددية الفكرية، و التعددية التنظيمية التي لا تطيح بقواعد النظام و بأصول النظام) لقد أفصح الدكتور عن دولة الحزب الواحد، بالإشارة إلي تعددية لا تطيح بقواعد النظام و بأصول النظام، و أيضا حاول الدكتور العتباني أن يجر الناس إلي جدل بيزنطي، لا طائل منه، عندما يقول نريد حرية فكرية، و هي كناية للحزب الواحد، الذي يقبل مدارس فكرية متعددة داخله، هذه الرؤية هي التي شكلت المعالم الرئيسية لدولة الحركة الإسلامية، و التي كانت تسعي لتشييدها، و هي رؤية متفق عليها "الحزب الواحد" و حتى الخلاف الذي حدث في المفاصلة حول الفدرالية و انتخاب ولاة الولايات، هو خلاف داخل الفكرة نفسها، هذا كان قد أكده السيد علي عثمان محمد طه في مؤتمر صحفي يوم 31 مايو 2000، نقلته الفضائية السودانية ، قال فيه ( الخلاف الإسلامي في المؤتمر الوطني، ليس هو خلافا حول الثوابت، و لكن حول القيادة، من يقود الدولة في المرحلة القادمة) و قال السيد طه الذي عرج إلي قضية حوار وطني بين القوي السياسية السودانية، و قال نحن مستعدين لعقد مؤتمر حواري، لبحث كافة مشاكل السودان، و لكن هل التجمع الوطني الديمقراطي جاهز لمثل هذا المؤتمر الجامع، هي قضية تحتاج إلي مزيد من الحوار و النقاش.
فشلت دعوة السيد النائب الأول لرئيس الجمهورية، حول الحوار الوطني، و لكن السيد طه نفسه كان يريد حوارا تتفق فيه القوي السياسية أن تشارك في دولة الحزب القائد، حيث قال ( إذا كانت هناك جهات تعتقد إن هناك خلاف داخل المؤتمر الوطني، حول قضية فصل الدين عن الدولة ، يكون هؤلاء واهمون) و بالتالي كان الحوار المطروح من قبل السيد طه، حوارا مشروط، بعدم قبول أي نقاش حول فصل الدين و الدولة، و لكن لا يقبل المؤتمر الوطني أية تنازل في هذه القضية، هنا يبقي الحوار عقيما، لا يستند علي أسس منطقية، هذه القضية كان الهدف منها هو محاصرة حزب المؤتمر الشعبي، و أجندته، و محاولة لكسب القوي السياسية الأخرى، خاصة إن المؤتمر الوطني كان يريد أن يتخلص من العناصر التي لها ولاء للشيخ، و كانت أبعاد هذه التصفية تقديم تنازلات أكبر للدائرة العسكرية، باعتبار إنها قادرة علي حسم الأمر بالقوة، إذا تطلب الأمر ذلك، كما إن ما أسسه السيد طه و اتبع من سياسات، هو الذي أدي إلي تصفية عناصر الحركة الإسلامية، و رموزها الباقية في السلطة، في مراحل مختلفة، الواحد تلو الأخر.
كانت بعض قيادات الحركة الإسلامية، تعتقد، بعد إبعاد الأمين العام الدكتور الترابي، سوف تئول إليها القيادة و خاصة الفكرية، التي تجعلها تهندس الدولة بالشكل الذي تريده، و تحديث تخطيطا في المجتمع الذي يضمن لها البقاء كما تريد، دون التحسب للتغييرات التي يمكن أن تحدث في بنية الدولة، خاصة إن الصراع بدأت تحكمه المصالح الخاصة و ليس قيم عامة روحية، هذا التغيير في الدور أثر تلقائيا علي حركة الفكر و الاجتهاد، داخل الحركة الإسلامية، التي كانت تعاني من إشكالية علي مستوي التنظيم و التوحد، هذا من جهة، و من جهة أخرى، كان لهذا التحول إيجابيات الأولي؛ أدي إلي فرز تلقائي داخل التنظيم، و بدأت نخبة تعترض علي بعض القرارات، و عدم فاعلية الحركة الإسلامية. و الثاني؛ جعل العناصر التي كانت تمارس عملية النقد داخل المؤسسة، أن تجاهر بصوتها المعارض خارج أسوار المؤسسة، بهدف الاستقطاب، هذه التحولات أخذت بعدها في السياسة، و لكنها لم تمس القاعدة الفكرية، و حتى لم تطال الأفراد الذين تسببوا في فرط عقد تنظيم الحركة، و كانت المجموعة السياسية التي تولت زمام الأمر بعد المفاصلة، لها اعتقاد إن المجموعة العسكرية المتواجدة في قمة السلطة، هي عناصر تنفيذية لا تقدر علي السير بدولة بمفردها، و يمكن إبعادها أو تهميش دورها في أية وقت تريد، و لكنها غرقت في هذا التصور، و الاعتزاز بالذات التي حجب عنها عيوبها و قصور تصوراتها، و جعلها أغفلت جانب التنظيم، الذي كان يمكن أن يشكل لها توازنا للقوة في مرحلة لاحقة تحتاج إليها، و اعتمدت علي قدراتها الخاصة، التي أثبتت التجربة التاريخية، إنها كانت دون التحديات المفروضة، و ظلت تناور علي الصعيدين، صعيد المعارضة لكي تهدد البعض داخل مؤسستها، بأن لها القدرة علي أن تقيم تحالفات خارج دائرة الحزب لحسم أي تحرك، و علي صعيد المؤسسة كانت تغفل، إن هناك مجموعات جاءت من خارج الدائرة الإسلامية و لها مصالحها و تستطيع أن تشكل لها أرق و رهق دائم، و بالفعل بدأت تظهر داخل جسم التنظيم تكتلات، حيث بدأت تبرز بصورة قوية مراكز القوة، و إن كانت تعتقد، إن صراعها الداخلي، سوف يحسمه موقف التحالفات الداخلية، و خاصة مع المؤسسات القمعية" القوات المسلحة و جهاز الأمن و المخابرات و الشرطة" و نسيت إن العين كلها تجاه تلك المؤسسات، و عندما أصبحت مراكز القوة تعيق عملية الحزب و الدولة، جاء قرار الرئيس البشير بعدم ترشحه لفترة قادمة، لكي يكشف إبعاد الصراع داخل الحزب و الدولة، فكان لا يوجد خيار غير الإطاحة برموز الصراع، كانت الإقالة هي بداية النهاية لدور رموز الحركة الإسلامية، بعد ما استبعدت الحركة كمؤسسة، و و أجهضت أية فكرة تنادي ببعث الحركة لكي تنهض من جديد، لم يجد الرئيس صعوبة في خلق البدائل، التي تحل مكان الرموز السابقة، لآن من تبقي كان يبحث عن السلطة و ليس التنظيم، ثم جاءت الانتخابات لكي تعجل بالإبعاد الكامل، و كما سماها الدكتور عبد الوهاب الأفندي المرحلة السادسة في عهد الإنقاذ.
الملاحظ في التشكيل الجديد للسلطة التنفيذية، قد تم فيها إبعاد رموز الحركة الإسلامية التي صنعت الإنقاذ، و إن كان البعض يعتقد، إنه إجراء طبيعي، للتحول الذي حدث للسودان في علاقاته الخارجية، و خاصة مع دول الخليج، و لكن هناك البعض الذين يعتقدون، إن العناصر القادمة للسلطة التنفيذية، هي عناصر مؤيدة لقضية الحوار الوطني، حيث قال السيد كمال عمر أمين القطاع السياسي لحزب المؤتمر الشعبي، إن العناصر التي جاءت إلي السلطة التنفيذية، هي عناصر مؤيدة و داعمة لعملية الحوار الوطني، و سوف تدفع بالحوار، و لكن هل السلطة التنفيذية لها سلطة القرار الذي يجعلها تدفع بعملية الحوار الوطني، إن قضية الحوار الوطني هي قضية مرتبطة برئاسة الجمهورية، و هي الجهة الوحيدة التي يمكن أن تدفع بالحوار أو تعطله، و محاولة البحث عن التفاؤل من قبل عناصر المؤتمر الشعبي، تؤكد قلق الدكتور الترابي من نهاية دور الحركة الإسلامية في العمل السياسي المستقبلي، و تكون الإنقاذ بقدر ما هي هدمت نظام ديمقراطي، أيضا قد جعلت الحركة الإسلامية مهيضة الجناح لا تقدر علي الطيران، و أي دور جديد لها في العمل السياسي، تحتاج إلي رؤية جديدة، و برنامج جديد، و قراءة تختلف عن قراءة الدكتور الترابي، أي هي حركة بمواصفات جديدة تتجاوز العقلية الترابية.
خرجت الحركة الإسلامية كتنظيم، و رموز، من دائرة القرار السياسي في الدولة، و بمعني أدق، إنها فقدت قدرتها علي تقديم المبادرات، و إدارة الصراع، و تشكيل المجتمع و توعيته، و أصبحت كتلة دون أهداف مرجوة، و قياداتها في ظل صراعها داخل السلطة، و سعيها للبقاء داخل السلطة التنفيذية، حيدوا الحركة و اضعفوا دورها، الأمر الذي أدي إلي فقدهم جميعا الواحد تلو الأخر موقعه القيادي، و بدأ تغيير يظهر علي ملامح النظام الجديد، هذه التحولات السياسية الدراماتيكية في النظام، كان سببها قيادات الحركة الإسلامية أنفسهم، كانوا يعتقدون أنهم يمتلكون من القدرات و الذكاء، الذي يجعلهم يلعبون بالحجر و البيضة، و لكن كانوا أنفسهم يصنعون الأسباب التي تعجل برحيلهم عن السلطة، إنها لعبة السياسة، و الله نسأله حسن البصيرة.
نشر في جريدة إيلاف الخرطوم
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1523

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




زين العابدين صالح عبد الرحمن
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة