المقالات
السياسة
جداريات رمضانية (7)
جداريات رمضانية (7)
06-25-2015 04:28 PM


أول ليالي رمضان بهجة تعيش في الذاكرة يصعب انتزاعها أو إعادة إنتاجها، ولم تكن كاميرات الهاتف النقال موجودة ليتاح لنا أن نصور تلك الأيام أو نلتقط عبقها مثلا كتفاصيل كثيرة من الحياة التي تتسرب عبر شرايين الزمن. فالصورة ليست مجرد ذاكرة خاصة إذا ما ارتبطت بالمناسبات بل هي حياة وحضور يختصر زمان كامل وشغف وجنون، يلخص حركة الإنسان في عالم لم يكن يظن أنه سوف يتلاشى ذات يوم ولا يبقى له من حيز سوى شريحة صغيرة في المخ، مرات تكون غير قادرة على استرجاع الأشياء كلها إلا بصعوبة، حتى ليتخيل الإنسان أن الحياة ما هي إلا قد وجدت لتعاش ومن ثم ليتذكرها المرء. وقد قال الكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز في الكتاب الذي صوّر فيه فصولا من حياته الأولى مع الكتابة ومن عنوانه "أن تعيش لتروي" أو "لتحكي" فكأن الإنسان مخلوق للسرد والحكايات بل كأن تاريخ البشرية هو سرديات مستمرة.
لهذا سوف يكون للناس أن تتذكر الماضي وليل رمضان بالسرد والحكاية ما دمت الصورة والفيديو غير حاضرين، بالمعنى الكافي.. حتى أن الذاكرة السودانية هي في مركزها تعيش على الشفاهة ولا تهتم لا بالتصوير ولا بالتدوين، فكثير من طقوس حياتنا وتقاليدنا تمضي مع الزمن وبعضها يكاد يندثر لكن لا نقف لكي نحقق له الخلود في ذاكرة الأجيال المقبلة سواء عبر ثقافة التوثيق أو الموسوعات أو المتاحف. كل ذلك ربما لأسباب كثير ليس هنا مكانها، فعجلة الليل تسارع ولابد للصبية أن يلعبوا كرة القدم في الليل بدلا عن العصر في أيام الفطر. لا صورة واحدة تبقت حتى لو بالأسود والأبيض تصور ذلك الدوري الكروي الذي يخطط له من وقت مبكر قبل رمضان من قبل شباب الحي، وحيث تستعد "العراضات" الخالية من الشباك لاستقبال أول الأهداف الرمضانية وحيث يحلو "الغلاط" هل دخل الهدف أم لا، والبعض يحلف دون أدنى مراعاة إلى أنه كان صائما في النهار. وسبب الخلاف هو أن الليل مظلم والإضاءة في الميدان ضعيفة جدا.
لكن الطقوس الرمضانية الليلية خاصة بعد صلاة التراويح عديدة لا يمكن حصرها ولا احتوائها تتنوع ما بين ما يشغل كبار السن وما يشغل العاملين في السوق وهو مركز ثقل البلدة والمكان الترفيهي الأول فيها والأندية التي سوف تفتح أبوابها إلى قبيل السحور بقليل، حيث أن بعض الشباب يساهرون في النادي ومن ثم ينطلقون إلى المشاركة في حملة إيقاظ النائمين بالضرب على الصفائح، وفي الأندية ورغم رمضان يستمر لعب الورق، ذلك رغم تحذيرات عدد من أئمة المساجد الذين ينادون بأن يكون للشهر الكريم روح العبادة وحسب، لكن أحد الأندية يكسر القاعدة وينظم مسابقة في الليل طابعها ديني ويوزع فيها بعض الهدايا الزهيدة كما يقول الأهالي ولكنها مقبولة لهم على أية حال، حيث يتجمع عدد من الصبية والصبيات بوجه خاص اللائي يبرعن في ابتكار الإجابات والفوز بالهدايا لتعود كل منهن بكيس إلى البيت يكون فيه رطل من السكر أو الشاي أو قمر الدين المستورد ويقال إن ثمة من تبرع بهذه الهدايا لوجه الله ولن يفصح عن اسمه، هكذا يتكلم شاب في الميكروفون الذي يمسك بأسلاكه وهو يتمايل يمينا وشمالا ويكون صوته مسموعا في عموم الحي تقريبا، حتى أن بعض النسوة يتابعن من داخل البيوت المسابقات ويتفاعلن مع الإجابات ويتخيلن الهدايا. رغم القول بعدم الإفصاح عن الاسم إلا أن الجميع يعرف من هو صاحب الهدايا، وهذا طبيعي وعادة. وإذا فرغ الشباب من "الدافوري" الليلي سوف يتوجهون إلى ساحة النادي الضيقة ويتابعون الشاب الواقف في المسرح وهو يكرر السؤال ويشير لأحد البنات، "أنت.. بتعرفي الإجابة؟".
وترى أحد العابرين من القرى المجاورة وهو في طريقه إلى السوق وقد وقف أعلى ظهر حماره ليتابع من وراء الحائط، ويكون له أن يستقيم الظهر والوقفة والحمار يطيع الأمر ولن يسقط صاحبنا إلا أن ينتهي المشهد ويكون قد ضرب على الدابة بالسوط وانطلق بها ليلحق الدكاكين قبل إغلاقها ليشتري ما شاء من الأغراض التي نسي أن يحضرها ليلة أمس أو تم طلبها اليوم من الأسرة، فالعادة أن الطلبات لا تتوقف، كما أن النساء لابد لهن ان يتسابقن في فنون الطلب في رمضان بشكل خاص.
في زاوية أخرى وفي مشاهد الليل الرمضاني يجلس بعض من كبار السن في أحدى زاويا المنازل حيث العتبات المرتفعة المبنية بالطين والتي تعرف بالدكات حيث يقضون الوقت في المسامرة والحديث حول أمور متفرقة في الحياة وهم يردون السلام على المارة، ولأن أغلبهم ضعيف الرؤية فلابد أن يتساءلوا عندما يرد صبي أو صبية أو إحدى النساء من على البعد، ليتبادلوا المغالطات من يكون هذا العابر؟ هل هو فلان ابن فلان؟ أم فلانة بنت فلان؟ وهذا يكسب الجلسة متعة الاختلاف التي لولاها لم يعد لهذه المساحة من الوقت أن تكون ممتعة أبدا وحيث يتوقف طفل صغير السن لينادي على أحد الرجال بأن القهوة قد جهزت، لكن الرجل لن يذهب حيث سينادي بصوت عال لأحد الشباب أو الصبية الكبار العابرين ليتناول الصينية بما عليها من المرأة التي تقف عند الباب وهي تخجل أن تتقدم ليراها الرجال، والغريب أنها بعد قليل سوف تعبر من أمامهم أو هي عبر فعلا وهي تمازح أحدهم عن أمر ما ليكون أيضا موضوعا للحديث في هذا الليل الرمضاني ذي الطعم الخاص.
وهكذا تصنع الحياة صورها الحية لزمان يكاد يتبدل، جداريات تلك السنوات التي تشبه الحلم، ويمضي الرجال يكبرون بعضهم يموت، والشباب يكبرون وبعضهم يهاجر، والصبيات يتزوجن ويصبحن أمهات ومنهن من يفارقن البلدة التي خلت أغلب بيوتها في العقود الأخيرة بسبب تبدلات الحياة حيث يندر أن تجد المشاهد التي نتحدث عنها مع هجرة أغلب السكان إلى العاصمة بحثا عن الرزق الأفضل والخدمات، ولكن هل ستكون الحياة هناك أفضل، بعد قليل من السنوات سوف يكتشف الكثيرون أن الحياة لعبة التجريب المريرة وأن أجمل ما يتبقى منها هو تلك الذكريات الخالدة.. يجلس رجل في بيت صغير مستأجر، محاط بالعمارات السامقة في الخرطوم وهو يحاول ممارسة فن التذكر، دون أن يكون الحنين قادرا على ترتيب الحياة من جديد أو ملء الثوب العميقة التي كان الزمن قد خلفها فعلا وحيث يصعب التراجع إلى الوراء إلى ذكرى ذلك اليوم الأول من رمضان قديم، كان للزمن صورة أخرى غير الآن.. صورة يحاول المرء الإمساك بها فتصبح مجرد اشتياق ولوعة.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1205

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عماد البليك
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة