المقالات
السياسة
الضباط الأحرار والرفاق: الحزب الشيوعي السوداني ونميري وجها لوجه 1969 – 1971م (2)
الضباط الأحرار والرفاق: الحزب الشيوعي السوداني ونميري وجها لوجه 1969 – 1971م (2)
07-02-2015 12:41 AM

الضباط الأحرار والرفاق: الحزب الشيوعي السوداني ونميري وجها لوجه 1969 – 1971م (2)
The Free Officers and the Comrades: The Sudanese Communist Party and Nimeri Face to Face 1969 – 1971 (2
ألان غريش Alain Gresh
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي

مقدمة: هذا هو الجزء الثاني والأخير من ترجمة لبعض ما جاء في مقال للصحفي الفرنسي ألان غريش (1948م -) عن المواجهة التاريخية بين نميري والحزب الشيوعي بين عامي 1969 و1971م تم نشره بالعدد الحادي والعشرين من المجلة الدولية لدراسات الشرق الأوسط والصادر في عام 1989م.
وكاتب المقال، بحسب ما ورد في موسوعة الويكيبيديا وموقع "لوموند السياسية" هو ابن الشيوعي المصري الأشهر هنري كورييل (مؤسس الحركة المصرية للتحرر الوطني)، والذي طرد من مصر عام 1950م وقتل غِيلةً بباريس في 1978م. ولد الكاتب بمصر وأرتحل لباريس ليدرس الرياضيات واللغة العربية، وأنجز دبلوما في اللغة العربية، وقدم رسالته لنيل درجة الماجستير في الرياضيات، ودرجة الدكتوراه عن منظمة التحرير الفلسطينية. ونشر الرجل، منفردا وبالاشتراك، عددا كبيرا من الكتب والمقالات عن الإسلام والعرب والشرق الأوسط.
المترجم
*********** *********** ***********

في يوم 18 نوفمبر، وبينما كان المكتب السياسي للحزب الشيوعي يستعد لحسم موقفه، أخبر عمر المهدي (لعل المقصود عمر م. المكي. المترجم) المجتمعين بأن التغيير الوزاري لن يحدث، فجمد المكتب السياسي مطالبه. غير أن نميري أصدر قرارا في 28 نوفمبر أعلن فيه توليه لرئاسة مجلس الوزراء. وجاء ذلك الإعلان بصورة مفاجئة لم تترك للحزب الشيوعي فرصة فعل شيء إزاء تلك الخطوة في اتجاه اليمين، خاصة مع تزايد سيطرة الجيش على الحكومة، وقدرة المؤيدين للضباط الأحرار من أعضاء المكتب السياسي (رغم أنهم أقلية) على مواجهة استراتيجيات الأغلبية بسبب مواقعهم العليا في الحزب وفي الوزارة. ولم تنعقد اللجنة المركزية للحزب مرة أخرى بعد اجتماعها في أغسطس 1969 إلا في مارس من عام 1970م، حيث تم في ذلك الاجتماع تأجيل موعد اجتماع القيادة لحسم الصراع في الحزب إلى أغسطس 1970م. غير أن "أزمة أكتوبر" كانت قد عضدت من موقف عبد الخالق محجوب، والذي كان يرمي إلى التخلص ممن كان يسميهم "العناصر اليمينية " في الحزب. وفي تلك الأيام اهتز السودان بأحداث أخرى زادت من التوتر بين نميري والحزب الشيوعي.
وقع في 28 مارس 1970م تمرد في الجزيرة أبا معقل الأنصار التقليدي (والتي تبعد نحو 150 كيلومترا جنوب الخرطوم) صار نقطة تحول في تاريخ الحكومة. وقاد ذلك التمرد زعيم الأنصار الهادي المهدي بالتحالف مع الإخوان المسلمين. وقامت الحكومة بمواجهة ذلك التمرد بعنف أسفر عن مقتل المئات ومنهم الهادي المهدي نفسه. وخرج نميري من تلك المواجهة منتصرا، وزاد التأييد الذي ظفر به من الحزب الشيوعي والنقابات من شعبيته وسط الجماهير. وأصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في التاسع والعشرين من مارس بيانا دعت فيه الجماهير لـ "مساندة القوات المسلحة في مواجهتها لقوى الرجعية المسلحة" ونادت بـ "تسليح الجماهير"، ودعت عضوية الحزب لجمع السلاح من أجل ذلك.
ونظم الحزب الشيوعي مسيرة ضخمة لتأييد الحكومة في اليوم الذي أعلن فيه عن هزيمة التمرد.
ولكن بعد يوم من هزيمة الأنصار في أبا اعتقلت السلطة المايوية عبد الخالق محجوب وأرسلته لمصر منفيا يوم 3 أبريل. ومن المفارقات العجيبة أن الطائرة التي حملت عبد الخالق أقلت أيضا الصادق المهدي رئيس حزب الأمة، الجناح السياسي لطائفة الأنصار. أيكون نميري قد نفى زعيم الحزب الشيوعي بسبب عدم حماسته لضرب الجزيرة أبا، كما زعم البعض؟ لا أعتقد لك، فقد قدم الحزب الشيوعي أقصى ما يستطيع من أجل تأييد النظام في أيام تلك الأزمة، وساند الحكومة في حملتها للقضاء المبرم على "قوى اليمين الرجعي المسلح"، بحسب ما جاء في كتاب فؤاد مطر المعنون "الحزب الشيوعي السوداني نحروه أم انتحر". وصرح لاحقا وزير في الحكومة بأنه ما ممن علاقة بين نفي عبد الخالق لمصر وأحداث الجزيرة أبا.
وفي رأيي أن نفي نميري لزعيم الحزب الشيوعي السوداني إلى مصر كان بسبب رغبة نميري في كسب جولة ضد من كانوا يقولون – في داخل البلاد وخارجها – أن النظام قد مال وبقوة لليسار بأكثر مما يجب، وأيضا بسبب رغبته في مكافأة الشيوعين المؤيدين لقيادته والمعارضين لجناح عبد الخالق. وكان لتردد المكتب السياسي واللجنة المركزية للحزب الشيوعي في حسم أمر تأييد أو معارضة انقلاب مايو بصورة جلية دورا في جعل نميري يعتقد بأن إبعاد عبد الخالق عن السودان سيعمل على ترجيح كفة المعارضين لاستراتيجية زعيم الحزب تجاه انقلاب مايو.
وكان جعفر نميري قد ذكر في بيانه صباح يوم 25 مايو بأن "الأحزاب السياسية قد وضعت نفسها في دائرة الإمبريالية". وكانت تلك الجملة تلخص كل تفكير نميري. ولعله كان يقصد بها في الأساس الأحزاب التقليدية، وربما الحزب الشيوعي أيضا، والذي كان يومها حزبا محظورا. وعاد نميري، رجل الانقلاب القوي، مررا وتكررا لفكرة إقامة حزب / تنظيم واحد على غرار الاتحاد الاشتراكي المصري الذي أنشأه عبد الناصر، والذي يفترض أن يضم كل القوى التقدمية في مصر.
وفي 31 مايو1969م أعلن نميري أن تكوين "تنظيم سياسي" هو أمر مطروح على طاولة البحث، وسيشكل ذلك التنظيم من كافة المجموعات ذات المصلحة المشتركة في حماية الثورة ودعمها. وبدأ العمل في كتابة "الميثاق الوطني" على النسق المصري، وتأخر نشره حتى الأول من يونيو 1970م حين طرح للنقاش كمقدمة لخلق حزب / تنظيم جديد يضم كل "الثوريين".
واتخذ الحزب الشيوعي موقفا حذرا من ذلك الاتجاه عند نميري، ولكنه لم يقاطع لجنة صياغة "الميثاق الوطني" ولم يستبعد تكوين "جبهة" حول ذات فكرة الميثاق. غير أن عبد الخالق محجوب ورفاقه كانوا يرفضون رفضا باتا مجرد التفكير في حل الحزب الشيوعي، ولا يودون أن يكرروا الخطأ الذي ارتكبه الحزب الشيوعي المصري بقبوله بحل نفسه في 1965م (رغم أن الحزب الشيوعي السوداني ذاته كان قد أيد حل الحزب الشيوعي المصري لنفسه في ذلك العام). وقال عبد الخالق محجوب في العاشر من يونيو 1970م في حوار له مع صحيفة الأنوار من مقر نفيه بالقاهرة إن التنظيم الجديد يجب أن يكون على صورة "جبهة" أو "أي شكل مرن آخر". وسبق لعبد الخالق نشر بيان طويل في فبراير 1970م شرح فيه الأساس الذي سيقوم عليه "مؤتمر الكادر" في أغسطس 1970م، وعما يجب عمله لتحويل 25 مايو من "انقلاب" إلى "ثورة شعبية حقيقية"، ورفض فيه حل كل الأحزاب باعتبار أن ذلك يعكس رؤية خاطئة وفهما مغلوطا لطبيعة المرحلة الانتقالية التي تعيشها البلاد في زمن يتعمق فيه النضال الاجتماعي والطبقي.
كان تساؤل عبد الخالق يدور حقيقة حول: من سيقود العملية الثورية؟ علما بأنه كان لا يخفي إيمانه بأن القيادة يجب أن تكون للحزب الشيوعي والطبقة العاملة. وفي تلك الأحوال والظروف كانت أي محاولة لحل وسط أو تسوية مع نميري بالضرورة أمرا هشا و/ أو مؤقتا. وتطور ذلك الصراع لدرجة أوضح عندما عارض الحزب الشيوعي مقترح الاتحاد بين السودان ومصر وليبيا والذي كان قد قدم في 8/11/1970م، وأصدر المكتب السياسي للحزب بيانا انتقد فيه الأوضاع السياسية في مصر نقدا حادا، وأتهم مصر بـ "معاداة للماركسية" وبأنها "دولة بيروقراطية ذات نظام بوليسي غير ديمقراطي"، وأشار لضعف الاتحاد الاشتراكي العربي، وعدم وجود حزب طليعي ثوري بالبلاد.
وفي تقييمه للتجربة المصرية ذكر محمد إبراهيم نقد، عضو المكتب لسياسي للحزب الشيوعي (والأمين العام للحزب بعد اعدام عبد الخالق محجوب في 28 /7/ 1971م وحتى وفاته في 22/3/2012م. المترجم) في رسالة نشرتها المطبوعة اللبنانية اليسارية "الحرية" في يوم 15/ 2/ 1971م أن الشيوعيين المصريين قاموا بحل حزبهم وانضموا للاتحاد الاشتراكي العربي أملا في تكوين تنظيم طليعي يوحدهم مع الناصريين على أساس القواعد العامة للاشتراكية، ولكن تلك تجربة لا علاقة لها بالسودان، ولا يريد الحزب الشيوعي السوداني أن يسلك ذات الطريق، وأن الحزب الشيوعي يعترف بخطئه في تعضيده للحزب الشيوعي المصري في قراره بحل نفسه. وكانت تلك الرسالة تهدف لشجب وإدانة من قاموا بـ "حل وتصفية الحركة الشيوعية في مصر" و"نزع سلاح الحركة العمالية" و"إخضاعها لحزب البرجوازية الصغيرة التقدمية".
وكان رأي نقد في هذا الشأن مخالفا لرأي الحركة الشيوعية العالمية (والسوفيتية بنحو خاص) والتي كانت تصف مصر بأنها قطر يسير على درب الاشتراكية، ومعارضا لمنهج الاتحاد السوفيتي والقاضي بإخضاع الأحزاب الشيوعية العربية المحلية لتقلبات العلاقات السوفيتية مع الأنظمة العربية. وعجزت الدول الاشتراكية عن فهم "تحفظات" الحزب الشيوعي السوداني على نظام نميري، خاصة بعد اتخاذ ذلك النظام لعدد من القرارات الدبلوماسية كان منها الاعتراف بجمهورية ألمانيا الديمقراطية وجمهورية فيتنام الديمقراطية وكوريا الشمالية، وتدعيم العلاقة مع الاتحاد السوفيتي بزيارة نميري له، والتحالف مع مصر. وبالنظر إلى ما ذكر فلم يكن من المستغرب أن يقف الاتحاد السوفيتي مع جناح معارضي عبد الخالق.
وفي يوليو من عام 1970م عاد عبد الخالق للخرطوم بوساطة من جمال عبد الناصر، والذي كان على علاقة طيبة به. ورغم وضع عبد الخالق تحت الإقامة المنزلية الجبرية إلا أنه أفلح في عقد مؤتمر لكادر حزبه القيادي في يوم 21/8/1970م حضره 113 من الأعضاء البارزين، و32 عضوا من اللجنة المركزية، و17 من الكادر الدائم، و41 مندوبا منتخبا من 25 منطقة، و23 من ممثلي مكاتب اللجنة المركزية والشيوعيين العاملين بالمنظمات الشعبية. وكان ذلك الاجتماع اجتماعا حاسما انتصر لعبد الخالق على معارضيه. فقد أيد أكثر من 80% من الحاضرين النقاط التي دفع بها عبد الخالق، وأهمها أن السودان يمر الآن بمرحلة "ثورة ديمقراطية وطنية" تحتاج إلى "جبهة ديمقراطية وطنية تمثلها خمس فئات"، ولا يجب أن تعد مرحلة "اشتراكية". وبالنظر إلى ظروف السودان (بخصائصه الوطنية والسياسية والقبلية والاجتماعية، وطبقاته المختلفة) فلا يمكن أن يقوده تنظيم واحد، حتى وإن كان ذلك التنظيم هو الحزب الشيوعي نفسه. وذكر عبد الخالق إن الحاجة الآن هي لنظام متعدد الأحزاب يمكن أن تلعب فيه الطبقة العاملة وحلفائها دورا قياديا. وهذا هو الشرط اللازم لبدء السير في طريق الاشتراكية.
ورفض المجتمعون اقتراح نميري بإنشاء تنظيم جامع واحد، وأيدوا ما قدمه عبد الخالق من أُطْروحات. وكنوع من التنازل الضئيل لـ "اليمينيين" في الحزب أقر المؤتمر أيضا بأن "بعض الدوائر في الحكومة هم تحت تأثير أفكار الديمقراطيين الثوريين في العالم العربي، خاصة في الجمهورية العربية المتحدة". ورغم أن المؤتمر أيد قرارات نميري الاقتصادية في مجال التأميم والمصادرة، إلا أنه انتقد إنجازاته الديمقراطية، وطالب بإشاعة الدمقراطية في القطاع العام، وتطوير الديمقراطية في أوساط "الجماهير العاملة" خاصة في الريف، وتطوير العمل في أوساط الجماهير، وحتى تسليحها.
وكان عبد الخالق، ورغم انتصاره في ذلك المؤتمر، يريد أن يمضي لأبعد من ذلك وإبعاد كل "العناصر اليمينة" من قيادة الحزب (إذ كان هنالك 12 من تلك "العناصر اليمينية" من جملة 32 عضوا في اللجنة المركزية واثنان في المكتب السياسي والبالغ عدد أعضائه ثماني) والتي كان بمقدورها - وبعون من نميري وحكومته - تخريب قرارات الحزب مثلما ما حدث في أكتوبر 1969م/ وكشف مخططاته للسلطات. وكانت تلك "العناصر اليمينية" تسيطر أيضا على مجلة الحزب النظرية "الشيوعي" وعلى مكتب العلاقات الخارجية به.
وهنا تدخل السوفييت للوساطة بين جناحي الحزب الشيوعي. وكان طلب "وساطة" الحزب الشيوعي السوفيتي في صراعات الأحزاب الشيوعية أمرا شائعا (مثلما حدث في الستينيات وبداية السبعينيات مع الحزب الشيوعي الإسرائيلي والحزب الشيوعي السوري). وأتت استجابة الحزب الشيوعي السوفيتي للوساطة في صراع الجناحين بالسودان استجابة لطلب من معاوية إبراهيم مسئول العلاقات الخارجية بالحزب وأحد كبار المعارضين لجناح عبد الخالق. وأرسلت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي رسالة طويلة لنظيره السوداني في أكتوبر 1970م، كانت عباراتها مغلفة بدبلوماسية ناعمة، إلا أنها كانت في الواقع مؤيدة للجناح "اليميني" في الحزب. فقد ورد في تلك الرسالة الإشارة لأن ثورة مايو (وكان عبد الخالق يرفض إطلاق كلمة "ثورة" على مايو) في غضون عمرها البالغ ثمانية عشر شهرا قد أنجزت كثيرا من برنامج الحزب الشيوعي في السياسة الداخلية والخارجية، وأن الحزب الشيوعي (السوفيتي) قد تبنى سياسة تقضي بتقوية العلاقات مع حكومة السودان الديمقراطية، والتي وضعت السودان في مقدمة الثورة العربية الوطنية الديمقراطية. ودعا الحزب الشيوعي السوفيتي جناحي الحزب الشيوعي السوداني لنبذ الشقاق والتوحد، وتحاشي اتخاذ قرارات متعجلة قد تقضي على وحدة الحزب. وختمت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي رسالتها بتمني أن تجد مناشدتها تفهما وآذانا صاغية من جناحي الحزب.
ورفض عبد الخالق الاستجابة لتلك الرسالة ومضى في سعيه للتخلص من معارضيه، وكانت رسالة اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي تلك هي نقطة البداية في تدهور مضطرد للعلاقات بين الشيوعيين السودانيين وموسكو. وفي مايو من عام 1971م صرح بعض مسئولي الحزب الشيوعي السوفيتي للحزب الشيوعي السوري بأنهم لا يفهمون موقف عبد الخالق محجوب. وعقب انقلاب يوليو 1971م أدان بيلاك، الرجل الثاني في قيادة الحزب الشيوعي التشيكي، في رسالة سرية، الحزب الشيوعي السوداني لتصرفه بعدم مسئولية. وسارع السوفييت بإعادة علاقتهم مع نظام مايو على المستويين الرسمي والشعبي عقب حملته العنيفة ضد الشيوعيين من جناح عبد الخالق. ولم تتدهور العلاقات بين البلدين إلا بدءا من عام 1977م حين انضم نميري للحلف المصري – الأمريكي.
ثم بدأت المواجهة التي كان لا مناص من وقوعها. وكانت مراكز السلطة التقليدية قد ضعفت بفعل القمع الحكومي فنأت بنفسها عن نزاع الحزب الشيوعي، فتصارعت القوتان: نميري وجماعته، والحزب الشيوعي. ورغم اتفاق الطرفين على بعض النقاط، إلا أن أهدافهما الاستراتيجية كانت متناقضة، أو على الأقل مختلفة. فعلى إثر هزيمة عبد الخالق محجوب لجناح الحزب اليميني قام نميري باعتقاله، وقام أيضا بطرد ثلاثة من أعضاء مجلس قيادة الثورة (في 16/11/1970م) بتهمة ارتباطهم بالحزب الشيوعي. وأدان الحزب الشيوعي في بيان له في ذات اليوم "العناصر اليمينية" في النظام، وطرقها الانقلابية putschist في حسم الخلافات بين الثوريين. ورغم لك بقي الطرفان يتحاشيان مزيدا من التصعيد، بل وصرح جوزيف قرنق، وزير شئون الجنوب وعضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي بأن "... الشيوعيين ما زالوا يعدون مايو نظاما وطنيا تقدميا، رغم بعض التحفظات على بعض عناصرها، ولكن هذا لا يمنعنا من تحذير الحكومة من المسار الخطر الذي أتبعته بطرد عدد كبير من الشيوعيين من مناصبهم، وإبعادهم لثلاثة من أعضاء مجلس قيادة الثورة، نعدهم من أصدقائنا...".
وأتى رد نميري سريعا. فقد أتخذ من توزيع الشيوعيين لمنشورات ترفض زيارة موبوتو رئيس زائير للسودان في فبراير 1971، فدعا لحل الحزب الشيوعي. وقام نميري أيضا بحل كل "المنظمات الشعبية" التي كان يعتقد أنها تتبع للحزب الشيوعي واعتقل كل كوادر الحزب الشيوعي. وأخير أعلن نميري في احتفالات عيد مايو (25/5/1971م) عن قيام الاتحاد الاشتراكي السوداني تنظيما سياسيا وحيدا بالبلاد. وكانت تلك الإجراءات محل تأييد السادات، والذي حل رئيسا لمصر عقب وفاة عبد الناصر، وهزم لاحقا ما سماه مراكز القوى في "ثورة التصحيح" في 15 مايو 1971م، مما جعل المناخ العام بالسودان وفي المنطقة غير مُواتٍ للشيوعيين، خاصة بعد وفاة عبد الناصر، واتجاه مصر (بقيادة السادات) نحو اليمين، ومعاداة القذافي العنيفة للشيوعية. وترك فصل عبد الخالق لعدد من قادة الحزب المعارضين لسياسته تجاه مايو غصة ومرارة عند المفصولين جعلتهم يبلغون حد التبليغ عن رفاقهم القدامى عند الشرطة. ورغم فصل المعارضين لسياسة عبد الخالق من الحزب، إلا أن مصاعب ذلك الحزب الأيديلوجية لم تختف رغم كل شيء. ولا شك أن نميري كان يدرك تمام الادراك مشاكل ومصاعب الحزب الشيوعي، ووجد له (لاحقا) حليفا مرحليا (ولكنه عالي الكفاءة) في الإخوان المسلمين. وأصدر الحزب الشيوعي وظهره للحائط بيانا في 30 مايو 1971م بعنوان "الحزب الشيوعي يرفض طريق الديكتاتورية ومعاداة الشعب" أدان فيه ديكتاتورية الجيش والشرطة، ودعا إلى بناء سلطة الجبهة الوطنية الديمقراطية".
وفي يوم 29 يونيو 1971م هرب عبد الخالق محجوب من محبسه، والذي كان قد قضى فيه شهورا عديدة، وأفلح في الاختباء في مقر قائد الحرس الجمهوري بالقصر الذي كان نميري يدير منه عمليات البحث عن الشيوعيين وقائدهم الهارب. وجرت عقب عملية الهروب تلك عمليات اعتقال لعدد كبير من قادة الحزب الشيوعي. وقرر نميري كذلك، وبضغط من أحمد سليمان، اعتقال ضباط الجيش الذين كان يشك في ارتباطهم بالحزب الشيوعي، وكان هاشم العطا أولهم. غير أن هاشم العطا تلقى تحذيرا مبكرا من أحدهم بقرب اعتقاله فقرر الاختباء والقيام بعمل مضاد. وبالفعل أفلح في عصر 19 يوليو 1971م من الاستيلاء على السلطة مستخدما مختلف وحدات القوات المسلحة، وتم اعتقال نميري ورفاقه. وألقى هاشم العطا قائد الانقلاب بيانا أعلن عن قيام "نظام سياسي ديمقراطي يسير على درب التنمية غير الرأسمالية نحو الاشتراكية" وأعلن عن حل كل التنظيمات التي أنشأها نميري، وقيام حكم ذاتي للجنوب، وعبر عن تضامن النظام الجديد مع الفلسطينيين ودول المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي، وسائر القوى المعادية للإمبريالية. وأصدرت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في اليوم الثاني للانقلاب بيانا حيت فيه النظام الجديد ووصفته بأنه "صفحة جديدة في تاريخ شعبنا"، وأن "فجرا جديدا قد بزغ". وسير أعضاء وأصدقاء الحزب والنقابات مسيرة ضخمة مؤيدة للنظام الجديد في يوم 22 يوليو نحو منصة كان يقف عليها هاشم العطا والشفيع أحمد الشيخ.
غير أن اللعبة لم تنته بعد. إذ أن وزير دفاع نميري خالد حسن عباس كان قد فر إلى القاهرة وبدأ في ترتيب انقلاب مضاد (كان خالد حسن عباس خارج السودان في أيام ذلك الانقلاب. المترجم). وفي صباح يوم 22 يوليو أنزلت طائرات مصرية ألفين من الجنود السودانيين قادمين من قناة السويس، وأجبرت طائرة الخطوط الجوية البريطانية القادمة من لندن وفيها بابكر النور وفاروق حمد الله (عضوي مجلس قيادة الثورة الذين فصلهما نميري في 16/11/1970م، ومن المنظمين "المفترضين" لانقلاب 19 يوليو) على الهبوط في بنغازي بأوامر من القذافي، وتم تسليمهما بعد أيام لنميري والذي أعدمهما بعد محاكمة عسكرية سريعة. وعند حلول مساء يوم 22 يوليو كان نظام هاشم العطا قصير العمر قد انتهى، وعاد نميري مجددا لسدة الحكم، ليبدأ - وعلى الفور - في حملة انتقامية دموية أعدم فيها كثير من العسكريين المرتبطين بانقلاب 19 يوليو وعبد الخالق محجوب وجوزيف قرنق والشفيع أحمد الشيخ ومئات الشيوعيين.
ما هو الدور الذي لعبه الحزب الشيوعي السوداني في ذلك الانقلاب؟
المؤكد أن قرارا من المكتب السياسي أو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي لعمل انقلاب لم يصدر. ومما يعضد هذا الافتراض هو ضعف استعداد الشيوعيين عند قيام الانقلاب، ووجود قائدين (مفترضين) لذلك الانقلاب خارج البلاد ساعة قيامه، ومرور أكثر من خمس ساعات بين نجاح الانقلاب وإذاعة هاشم العطا البيان الأول، ومرور 72 ساعة من عمر الانقلاب دون تكوين حكومة. ويمكن أيضا إضافة ما ذكره محمد إبراهيم نقد بعد سقوط نميري في 1985م عن عدم تورط الحزب الشيوعي في ذلك الانقلاب (وكان من الممكن أن يتبجح بتدبير حزبه لتلك الحركة ضد نميري المعزول).
وهنالك نظرية أخرى وهي أن عبد الخالق محجوب كان قد أتخذ قرار الانقلاب منفردا، وهي نظرية لا يمكن تجاهلها رغم أن بعض الشكوك تحيط بها، إذ أن قرارا مثل هذا لا يمكن تصديق أن فردا واحدا يمكن أن يتخذه بمفرده، فتطبيقه يحتاج إلى معرفة وتعاون جهات متعددة في داخل الحزب وخارجه، خاصة وإن عبد الخالق – كما يتضح من هذا المقال- لم يكن شديد الثقة بالتدخل العسكري (في السياسة). ولكن مهما يكن من أمر فقد وضع الحزب الشيوعي كل ثقله بعد الانقلاب منذ اليوم الثاني له (20/7) - وخسر.
وأنهى ذلك الفشل الجولة الأولى بين الشيوعيين ونميري، والذي خرج منها منتصرا. غير أن الشيوعيين أفلحوا في حرمان نميري من استخدام "ورقة الاشتراكية" كأيديلوجية، ومن تأييد وخبرات وتجارب قطاعات واسعة من القوى الحديثة. وبذا يكون الحزب قد نجح في حرمان نميري خلال فترة حكمه (16 عاما) من الهيمنة الكاملة على سائر أرجاء البلاد وكامل مرافقها. وكان فشل نميري في الحصول على سلطة ذات قاعدة شعبية حقيقية وقوية هو سبب سقوطه في "ربيع السودان" عام 1985م. وكانت تلك أول مرة - منذ خمسة عشر عاما- أن تسقط الجماهير نظاما عسكريا حاكما في العالم العربي. ويمكن وصف ذلك بأنه "انتقام عبد الخالق بعد موته posthumous.

____ ________ _________ ____ ________ _____________
حاشية: لا شك أن أحداث 19- 22 يوليو 1071م وما سبقها وأعقبها من صراع بين تميري والشيوعيين أكثر تفصيلا وتعقيدا مما ذكر الكاتب هنا. ولمزيد من المعلومات عنها يمكن الاطلاع على الكتب والمقالات التي نشرت حول الموضوع، ومتابعة الآراء المختلفة عن تلك الأحداث التي وردت في برنامج "مراجعات" من بعض من شاركوا في تلك الأحداث أو شهدوها. المترجم.

[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 3383

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




بدر الدين حامد الهاشمي
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة