المقالات
منوعات
السجل - قصة قصيرة
السجل - قصة قصيرة
07-01-2015 03:24 AM


كانت حجرة الفصل متسخة بشكل لا يصدق ، تعج بالأوراق المتناثرة ، و بقايا الرغيف ، و أقواس حديدية ملقاة كان يستخدمها الأطفال فى حروبهم الوهمية عندما دلف الأستاذ "نادر" بملابسه الرثة الباهتة. كانت تبدو على وجهه علامات الاستياء ، و هو يعود من مكتب المدير !!
آخر مرة دلف فيها الأستاذ " نادر " إلى غرفة الدراسة الأثيرة إلى قلبه كانت قبل شهرين . وقتها قاطعه شيخ جليل جاء برفقة صبى لينضم إلى الفصل . قدر الأستاذ "نادر" أن الصبى هو حفيد الشيخ ذى اللحية البيضاء الناصعة ، إذ من المستحيل أن يكون إبنه . لفتت انتباهه عينا الصبى اللامعتان بذكاء نادر ، و بشقاوة محببة . عرف من الشيخ أن الصبى يحفظ أجزاء كاملة من كتاب الله ، و يعشق الشطرنج و يغنى لمحمد وردى . و مع مرور الأيام توثقت الصلة بين الأستاذ "نادر" و " عمر " – الصبى الجديد _ فأصبح الأخير لا يكاد يجد فرصة إلا و يركض إلى مكتب المعلمين ليحي أستاذه الأثير . لكن قبيل أسبوعين أضطر الاستاذ " نادر " أن يسافر إلى قريته بسبب وفاة أبيه المفاجئة . و الحق أنه غادر المدرسة حانقا من مديره الذى رفض أن يسلفه فلسا ، رغم علمه بحادثة الوفاة . و مما زاد الطين بلة أن المدير زعم أن المرتبات لم تصل الى المكتب الريفى بعد ، رغم أن الشهر قد انقضى و مرت من الشهر الجديد سبعة أيام بلياليها .
" إزيكم يا أولاد . كيفكم ؟ " هكذا حى الأستاذ "نادر" طلابه فهللوا فرحين و اندفعوا إليه و هم يصيحون بصوت واحد " بخير يا أستاذنا الجليل و حمد الله على السلامة " .
لم يركض "عمر" إلى معلمه كبقية الصبية ، بل وقف فى آخر الفصل و عيناه تبرقان و هتف " المفروض يا أستاذ تقول "السلام عليكم" ، مش إزيكم ". إبتسم الأستاذ و قال و هو يضع كتبه على الطربيزة المتسخة أمامه " برضو إزيكم تحية . كيفك يا عمر ؟ و كيف أبوك و أمك و إخوانك ؟ " . رد "عمر" و هو يتقدم إلى الأمام دافنا جسده الصغير بين يدى أستاذه " هم بخير و بسلمو عليك " ، ثم أردف بعد ثوانى صمت و عيناه تلمعان " أتذكر شيخنا فى الخلوة قال لينا لو قلتو "السلام عليكم و رحمة الله و بركاته " الله بديكم عشرة حسنات " . إبتسم الأستاذ "نادر " و هو يكتب على السبورة " فوائد الخضروات " ، بينما تراجع "عمر " إلى صفه الخلفى . هتف صبى فى مقدمة الفصل " الخضروات دى شنو ؟ " . و قبل أن يجب الأستاذ ، هتف صبى آخر كان يجلس قرب النافذة القصية " زى العجور و التبش و الطماطم يا غبى " . ضج الفصل بالضحك . بدأ الأستاذ فى شرح الدرس . فجأة ، رفع " عمر " يده بورقة عليها إشارات كثيرة ، و قال بصوته الجميل " أستاااااذ " . كف الأستاذ "نادر" عن الشرح و قال و هو يرخى نظارته إلى خديه ليرى بوضوح " ماذا يا عمر ؟" ركضالأخير إليه و هو يمد يده بالورقة . تناولها الأستاذ ، و تأمل العلامات لثوانى ، ثم رفع رأسه مستفسرا ، فسأله "عمر" فى براءة " عرفت ديل شنو يا أستاذ" نادر " ؟ " . أجاب الأستاذ بابتسامة " لا ما عرفت و الله يا عمر " . رد "عمر " ديل الحسنات الجمعتهم الليلة " .إرتفع حاجبا الأستاذ إلى أعلى و هو يردد " حسنات ؟ " هز عمر رأسه موافقا و استطرد " كلما أسلم على زول أشخت شخيت . و بى كده أعرف عدد الناس السلمت عليهم . و أضرب العدد فى عشرة ، أشوف أنا جمعت كم حسنة " . ضحك الأولاد ساخرين ، بينما تأمل الأستاذ "نادر " عمر فى إعجاب صارخ لدقيقة . استطرد الصغير و هو يعد على أصابعه " شوف يا أستاذ "نادر" أنا لو عشت خمسين سنة ، و فى كل يوم بسلم على عشرين زول بس ، بجمع حسنات ( ثم و هو يفرد ذراعيه الصغيرتين على اتساعهما ) كتييييرة !
فجأة ، خطرت فكرة غريبة على ذهن الاستاذ "نادر" ، فجمع أوراقه بسرعة ، و خرج من الفصل و هو يتمتم " لازم أشوف المدير ضرورى " .
جلس الناظر وراء مكتبه و هو يتأمل الورقة التى قدمها له الأستاذ "نادر" . بعد دقيقة صمت ، تساءل "المدير " ما هذا ؟ " . رد الأستاذ "نادر" " هذا ضميرك " . ردد المدير بدهشة و تبلد " ضميرى ؟ " . " نعم ، أكتب عليها كل إنجازاتك كراع لهذه المؤسسة ، أو بلغة "عمر" كل حسناتك" . سجل إنجازاتك يوميا هنا ، و اضربها فى أيام عمرك ، نعلم إن كنت مديرا فاشلا أم ناجحا " . ألقى المدير بالورقة على الطربيزة ، ووقف و هو يزأر " إنت مجنون ؟ " لمعت عينا الأستاذ "نادر" و هو يمسك بالورقة فى يده كخشبة يتمسك بها غريق " بالعكس ، أنا يا دابى عقلت ، دايرين نعرف قروش المدرسة دى بتمشى وين ، مصاريف الأطفال بتمشى وين ، و مرتباتنا بتتأخر ليه ؟ "
نادى المدير الغفير كى يخرج الأستاذ "نادر" من مكتبه . لكن الأخير ثبت أقدامه على الأرض فى حزم ، بينما لمعت عيناه ببريق غريب !!!
...............
مهدى يوسف ابراهيم
جدة
mahdi_yousif@yahoo.com


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 2111

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




مهدى يوسف ابراهيم عيسى
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة