المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
منابع النزاع: قضية الأطبّاء مثالاً (3 من 4)اا
منابع النزاع: قضية الأطبّاء مثالاً (3 من 4)اا
03-14-2011 07:14 PM

بسم الله الرحمن الرحيم

منابع النزاع: قضية الأطبّاء مثالاً (3 من 4)

د. عبدالمنعم عبدالباقى على
[email protected]

الحلقة الثالثة:
نواصل في هذه الحلقة بإذن الله، قبل أن نبدأ في وصف العلاج، تحليل أسباب النزاعات، والتى هي أعراض للمرض كالحمّى تكون عرضاً للملاريا أو للنّزلات التنفسيّة، وبغير تحديد التّشخيص الدقيق للدّاء لا يجدي تخصيص الدّواء، فهو إن وُصف على افتراضٍ لن يأت بالشفاء بل قد يضر، آخذين نزاع الأطباء مع وزارة الصحة الاتّحادية كمثال.
والتحليل والاستنباط والاستقراء لا يكون إلا بمقاييس علمية دقيقة مبنيّة على البرهان. لقد اعتاد الأطبّاء على نفخ ذاتيّتهم وإعطاء أنفسهم قيمة أعلى من غيرهم قبلها النّاس ضمنيّاً ودافعوا عنها علنيّاً فسمّوهم ملائكة الرّحمة وبذلك ظنّ رهط الأطبّاء أنّ تأثيرهم على الحياة لا تحدّه حدود ولا تساويه قدرة مماثلة.
هذا الوهم، الذى غزّى غروراً على غير سند، غير دورهم القيادى ومكانتهم الاجتماعيّة، التى فرضتها ظروف معيّنة في دورة تاريخ السودان، قادهم إلى التّشبّث بهذا الوهم حتى صار الوعى الجمعى للأطبّاء لا يفرّق بين دوره المهني والوظيفي والسياسي والاجتماعي والثقافي ويظنّ أنّه مركز الكون.
يقول جوتشلك: \"في أيّام الأزمات نضفي عاطفة على إنجازاتنا السابقة ونحوّر التاريخ للبلوغ إلى حقيقة تاريخية سطحية وطنية لا تقوم على تمحيص ونظر نقدي سليم يحترم المنهج التاريخي الصارم بأبعاده الثلاثة في طبيعة العلوم والفنون والفلسفة. فمن حيث أنّه منهج إنّما يتبع قواعد صارمة لتعيين الواقعة التى يمكن التحقق منها، وهو من حيث العرض والقص يتطلب خيالاً وذوقاً أدبياً ومقاييس نقدية، ومن حيث هو تفسير للحياه يتطلب بصيرة الفيلسوف وإحساسه.\"
ولذلك طغى الجانب السياسي على عملهم النقابي واستلم ناصيتهم حتّى أثّر في طريقة تفكيرهم وسلوكهم حتى أصبح من أسباب المعوّقات والهدم لاعتقادهم أنّهم المسئولون الأوحدون عن قيادة هذا الشعب وحمايته. هذا أيضاً ينطبق تماماً على رهط العسكر، ولذا فما زلنا في دورة عقيمة تقودها مجموعتان تتبادلان الأدوار لإنقاذ البلاد كلاهما تدّعيان قيادة الثورات وتحرير الأوطان فلا عجب أن فقدت بينهما الثّقة، وربما يفسّر ذلك انفعال السلطة الزائد بالإضراب ومحاولة قمعه بالقوّة خوفاً من أن يكرّر التاريخ نفسه.
ولذلك فإنّه من المضحك أن تسمع من \"قبيلة الأطبّاء\" وآخرين أنّ الإضراب لم يكن سياسيّاً ولكنّه مطلبيّاً. عدم فهم المفاهيم فهماً صحيحاً وعدم تعريفها تعريفاً علميّاً دقيقاً لا يشى بشىء عن المتحدّث غير جهله. فتعريف السياسة هي \"اتّخاذ الجماعات لقرارات جماعيّة للحصول على مكسب أو سلطة\" وهي أيضاً \"حسن الإدارة للحياة\"، وينطبق هذا على كلّ جماعة بما فيها الحكومة.
وما مطلب النّاس للسلطة إلاّ لضمان تحقيق ضروريّات الحياة من أمن وعدل ومطعم وملبس ومسكن وتعليم وعلاج . فانظر إلى برامج أىّ حكومة أو مطالب أي جماعة في العالم لن تجدها تخرج عن هذه ولكن قد تجد الاختلاف في كيفيّة الوصول إليها والحصول عليها. والسياسة قد تكون داخلية أو خارجيّة.
وتاريخ الإضراب بدأ مع الثورة الصناعية كتعبير جماعة العمال عن الحيف الواقع بهم من أصحاب العمل ولذلك تكوّنت النقابات، والتي هي جماعات سياسيّة تعرف بمجموعات الضغط، يكفل الدستور حقوقها، والدستور تشريع سياسي يتوافق عليه النّاس، والمخدِّم في حالة الأطبّاء هي الحكومة فكيف لا يكون الإضراب سياسيّاً؟ كيف يستطيع النّاس أن يفصلوا بين وزارة الصحّة الاتّحادية والحكومة وهي جزء من جهازها التّنفيذى الذى يضع سياسات الصحّة للبلاد؟
المقصود بنفي الصفة السياسية عنه ليس نفي الكنه المعرفي ولكن الغرض منه ولكن ذلك لا يستوي عقلاً إذا مُحِّص تمحيصاً علميّاً دقيقاً. فاختيار توقيت الإضراب لم يكن اعتباطاً وإلا فما الذى يجعل \"هذه المطالب\" تصير فجأة عاجلة وهي مطالب مزمنة؟ إنّ الإدّعاء بأنّ التوقيت كان محض صدفة فيه اتّهام للنّاس بالغباء أو فيه خداع للنّفس للقائل أو كذب صريح. الذى يريد أن يكسب معركةً لا يتخيّر أكثر أوقات عدوّه قوّة ومنعة ولو كنت مكان الأطبّاء النوّاب لما اخترت ميقاتاً أفضل من الذى اختاروه.
ولكن هل القصد من الإضراب كان الحصول على مطالب محدّدة أم لإشعال ثورة تؤدَّي لتغيير النِّظام؟
الواقائع تؤيّد أنّ الإضراب بدأ لتحقيق مطالب محدّدة ولكن عندما لم تتّبع قيادة وزارة الصحّة الحكمة في معالجة القضيّة استقوت جماعة الأطبّاء بمعارضي الحكومة، وصاحب الحاجة أرعن كما يقولون. هنا لا بدّ وأنّ الدّوافع تداخلت واختلطت. احتجّ الأطبّاء بأنّهم اجتمعوا في مسجد السيد علي الميرغنى، رحمه الله، لأنّهم مُنعوا من الاجتماع في مستشفى الخرطوم بحري وكذلك أضربت الدكتورة ناهد محمّد الحسن في بيت الزعيم إسماعيل الأزهري، رحمه الله، وانتقل الاجتماع لاحقاً لدار حزب الأمّة وتريد مجموعة الأطبّاء من الحكومة أن تظنّ أن غرضهم كان فقط الحصول على بعض المطالب العادلة، حتى وإن كان هذا حقيقة قصدهم؟ لماذا لم يذهب الأطبّاء لدار حزب الحركة الشعبيّة أو المؤتمر الوطني أو حتّى لدار الأمن القومي؟ لو فعلوا ذلك لأحرجوهم ولكانوا أكثر ذكاءً فإن منعوا فلا لوم عليهم إن هم اجتمعوا في دارٍ أخرى.
هل يظن الأطباء النوّاب أنّ معارضي الحكومة كانوا سيسندونهم بتتجرّدٍ كامل لا يبغون من وراء سندهم إلا تحقيق مطالب الأطبّاء؟ لو فعلوا ذلك لكانوا من الغباء بمكان لا يؤهّلهم حتى لقيادة عوائلهم ناهيك عن الوطن أجمع. أم أنّ الأطبّاء لم ينفض وعيهم الجمعى عنه الغبار وتراوده أحلام الماضي في أنّهم قوّاد الثورات ومشعلوها وأن التاريخ سيمجّدهم كمحرّري وطنهم من الشمولية، ونقاباتهم في الخارج لا شغل لها إلا انتقاد الحكومة أو السعى لتغييرها، ونقابتهم بالدّاخل دون طموحهم؟ لو أنكروا لما صدّقتهم.
الشىء الأخير هو انتكاص جماعة النوّاب إلى حالة طفوليّة تعاملت مع وزارة الصحّة الاتّحاديّة كأنّها أب. الأطبّاء ليسوا أطفالاً ولا أحد أجبرهم على دراسة الطّب أو العمل في مؤسّسات الحكومة أو العمل بدون عقد أو القبول لسنين عدداً بشروط خدمة جائرة وليسوا هم من الجهل بمكان حتى لا يعلمون مقدار ما تصرفه الحكومة على الصحّة ولا هم لا يدرون بحال الخدمات الصحيّة أو ظروف تدريبهم البائسة.
كل هذا العلم ماذا فعلوا به؟ أين كانت جماعتهم من قبل وما الذى حدث حتى يكتشفوا أنّ لهم قوّةً على الفعل؟ وأين التخطيط المدروس ولو ببحث علمىٍّ واحد يثبت حالهم حتّى ولو عن ظروف تدريبهم أو سكنهم أو ما شاؤوا؟ وأين اقتراحاتهم بالحلول غير الجهر بالمشاكل والمطالبة بتلبية كامل طلباتهم غير منقوصة؟
السعي الآن يجب أن يكون باستخدام المؤسسية الموجودة لمراجعة قانون العمل وقانون النقابات حتى تتضح الصورة بالنسبة لقانونية الإضراب.
من الأشياء التى كان من الممكن تجنّبها هو الإصرار مثلاً على تعليق \"طبيب مضرب\" كان من الممكن مراجعته بعد أن تعنّتت الوزارة، التي ما كان يجب أن تتعنّت، وتتغيّر إلى \"طبيب متطوّع\" مثلاً. فإضراب الأطباء بكل التغطية الإعلامية ووجود الشبكة العنكبوتية لم يكن ليحتاج إلى إعلان. بل كان من الحكمة أن يُسرّ الأطبّاء لمرضاهم، بعد علاجهم، أنّهم مضربون ولكنّهم متطوّعون من أجلهم فيكسبوا بذلك تعاطفاً أكبر.
نظرتي المحدودة ترى أنّ تطوير المسألة بالانفعال من جهة اللجنة والوزارة هو السبب الرئيسى لتفاقم المسألة ولا أظن أنّ للأطباء حق أخلاقي أو قانوني في الإضراب عن تغطية الحوادث حتى وإن تعرّضوا للضرب والاعتقال فإنّهم بذلك يؤدّون لنفس الضّرر بالمريض البرىء الذى هو ضحيّة خدمات متردّية وحكومة أولويّاتها مختلّة وقد قيل لا تنه عن شىء وتأتى مثله وقد كنت سأحترم الأطبّاء، عندما رفضوا تغطية الحوادث، لو أنّهم رفضوا إدخال زملائهم الجرحى لنفس الحوادث وشاركوا المواطنين نتيجة قرارهم فهم ليسوا أفضل ولا أكثر حقّاً ولا قيمة من غيرهم إن هم إلا أناس مثل بقية خلق الله يؤدّون دوراً اختاروه بأنفسهم يعلمون ما له وما عليه.
ومن يخرج لمصادمة نظام تفكيره شمولي يجب أن لا يستغرب استخدام العضلات والاعتقالات. وكما قلنا فإنّ قرار الامتناع عن تغطية الحوادث مثير للجدل فلسفيّاً وأخلاقيّاً ولذا تجنّبه أولى لأنهّ ينحرف بالقضية عن مسارها الصحيح، والخضوع للغضب لا يفيد كما قال المصطفي صلى الله عليه وسلّم \"الصرعة (أى الرجل الشجاع) من يتمالك نفسه عند الغضب.
هذا التعامل الإنفعالي أدّى إلى انحراف أهداف اللجنة والأطبّاء من الحصول على حقوقهم إلى محاولة فك أسر أعضاء لجنتهم وصار هذا كسباً في نظرهم. من رأيى أن يتعلّم الجميع من هذه التجربة وأن تكون سبباً لتجنّب ما حدث حتى لا يتكرّر في المستقبل والتعلّم من تجارب الأمم الأخرى فيه فائدة فلعلّ قراءة سيرة المهاتما غاندى فيها بعض الدروس والعبر.
ومن رأيي أيضاً أن تراجع النقابات نفسها وأن تؤطّر قانونية الإضراب في الدستور وقانون العمل بالاتّفاق عليه ووضع شروط واضحة لما هو مسموح وليس مسموحاً به أو أن ترفضه بعد أن يناقش في مجلس نوّاب الشعب ويجاز.
ترك المسألة كما هي ثغر في القانون لا يجب إهماله.
نحن نحتاج إلى ثورة تقودها الأفكار لا الشعار، ثورة مستنيرة ذات أهداف قصيرة وطويلة المدى تجمّع القوى ولا تفرّقها وتضع الوطن هدفاً، ثورة تجعل المنظّمات تتبنّى المؤسسيّة والفكر لا الطائفية والتقليد، فقد شبعنا من الثورات الشعبيّة التى تفور مثل اللبن الذى عندما تخمد ناره ينزوي من حياتنا ويذهب أثره ونفقد معها زبدة الشعب.
أما كان أغنانا عن كلّ هذا لو أنّ الحكمة سادت وتعامل النّاس كعلماء لا كعوام؟
إنّ القيمة المسبغة على النّفس تظلّ محض خيال لا يجدى وإنّما القيمة الحقيقية تأتي من الإدراك الصحيح لدور الإنسان وقيمته الحقيقية في محيطه وفي جميع الدوائر المحيطة به وفي دورات الحياة وتثمينه تثميناً واقعيّاً مع عدم تبخيس قيمة الآخرين وتطبيقه بلا صلف ولا تعالٍ بتفكير علمي حتى ينتفع به وينفع الآخرين. المصيبة تكمن حين يخلط النّاس بين الدور والقيمة. فالدّور لا يزيدك قيمة ولكن نفعك للنّاس ونفسك هو مصدر القيمة الحقيقية.
لقد عملت في المملكة المتّحدة ثلاث وعشرين عاماً لم أسمع طبيباً يتحدّث في السياسة لا في موقع عمل ولا في مؤتمر وذهبت لاجتماعات نقابة الأطبّاء في بريطانيا لمدّة عشرين عاماً فما وجدت غير السياسة والحفلات الغنائيّة مع أنّه في 1965 اتّـفقت الأحزاب السياسية واتحاد النقابات تحت شعار على ثلاث نقاط:
1- استقلالية النقابات وعدم انصهارها في أي حزب أو تجمع سياسي.
2- الديمقراطية النقابية داخل أجهزة التنظيم النقابي.
3- نبذ الاحتكارية في قيادة العمل النقابي وفتح المجال للكفاءات النقابية الجديدة.
فماذا حدث؟ ولماذا تحتج على نقابات المنشأ التي أدخلت السياسة في العمل النقابي وهم يفعلون نفس الشىء؟
الأطبّاء في موقفهم الإضرابي دخلوا من باب التقليل من الخطر أو من تفاقمه لأنّ تقييمهم لموقفهم أنّه في حالة خطر لا يقبل التأجيل وإلاّ فإنّ النّتيجة ستكون موتاً محقّقاً. والنّاس عندما تُهدّد فيهم غريزة بقائها لا تساوم أو تجازف بحياتها، ولذلك أدّلة كثيرة في القرآن الكريم لتصرّف النّاس يوم القيامة إذا أحسّوا بالخطر، حتّى أنّهم يودّون التضحية بكلّ العالم حتى تكتب لهم النّجاة.
إذن الإنسان أنانى بطبعه، بل حتّى الذي يختار مهنة مثل الطّب يختارها من منطلق أناني بحت يريد ثواباً في الدّنيا أو في الآخرة. فالذي يساعد النّاس ويضحّي من أجلهم ولا يؤمن بالآخرة يريد أن يشعر بسلام داخلي ويعيش حياة ذات معنى.
والتساؤل الذي يحدّد نوع المعالجة هو: هل الأطبّاء في موقف حرجٍ يعتمد عليه وجودهم ولذا لا يقبل التّأجيل؟ وإذا كانت الإجابة بالإيجاب فيجب أن نسأل عن الدّليل. بمعنى هل كان حالهم قبل عامٍ أحسن قبل أن يدخلوا في الإضراب ثمّ ساء أم أنّ الحال لم يتغيّر كثيراً؟ فإذا كانت الإجابة أنّ الحال ظلّ كما هو فيجب البحث عن سبب تصعيد الموقف الآن وإن كان الحال قد زاد سوءاً فيجب تقديم البرهان. الطبيب يجب أن يتّبع منهجاً علميّاً قبل كلّ شىء حتّى تكون نتائج فعله صحيّة والمنهج العلمي ينظر في استقراء الموقف وجمع الحقائق وتحليلها ليصل إلى نتائج تعتمد على براهين حتى يتجنّب التدهور للصحّة التي من واجبه ترقيتها. وذلك لا يتمّ إلاّ بالتفكّر أو التفكير التأمّلى المتجرّد عن هوى النّفس وليس بالتفكير الانفعالى المعتمد على الافتراضات والذي يعطّل الذكاء العاطفي.
ممّا لا شكّ فيه أنّ الأطبّاء الصغار يمتلكون ذكاءً عقليّاً عالياً يمكّنهم من التحصيل ونجاح الامتحانات والتّفوّق في مجالهم ولكنّهم قد يفتقدون الذكاء العاطفي الذي يأتي نتيجة التجربة والنضوج العاطفي فيعالج المواقف الحرجة بالحكمة.
لم يترك العلم لنا باباً إلاّ فتحه ومهّد دربه حتى في العلاقات الإنسانية ذات التعقيد فبيّن لنا كيف نتعلّم وبيّن لنا أسباب النّزاع وكيفية حلّها منوّهاً على النتائج قريبة وبعيدة المدى وكيف أنّ التّركيز على إحداها سيقلّل من حظّ الأخرى.
فقبل أن نقبل على فعل شىء يجب علينا أن نخطّط له ونتدارسه جيّداً ونستشير أهل العلم والخبرة ونجمع البراهين التى تغلّب خياراً على آخر ثمّ نشرع في الفعل. ومرحلة التّخطيط هي أمّ المراحل ويجب التّريّث عندها طويلاً وتغليب منطق العقل على منطق القلب لأنّ الإنسان إذا شرع في فعل فلا يمكن ردّه ولا معرفة أثره. ثمّ تأتى مرحلة المتابعة والمراجعة وفيها يكمن تصويب المسار والتّخطيط لما سيأتى نتيجة لأثر الفعل.
ماذا فعلتم ببحوثكم في كلّيات الطب في قسم طبّ المجتمع لدراسة حال الخدمات الصحيّة ووضع الأطبّاء كدليل على صدق قضيّتكم؟ هذا عهد العلم والبراهين العلمية ولا يكفي أن تقولوا للنّاس انظروا حالنا تغني عن سؤالنا. سيسألكم النّاس إذا كان هذا وضعكم من قديم الزّمان فكيف أمكنكم البقاء ولم رضيتم بالذلّة؟
هل تفكّرتم أنّكم ضحية مثل الغير لنظام شمولى له أولويّات لا تتّفق مع احتياجيّات الإنسان البسيطة من مأكل وملبس وتعليم وعلاج ومسكن؟ وما هو فرقكم من المريض الذى يطلب العلاج ولا يملك قوت يومه؟ هل الفقر صحّة؟ هل الجهل صحّة؟ هل اليأس صحّة؟ هل التشرّد صحّة؟ أم أنّ الصحّة في عقولكم الشابّة هي الطب العلاجي فقط؟
انعدام الماء النظيف والتصريف الصحّي وانتشار الوبائيّات والجوع والجهل يقتل من الناس أضعاف ما يقتلهم انعدام الدّواء والمعدّات الحديثة والتّخصّص الدّقيق.
أنتم تطلبون تحسيناً لوضعكم المالي والمعيشي ولكنّي لم أسمع بمطالبتكم بتحسين وضعكم التّعليمي وأنا أعلم علم اليقين أنّ أكثركم لا يرى الأخصّائى إلاّ لماماً وليس له برنامج يقوم باحتياجات تدريبه فهل المال أهم أم العلم؟

وكيف تسنّى لكم أن تقبلوا بوعود وزارة الصحّة وأنتم تعلمون علم اليقين أنّها مفلسة وليس لهم بند في الميزانية؟ ألم يكن الأجدى أن تسأل لجنتكم قيادة وزارة الصحة عن مصدر الموارد الموعودة؟ فإن كانت في خزينة الوزارة يكون السؤال لماذا لم تصرف لنا من قبل وإن كانت الإجابة أنّهم سيتحصّلون عليها من وزارة الماليّة فيكون السؤال إذا كان هذا ممكناً لماذا تلكأتم من قبل وتركتمونا فيما نحن فيه من الفاقة وأنتم أعلم بحالنا؟ أو لماذا لم توفِّروا المال قبل استيعابنا؟ ومن يضمن لكم أنّ وزارة المالية ستوافق؟
هذه هي الأسئلة العلمية المنطقية التى كان من الواجب للجنة النوّاب أن تسألها لا أن ترضى بوعد لا يستند على شىء تذهب به مهرولة لجماعتها وكأنّها حازت الدّنيا ثمّ لمّا تنكث الوزارة بوعدها تلطم الوجه وتصفها بعدم المصداقيّة. الأطباء صغارهم وكبارهم لم يسألوا الأسئلة الواجبة ولم يحصلوا على ضمان من قمّة الهرم السياسي فلا هم أطفال يخدعون بوعد ولا الوزارة بأب يضحك على أطفاله. كلّهم نحسبهم عاقلون راشدون مسئولون عن أنفسهم وغيرهم. والسؤال موجّه للأطبّاء النوَّاب: كيف صبرتم على وضعكم سنين عدداً وعلى وضع المؤسّسات الصحيّة والتعليمية ووضع المريض المعدم من غير أن يسمع لكم صوت والآن الآن النصر أو القبر؟
وسنواصل بإذن الله تعالى


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 1296

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




د.عبدالمنعم عبدالباقى على
مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة