المقالات
السياسة

06-25-2015 03:01 AM

ما حك جلدك إلا ظفرك، إزاحة الجنرال البشير ونظامه بأيدي أبناء الشعب السوداني لا بأيدي غيرهم

في ثنايا سفر التاريخ السياسي للشعوب ربما تكمن الإجابة على التساؤلات المحيرة من مواقف وسلبية ما اصطلح على تسميتها بالدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، التي تدعي زعامة العالم في التصدي والدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان الأساسية، والإلتزام بحفظها وصونها وحمايتها، بل وتعزيزها إذا لزم الأمر، وما يهزم هذا الإدعاء ويكذبه هو مواقفها المتخاذلة التي تتتسم بالتناقض والحربائية في التخلي عن دعم المحكمة الجنائية الدولية التي تحمي وتدافع في وثيقتها الأساسية عن ذات الحقوق والحريات، بعد أن قدمت بناءا على قرار وإرادة هذه الدول نفسها صحيفة اتهام الجنرال عمر البشير وأكدت فيها تورطه في جرائم خطيرة بالدليل القاطع الذي لا يرقى إليه إثم الظن بعضه أو كله.
ومع ذلك تواصل أمريكا ومن يواليها من الدول في تمنعها وإحجامها عن مساعدة المحكمة الجنائية الدولية في القبض على الجنرال السفاح لانتهاكه الصارخ والمتواصل لهذه الحقوق، وقمعه الوحشي والمستمر لتلك الحريات، مما يستوجب توقيفه وردعه حتى لا يشكل خطرا ماحقا عليها مستقبلا إذا ظل حرا طليقا، يسافر بإرادته المرتعشة، ويعود هاربا بإرادة وتدبير آخرين إلى قصره المعزول شعبيا وجماهيريا، مكللا بعاره الأبدي وهزائمه الشخصية المتلاحقة وانكساراته النفسية المتواصلة.
لقد تأكد خلف ظلال كل شك معقول، وأمام مرأى ومسمع من سكان المعمورة، بأن طاغية السودان والمستبد الأوحد بأمرها قد ارتكب من الجرائم والفظائع والموبقات والانتهاكات الرهيبة بحق شعب السودان الأعزل الذي لم يفوضه يوما أمر قيادته، ويسلمه عن طوع واختيار زمام ريادته، بل ظل وما زال يحكمه جبرا وقهرا وتزويرا وتزييفا لما يقارب الثلاث عقود من الزمان، حتى صار تراب الدولة السودانية عبارة عن مأتم كبير يحاصره الموت المغلف بالصمت من كل جوانبه، وبيت عزاء متواصل تؤمه النائحات وتسكنه الثكالى ويرتاده المعزون على ضحاياهم وأحبائهم في تواصل لا يعرف الإنقطاع إليه سبيلا، ليعيش شعبها العظيم في دوامة الإكتئاب المزمن ويدور مع ساقية الحزن المقيم والمسغبة القاتلة.
من المعلوم تاريخيا أن جنرال السودان المُدبر ليس هو أول رئيس دولة تماطل الدول الكبرى لمقتضيات مصالحها وخدمة أغراضها السياسية في القبض علية ومحاكمته، فقد سبقه في الهروب والإدبار من مواجهة العدالة في عام 1919، قيصر ألمانيا فيلهلم الثاني الذي يُكنى بـ "غليون الثاني" عقب إستسلام ألمانيا للحلفاء. بالرغم من وضوح نصوص معاهدة فرساي إلا أنه لم يتم تطبيقها على القيصر الألماني، فلم تتم محاكمته بموجبها، حيث تقدم بطلب لجوء إلى هولندا، فلجأت الدول الكبرى إلى إمكانية التقدم بطلب تسليمه بالطرق الدبلوماسية، إلا أن رد ملك هولندا جاء سلبيا، لأنه إبن عم القيصر ـ "ولحمه وجلده، وليس من المتصور أن يجر فيه الشوك"، أو كما قال في لحظة صدق مع النفس أحد السياسيين الزئبقيين،ـ بالرغم من دور قيصر ألمانيا الكبير في إشعال الحرب العالمية الأولى بكل فظاعاتها ومراراتها، إلا أن مصالح الدول السياسية وأطماعها قد تغلبت أخيرا على تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا، فلم تتم محاكمته إلى أن توفاه الأجل المحتوم.
لقد أكدت تسريبات الويكليكس ووكالة الإستخبارات المركزية الأمريكية أن الدول الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر الجنرال الهارب عمر البشير وقادة نظامه الأمنيين والسياسيين ترس متناه الصغر في ماكينتها العملاقة التي تطحن بها الشعوب المغلوبة على أمرها لتحقيق حلمها بإعادة صياغة الدول الإسلامية بما فيها الشرق الأوسط الكبير والتي بدأت بالفعل، فلا يحلمن أحد منا صحوا أو مناما بأن الولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها سيقومون بتوقيف الجنرال البشير لأنه خير من يقوم بمهمة تجزئة المجزأ وتقسيم المقسم، ولنا في إنفصال جنوبنا الحبيب أسوة سيئة، ومسبحة الدولة السودانية التي بدأ عقدها بالإنفراط ما زالت بيده تكر.
في إحدى نوبات جنونه وفي نهايات منتصف القرن العشرين قال فوهرر ألمانيا أدولف ألويس هتلر شيخ الطغاة وقدوة المستبدين وملهم المتسلطين وإمامهم الأكبر في خطته الجهنمية لتطهير الرايخ الثالث من اليهود والغجر: "من الذي يتحدث اليوم وبعد كل ما حدث عن إبادة الأرمن"، مما سمح لحفيده الجنرال البشير أن يقول في مطلع القرن الحادي والعشرين "لا نريد أسيرا ولا جريحا"، في مخاطبة علنية راقصة لحث جيشه ومليشياته لتدشن حقبة مجازر ومحارق دارفور الدموية المتواصلة، الأمر الذي أسس من ضمن حالات مماثلة سابقة ولاحقة تاريخيا لتقنين سياسة الإفلات من العقاب، وكرس لها بشكل ممنهج، لتستمر المجازر وحمامات الدم إلى يومنا هذا دون مساءلة أو محاسبة رادعة من دعاة الإنسانية وحُماتها إلا بالقدر الذي يخدم مصالحها ويحقق أطماعها.
ولو كانت القوى العظمى جادة حينذاك في القبض ومعاقبة الجنرالات والقادة الأتراك الذين ارتكبوا المجازر الوحشية عام 1915، بحق مليون ونصف أرمني، لما كان لاستالين طاغية روسيا الدموي الذي ظل يتبجح بقوله "إن موت إنسان واحد يعتبر مأساة وموت الملايين لا تعدو وأن تكون عملية إحصائية"، وما كان لطاغية السودان أن يقول قوله ذاك الذي جرمه لاحقا وجعله مطاردا مرتعبا يخيفه ظله، فالصفقة السياسية التي تمت على حساب العدالة بالكف عن ملاحقة المجرمين الأتراك كانت لدرء خطر الثورة البلشفية على الغرب الرأسمالي التي اندلعت في عام 1917، ضد النظام القيصري وأهمية تركيا إستراتيجيا لتحكمها في مضيقي الدردنيل والبسفور اللذان يفصلان بين قارة آسيا وأوربا. وهنا مرة أخرى تغلبت لغة المصالح السياسية والأطماع المادية على الإلتزام بتحقيق العدالة والتضحية بالضحايا الأرمن ليلف مأساتهم النسيان. وهي ذات الصفقة التي جعلت الإمبراطور الياباني هيروهيتو بمنأي عن المساءلة والحساب. أضف إلى كل ذلك الكثيرين من مجرمي الحرب النازيين الذين لم يطالهم العقاب بحجة إستقرار الدولة الألمانية سياسيا.
ويحدثنا التاريخ القريب وبالتحديد في السادس من أبريل من عام 1994، عما ما حدث في حرب المائة يوم الاثنية في جمهورية رواندا بين قومية الهوتو وأقلية التوتسي عقب إسقاط طائرة الرئيس الرواندي جوفنال هابياريمانا التي راح ضحيتها ما يقارب المليون قتيل تحت سمع وبصر أجهزة الأمم المتحدة، بل بانسحاب المقيمين من أجهزتها وقواتها على الأرض الرواندية أمام صرخات وتوسلات النساء والأطفال وقهر الرجال لقسوة ووحشية وبربرية ميليشيا جماعة الإنترهاموي التابعة للهوتو، حدث ذلك بالرغم من مراسلات قائد قوات حفظ السلام الأممية برواندا الجنرال الكندي روميو ديلير وإرساله للفاكسات تلو الأخرى حتى عُرف أحد تلك البرقيات، "بفاكس الإبادة الجماعية"، وضح فيها المعلومات التي حصل عليها محذرا في برقيته العاجلة تلك من خطة يتم الإعداد لها تهدف إلى إبادة قبيلة التوتسي، وقد خالف الجنرال روميو الأوامر بدافع نخوته وبطولته والتزامه الأخلاقي والإنساني وأنقذ كثير من الأرواح، ولو دعمته الأمم المتحدة ممثلة في مجلس أمنها المتخاذل لما وصل عدد القتلى إلى هذا الرقم الكارثي.
يعود السبب المباشر من ضمن أسباب أخرى في ترك ضحايا مجازر رواندا لمصيرهم المرعب لانعدام مصالح الدول الكبرى في هذا البلد الفقير والمعدم، وحتى الدول التي لها مصالح تاريخية صغيرة في رواندا مثل بلجيكا وفرنسا، وبعد أن وازنتا بين حسابات الربح والخسارة رجحتا كفة المصالح على كفة أرواح البشر، ولت بعثاتها الدبلوماسية الأدبار بعد أن ثبت تورط الأخيرة في دعم أحد أطراف هذه الحرب الاثنية القاسية، ولو لا بطولات قوات الجبهة الوطنية الرواندية التي رفعت شعار المواطنة المتساوية والديمقراطية، وحنكة أحد قادتها، الجنرال بول كاغامي الذي أصبح فما بعد رئيس رواندا الحالي، ما شهد هذا البلد المنكوب استقرارا إلى يوم الناس هذا.
وعندما اندلعت حرب البوسنة والهرسك في مارس من عام 1992، والتي امتدت إلى ثلاث سنوات، رأي العالم بأم عينيه التطبيق العملي في سرعة إنزال مفهوم الحفاظ على السلم والأمن الدوليين بعد أن غاب هذا المفهوم أو تم تغييبه عن التطبيق في كثير من مناطق النزاعات في العالم، فسارعت الدول الغربية لاحتواء ذلك النزاع "حفاظا على سلمها وأمنها لقرب خط النار من حدودها"، بالتدخل المباشر وإرسال قوات حفظ السلام وغير ذلك من الإجراءات الإحتوائية، بما في ذلك إنشاء المحكمة الجنائية الدولية المؤقتة الخاصة بمحاكمة مجرمي الحرب بيوغسلافيا السابقة في عام 1994.
ومن نافلة القول تعتبر محكمة يوغسلافيا السابقة أول محكمة جنائية خاصة ذات طابع دولي منذ محكمة نورمبيرغ الدولية الخاصة التي أنشئت لمحاكمة مجرمي الحرب الألمان، في أعقاب نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945. وجاءت المماطلة المكشوفة يتبعها التقاعس المفضوح لأسباب سياسية في تطبيق العدالة على مجرمي الحرب الصرب بعد أن تم توجيه الإتهام إليهم بارتكاب جرائم حرب. فقد شكت ممثلة الإدعاء العام السابقة الكندية الجنسية، السيدة/ لويز آربور، لتراب الأرض، وواجهت من الهجوم والإهانات الشخصية من الإعلام الصربي بما لا يُقارن قياسا لما واجهه السيد/ لويس مورينو أوكامبو ممثل الإدعاء السابق للمحكمة الجنائية الدولية من صبية إعلام نظام المؤتمر الوطني، ولو لا مثابرة ممثلة الإدعاء العام وقناعتها الراسخة بمهمتها التي ألزمها القانون بها لوقفت المصالح السياسية والأطماع الاقتصادية عقبة كأداء أمام تحقيق العدالة وإنصاف عشرات الآلاف من الضحايا.
ما تم استعراضه آنفا غيض من فيض عشرات النماذج والأمثلة التاريخية التي تمت فيها التضحية بالعدالة من أجل المصالح السياسية والأطماع الاقتصادية. وسؤال المرحلة المُلح، ما الذي يجعل السودان استثناءا حتى تهب هذه الدول التي تقودها غريزة مصالحها لنجدة شعبه المُبتلى بجنراله الموتور الذي اختزل الدولة السودانية بكامل ما تبقى من ثرواتها وشعبها لسلامة أمنه الشخصي؟.
الحل كما تقول به طبائع الأشياء يكمن في رغبة وإرادة هذا الشعب العظيم في التغيير نحو غد أجمل. بالرغم ما مر به من فظائع وأهوال تضطرب من هولها راسيات الجبال فإن شعبنا الصامد ما زال كطائر الفينيق ينهض من بقايا رماده محلقا بجناحي الحياة والحرية. فلن تحك جلودنا إلا أظفارنا لندرك بإيمان وطني راسخ أن فعل تغيير الواقع المأزوم نحو الأمل المرتجى تصنعه أقدار الشعوب مسنودة بسواعد أبنائها، ولن يمد لنا أحد يد العون إلا إذا ضمن تدفق واستمرار ذات الخدمات التي يمده بها خونة الوطن الذين يتاجرون بالقيم والدين، ويقيني أن فطرة أبناء السودان الشرفاء والمخلصين منهم تأبى عليهم بيع أوطانهم ورهن سيادتها، فلنعمل جاهدين لتلبية نداء وطن ظل يصرخ بقدر ما به من ألم لانقاذه، وإلا سوف نصحى غدا ولن نجد وطنا نختلف عليه.
الصادق حمدين
umniaissa@hotmail.com


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2074

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




الصادق حمدين
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة