المقالات
السياسة
نحو حساسية (1976): درب العشق ساهل ودرب الوصال صعبان
نحو حساسية (1976): درب العشق ساهل ودرب الوصال صعبان
06-22-2015 06:37 PM

أنشر حسب وعدي وثيقة "نحو حساسية شيوعية تجاه الإبداع والمبدعين" (أبريل 1976) وهي تخطو نحو ميلادها الأربعين. وكنت كتبتها خلال توليتي قيادة العمل الثقافي متفرغاً بالحزب الشيوعي ما بين 1970 و1978. وهي وثيقة في التربية سعت لينمي الشيوعيون ذوقاً أرقى للإبداع ومحبة حقة للمبدعين لم تتوافر لوقتها ولوقتنا كما رأينا في مقالات سلفت. فقد كانت منطقة المبدعين في الدولة الاشتراكية عند السوفيات وغيرهم مجلبة عار لنا لتجهمها بوجه الإبداع حتى تلجمه أو تلعنه. وكان نظام نميري من الجهة الأخرى اقترب من بعض مبدعينا إما كموظفين بالدولة أو بغيرها وعقد معهم معاملات استفزت الشيوعيين. فلم يجدوا سماحة في أنفسهم لفهم واقع الردة البهيم الذي وثق عرى الدولة بمنابر الإبداع كما لم تفعل النظم التي سبقته. فعقد المهرجانات وعيّن أنواط التكريم، وأمم الصحف وغيرها. ولم يكن مستغرباً أن نرى في هذه الحقول الجديدة للإبداع والدولة ما لا نرضاه من خيار مبدعينا ولكنه مما يجب أن نصبر عليه ثقة في المستقبل.
التربية نادرة في الحركات السودانية الحديثة مثل الشيوعيين والأخوان المسلمين. ففي كليهما انتصر التيار السياسي (عبد الخالق والترابي) على التيار التربوي (جعفر شيخ إدريس وعوض عبد الرازق). والتيار الأول يقول لنخرج للسياسة بما لدينا من معرفة ونستدرك التربية والاطلاع لاحقاً. بينما يقول التربويون بوجوب العكوف عند التربية زمناً قبل أن ندخل ساحة السياسة. ومن أسف أن التيار السياسي لم ينجح في استدراك التربية أبداً وعاش على العموميات السياسية وضل ضلالاً كبيراً عن غاياته وأنتهى إلى صفوية تنازع دست الحكم بغير بصيرة. وحاول عبد الخالق ذلك الاستدراك مراراً بعرضه لمفهوم "المثقف العضوي" ولكن كان الحزب في أودية اخرى انقلابية وغير انقلابية مؤرقاً بثأر أكتوبر. ولا أعرف من نعى "عدم التربية" في حركته بعد المفاصلة في 1999 مثل الدكتور الترابي في تسجيل رائج على اليوتيوب.
ولكن كانت حركة الجمهوريين خلاف ذلك. بدأت بالسياسة المباشرة ثم ركنت للتربية بصورة كلية بما في ذلك الأناشيد العرفانية الروحية. وبالطبع كان لإهمال السياسة دخل في محنتها بشكل أو آخر.
و"نحو حساسية" تحذو حذو "إصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير" (1963) الوثيقة التربوية النادرة بقلم أستاذنا عبد الخالق. فهي فصدت إلى خلع النعال الضيق للشيوعيين من أصول البرجوازية الصغيرة ليتأدبوا بأدب الطبقة العاملة "التقيلة". وهي طبقة تدأب نحو غايتها بسرعة خاصة وبعزائم غير منظورة تضيق بها البرجوازية الصغيرة فتجن، وتذهل، وتغامر، فتخيب.
قلنا في الجزء الأول من الوثيقة إننا ندخل على جبهة الإبداع الذي ينفض عنه غبار الردة (نظام نميري بعد 1971) بطرق ثلاثة.أولهما إننا حزب بلا نظرية إبداعية رسمية سواء أكانت واقعية اشتراكية أو غيرها. الباب الثاني هو أننا لا نملك نظرية نقدية ولا ناقداً رسمياً ولا نحتاج إلى أيهما. والباب الثالث أن ندخل بثقل الطبقة العاملة في عوالم الإبداع كما رأينا في المقال السابق.
وفي هذا الجزء نرى الوثيقة تنبه للعناية المثلي بالمبدع سوسيولجياً كابن للطبقة البرجوازية الصغيرة المتعلمة ليس كمبدعي الثلاثينات الشعبيين أو الأفندية من كان فضاء السودان مفتوحاُ لهم بالنقلبات من أقصى البلاد لأقصاها. ثم نوب في هذا الجزء أيضاً مطالب معينة في حرية الصحافة وغيرها لتحسين بيئة الإبداع لهم. ثم نختم هذه الحلقات في مرة قادمة أخيرة. فإلى هذا الجزء من "نحو حساسية شيوعية":

لم يظهر بين الجيل المبدع الماثل أمثال العبادي وسيد عبد العزيز وأبو صلاح المنتمين إلى أوساط شعبية وعمالية. فقضايا الشكل والحرفة الإبداعية ترتبط الآن بالتعليم والاحتكاك الخارجي بينما كانت على عهد أولئك الفحول مذللة ميسورة. فلا فرق يذكر في الإحاطة بها بين خريج كمحمد أحمد المحجوب وعصامي كالعبادي لأن تلك القضايا لم تخرج وقتها من الإطار التقليدي. وجاء السلف الشعبي إلى ساحة الإبداع الرئيسية بأشكال من الشعر الشعبي محكومة بنفس ما تحكم به القصيدة العربية. وحتى المسرحية كشكل وافد، لم تزد من كونها قصيدة طويلة موزعة بين عدد من الأفواه.
والمشاهد الآن أن ساحة الإبداع الرئيسية يحتلها مبدعون من البرجوازية الصغيرة المتعلمة ممن تتحول قضايا الشكل والتكنيك عندهم إلى ما يشبه أسرار الكهنة في انحجابها عن الإنسان العادي. وسيطول إنتظارنا حتى يقدم طلائع مبدعي هذا الإنسان الشعبي العادي إلى ساحة الإبداع الرئيسية. وككل معرفة خاصة مقدسة توقع تلك القضايا القصاص بالمبدعين. فهي تحيلهم إلى قراء نهمين، تضمر تجربتهم المؤجلة يوماً بعد يوم، ولا تدفئهم قراءاتهم المتبحرة، ولا يسعفهم ميل للمغامرة خارج دفتي الكتاب. فوراء كل أغنية في الحقيبة الممتازة سفر، أو قنص، أو أذى مفض إلى الموت، أو صبابة مجللة بالحكمة: "درب العشق ساهل ودرب الوصال صعبان." قيل إن أغنية الحقيبة بناء نهم لجسد المرأة، ولا يصح أن يكون البديل تأطير للمرأة في عيونها . . . بإجماع.
-بتكاثر أجهزة بث الإبداع من إذاعة إلخ وتركيزها في العاصمة تحول الإبداع بعامة إلى مهنة عاصمية. فنادراً ما تتاح لأفضل مبدعينا الآن تلك السياحات في البلد التي تهيأت لسلفهم المباشر من البرجوازية الصغيرة المستوظفة أمثال طنبل وتوفيق صالح ومحمد المهدي المجذوب:
أمن برغوث ينقلني قضائي إلى بحر الغزال فما نروم
كان الوطن عند أفضل مبدعي السلف مستديراً مشحوناً بالإثارة والطبيعة والناس المختلفين والألسن الشتى والمعارف المبددين كالنثار في الذاكرة. بينما صورة الوطن عند أغلب المبدعين حالياً بندول وحيد الحركة بين ذكريات هشة سعيدة عن طفولة القرى التي لن يعودوا لها ابداً، وبين عاصمة مرذولة النية مفترسة السيماء لن يفارقوها إلا بالموت. ولذا يسكن إبداعنا الراهن في جملته نشيج كظيم يشي عن الموهبة ويفضح ضيق التجربة.
ولهذا يحسن بنا تدبير ذلك الجسر بين المبدعين والمتلقين بأريحية ب.
-بمواصلة الدفاع عن ديمقراطية هذه الجبهة وتوسيع فهمنا وفهم المبدعين لتلك الديمقراطية دلالة ووسيلة بالارتباط الوثيق بتحركاتهم الجمالية والسياسية والتنظيمية. نثبت عند الدفاع عن تلك الديمقراطية باعتبار أن قامة الإبداع تتعادل طردياً مع قامة المبدع.
-نثبت حق المبدعين في تكوين منظماتهم القائمة في خياراتهم الفكرية أو الإبداعية أو النقابية كمواعين مساعدة في صقل مواهبهم وقدراتهم والدفاع عن حقوقهم ورفع كل وصاية للاتحاد الاشتراكي عليها.
*متابعة نضالنا ضد قانون الصحافة والمطبوعات ومن أجل الاصدار المتعدد للصحف. نكشف المراجعة التي تمت للقانون بعد انقلاب 5 سبتمبر 1975، والتي مدت هيمنة الاتحاد الاشتراكي للمجلات الدورية وغير الدورية المتخصصة التي كفل القانون قبل تعديله حق إصدارها للمنظمات العلمية والثقافية والنقابية. نوسع دائرة المطالبة بفك احتكار الدولة لاستيراد الصحف والمجلات. نبادر بالدعوة لمراجعة الفئات الجمركية على خامات ومعدات الابداع (الألوان، الآلآت الموسيقية، أنواع الورق المختلفة، الآت التصوير، خام الأفلام، الأسطوانات) ليتيسر اقتناؤها للشباب والهواة. وأن تتم نفس المراجعة كذلك بالنسبة لفئات أجهزة الراديو والتلفزيون والتسجيل والفونغراف على ضوء لزومها كأدوات للتثقيف والترفيه. فمن المفارقة أن تثقل الجمارك المستحيلة على تلك الأجهزة والخامات بينما تتخبط الدولة بين نوايا ومصالح وهيئات المعلن عنها أنها لنشر الثقافة بين الجماهير.
نولي أفضل عنايتنا لقضايا تطور كلية الفنون الجميلة ومعهد المسرح وفرقة الأكروبات والفرق القومية للفنون الشعبية مع المثابرة في الدعوة لإدخال الموسيقى والفنون التشكيلية عميقاً في النظام التعليمي.
نسند ونرعى كافة المساعي الوليدة لترميم وتطوير هياكل الثقافة مثلما ورد في خطوط ندوة الكتاب الأخيرة والنقد الذي يتسرب للصحف من تردي المكتبات العامة وفقر مسارح الأقاليم وتلاشي السينما المتجولة وانقطاع الأقاليم عن الصحف والمجلات من أي نوع كان.
نواصل
[email protected]


تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 3418

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1292361 [سوداني]
0.00/5 (0 صوت)

06-25-2015 05:52 AM
تصويب:

بالنقلبات = بالنقليات
نوب = نورد
فصدت = قصدت
أولهما = أولها
والمشاهد الآن = والمشاهد الآن يري

[سوداني]

#1290998 [بابكر موسى ابراهيم]
0.00/5 (0 صوت)

06-23-2015 06:02 AM
المرةدى موجه ليك الدعوة يادوك عشان تسمع معاى اغنيةعثمان حسين : قصتنا . هسه اْنا مشغلا فى عربيتى التاونس الحمراء.. ياسلام لماابوعفان يقول :كانت وهم ..

[بابكر موسى ابراهيم]

#1290965 [سوداني]
0.00/5 (0 صوت)

06-23-2015 02:24 AM
1. This is a tour de force of essay writing
2. للاسف تقف صعوبتة البلاغية【خاصة الفقرات 5 _ 9 】 بينه وبين مرماه المعلن الذي هو الاستنفار لتوخی حساسية شيوعية ازاء المبدعين، كما تقف بينه وبين نقاش موضوعي لجوهر الفكرة موضوع المقال.
3. دعنا اذأ نفكك المقال من عقد البلاغة العبدلابراهمية لنري اذا كان في الاكمة ما واءها:
ا) الابداع الآن (1976) يختلف عما كان عليه في 1930
2) الشكل و التكنيك (وليس فقط الجوهر) الآن جزء لا يتجزأ من جسم المنتوج الابداعي.
3) الصفوة المتعلمة المدنية (urban) التي تكون البرجوازية الصغيره (وليس الطبقة العاملة anymore) هي الطبقة الوحيدة التي يتسني لها الآن النفاذ الي مصادر هذة المعالم الحداثية (الشكل + التكنيك) للخلق الابداعي.
4) بسقوط (او تخلف ركب) الطبقة العاملة كمستودع امداد بشري لتفريخ المبدعيين للاسباب اعلاه، لا يتبقي لنا الا طبقة البرجوازية الصغيرة الحضرية (والمستحضرة) هذه لامداد وحمل مشاعل الابداع.
5) للسبب (4) اعلاه يجدر بنا (والمخاطب هنا الناشطين الشيوعيين) ان "نبقي عليهم عشرة"
6)المشكلة والتحدي الكبيرين هنا ان هذة الطبقة (عكس مبدعي (1900-1950) لا علم ولا خبرة ولا دراية لهم باطراف (وبالتالي ناس، وهموم اهل) السودان.
7) بسبب (6) اعلاه يخشي ان يعاني جوهر النتاج الابداعي لهذه الطبقة علي صعيد و حساب الجوهر، ونلمس منهم ما يمكن وصفه بانه مناف ل"الدور الطليع للمبدع" في توظيف ابداعة لدفع عجلة التقدم في مجتمعة الي الامام.
8) اذا حدث (7) اعلاه، فرفقا رفاقي بهم a) لانه ليس لدينا غيرهم اولا، b) وثانيا لان للمبدع حساسية خاصة هي جزء من تركيبته كمبدع تفرض علينا هذا الرفق في التعامل معهم.
9) الطريق الوحيد الي ردهم عن الردة هو لوم الجماهير المحبه لهم، ولا ينبغي ان يكون لنا ايما تدخل في ذلك كحزب.

4. والآن … : ا) هل الافتراض 4 اعلاه صحيح؟ ب) كيف العمل اذا كان المبدع المعني هنا عضو في الحزب الشيوعي؟

[سوداني]

ردود على سوداني
United States [سوداني] 06-25-2015 02:15 AM
عودة الي السؤال ب) في النقطة 4 اعلاه:

باعتبار ان المبدع الملتزم كعضو في الحزب الشيوعي محكوم (برضائه) بلوائح الحزب الشيوعي ومبادئه المعلنه و its codex of conduct، كيف تري وثيقة ع ع ا "نحو حساسية …" ان يكون التعامل معه اذا خدش او جرح او خالف او ناهض نتاجه الابداعي في بعضه او مجمله هذه اللوائح والمبادئي والكوديس السلوكي الشيوعي؟: a) حسب النقطة 9 اعلاه بحكمه مبدع (حساس)، ام b) حسب ما تقول لوائح الحزب بحكمه شيوعي ملتزم؟
الاجابه a) دعوة للتاطير للقبول بوجود ما يسمي بال dissident في النسيج التنظيمي الشيوعي، بينما الاجابة b) {اذا احترمنا وتبنينا جوهر دعوة الوثيقة موضوع المقال} تستلزم بالضرورة ان يناي ويبتعد المبدعون المستقلون في عملية خلقهم الابداعي عن الالتزام كاعضاء في الحزب الشيوعي! فماذا الآن (كما قال يوما لينين) يا ع ع ا _ dissidence ام عضوية شيوعية خالية من المبدعين (except for those happy to be predictably conformist)؟

[حنتوب الجميلة] 06-23-2015 08:47 AM
كدى برضو فكفك لينا كلام بابكر موسى ابراهيم اعلاه الله يرضى عليك


عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة