وللأسفارِ فوائدٌ كثرُ ..
06-26-2015 02:33 PM


image

تَغَرَّبْ عَنِ الأَوْطَانِ فِيْ طَلَبِ العُلَى وسافِرْ ففي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِـدِ..
تَفَرُّجُ هَـمٍّ، واكتِسَـابُ مَعِيْشَـةٍ وَعِلْمٌ ، وآدابٌ، وصُحْبَـةُ مَاجِـدِ..
فإن قيلَ في الأَسفـارِ ذُلٌّ ومِحْنَـةٌ وَقَطْعُ الفيافي وارتكـاب الشَّدائِدِ..
فَمَوْتُ الفتـى خيْـرٌ له مِنْ قِيامِـهِ بِدَارِ هَـوَانٍ بيـن واشٍ وَحَاسِـدِ ..

هذه الأبيات قالها بحكمته المعهودة وبعد نظره الثاقب الإمام علي بن ابي طالب كرّم الله وجهه.

لعمري أنها كلماتٌ تُغني عن مكتبة كاملة عامرة بكل صور وحروف المعارف و نبض الوان المعاني .. فهي إستشراف صادقٌ وواقعي لزمان أتانا من ثنايا عقل ذلك الورع العبقري القاري لسطور التطور بكل ما حملت تلك المتون العميقة المضمون والمتجددة المكنون .!
السنا نعيش في زمان لو قبع الإنسان منكفئاً على ذاته المنكسرة داخل أوطانه لمات ذلاً .. فخرجنا لصحبة الأماجد بحثاً عن العلى وتفريج الهم الكامن في النفوس المغبونة .. تلمساً لعيش كريم في كنف الكرام هرباً من مرارة اللقمة في موائد اللئام .. بل ان إرتكاب الشدائد لم يثنِ الهاربين من جحيم اهل القربى من الوشاة والمتسلطين بالحسد لمن هم ارفع منهم علماً وخبرة عملية ودراية بشئون الحياة منتهكو حرمات العفيفات من كلاب السلطان الجائر في كثير من اركان إقليمنا المنكوب عن ركوب البحر وإن كان المصير في أغلب الأحيان الإنتهاء لقمة في جوف الموج وبطون الحيتان !
ومع معطيات الحداثة و تقاطع المصالح و تقارب المسافات و توفر وسائل التواصل لعل فوائد السفر قد تضاعفت كثيراًبل ويصعب عدها في عجالة تختزل على المستوى الشخصي اربعين عاماً في بلادٍ كما قال شاعرنا الفحل الدكتور بدري عمر الياس له التحية .. جئناها والعودُ منا أخضرُ .. و هانحن نعيش فيها والعودُ منها أخضرُ .
من بلاد الخليج كانت السوانح متاحة لنا لركوب بساط الريح فجبنا القارات شرقاً وغرباً ..حط بنا الرحال في كل دول المنطقة ذاتها قطر والبحرين و الكويت وعمان وأرض الحرمين .. ثم عرجنا على بلاد العجائب الهند التي يركب أهلها الأفيال وأنت ترى فيها من قبح الطبقية ما يمسحه عن عينيك جمال ما بعده جمال في قسمات نساءٍ تحسبهن من عالمٍ آخر و أشجار وأزهار وطبيعة تظن انك تشق فردوساً في الدنيا وأنت تمر مشدوهاً بالوانها ويملاء رئتيك فوح عرفها..!
وحينما نستريح في زهرة المدائن الأفريقية أديس ابابا وهذه هي ترجمة إسمها من الأمهرية أو قل مدينة الزهور ونحن في طريقنا الي الوطن في إجازات قد تتباعد أو تتقارب فترى وجوه أهلها السمراء منبسطة الأسارير .. فلا عينُ الشمس تغشاها بصرة حجيمها اللافح ولا الغيم الذي يلامس هامات الجبال يمسك عن إرسال رذاذه لترطيب الصباحات بقبلات النشوة والترحاب .. وحينما نلمس أنها بلاد لا تعرف مكيفات الهواء ولا مراوح السقف ولا يصدع فيها صوت الرعد إو تعمي بصرها الكتاحة ايذانا بقدوم المطر ..رغم المسافات الفاصلة بينها وتخومنا الملاصقة لها.. نتحسر كثيرا على قسمة المناخ التي ظلمتنا أو كما قال أحد الظرفاء .. هم أخذوا واجهة مكيف الفيريون البارد ة الشهيق وأخذنا نحن ما يخرج من مؤخرته من زفير يمزق الوجوه !
ومن ثم ركبنا جناح الطائر الميمون الى اروبا التي افاقت من ضربة الحرب الثانية قوية .. فبنت صروح تقدمها بالعقول والأيد في اقل من ربع قرن وأكتسحت صناعاتها وثمرات علمها كل جوانب الدنيا .. بينما كانت خطى أوطاننا تتثاءب في خدر الرجاءات المطاطة و التمنيات الهلامية والشعارات الظلامية !
إننا بإغترابنا الطويل التيلة لم نخرج من أوطاننا فحسب بل كان خروجنا إنعتاقاً من الإنغلاق على دواخلنا التي لم نكن نرى بأعيننا غيرها ولم تصغِ مسامعنا لغير صوتها .. فأدركنا أن مساحة النظر لابد أن تتسع لآن في الدنيا من هو فخور بذاته أكثر منا و لابد أن نفتح المسامع لتستوعب نغمات الآخرين لآن فيها مايطرب الوجدان بذات القدر الذي يجعله يتراقص مع إيقاعات خطى لحوننا !
هي فوائد تزداد مع إندياح أفاق العقل وإنفتاحه حيال الآخرين .. و تجاه الغد دون الإنزواء ووضع السبابة عند الصدغ تغنياً بالماضي دون العبور من الحاضر المتكلس .. فالأمر يتطلب حركة خارج فجاج النفس إنسياباً مع نهر الحياة الدافق بتجدد الموج وليس ركوناً الى الركود في بركة الخنوع أو التجمد !
وجمعة رمضانية سعيدة على الجميع وفي كل مكان .
[email protected]


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 3358

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1293179 [بت البلد]
5.00/5 (1 صوت)

06-26-2015 06:13 PM
أبدعت وصدقت يا أستاذ: ألم يقل الله سبحانه وتعالى (وامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه)

[بت البلد]

ردود على بت البلد
European Union [ود الحاجة] 06-27-2015 09:20 AM
قال تعالى : "هو الذي جعل لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه و اليه النشور "

و ليست ( و امشوا)


محمد عبد الله برقاوي..
محمد عبد الله برقاوي..

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة