المقالات
السياسة

07-04-2015 04:00 PM


ربما, بل المؤكد, أن بعض الذين يتحدثون عن الحل السياسي للأزمة السودانية, التي غدت أكثر تعقيدا من ذنب الضب, وليس كلهم, يخيطون بالمسلة إياها ونفسها التي تخبط بها دولة قطر الأميرية ويخيط بها الرئيس التشادي ادريس دبي, فالمقصود هو إعادة إنتاج وتسويق نظام عمر البشير وكأن شيئا لم يحدث, وكأن السودان لم يشهد كل هذه المذابح الذي شهدته علي مدي نحو ربع قرن ولم يحل به كل هذا الخراب الذي حول أريافه وقراه الكبري والصغري إلي ما يشبه "هيروشيما" ثانية.
كان الواضح منذ البدايات, منذ جريمة الإبادة العرقية بسكان دارفور المرعبة حقا وفعلا, أن عمر البشير يرفض قاطعا ومانعا أي حلول تُزحزحهُ عن سلطة قمعية دموية انقلبها مرة ثانية من عرابه ولو بمقدار أنملة، فهو كان سمع من كل المحيطين به من مسؤولين وقادة أجهزة أمنية وعسكرية ومن أقارب وأبناء عمومة وخؤولة وأيضا من بعض المصابين بداء القبلية والجهوية المقيتة أنه لا يجوز ولا يحق له أن يفرط في حكم بعد مذابح دامية أبشعها إبادة عرقية جماعية في دارفور، التي أوصله إلي "لاهاي"، حتي لو اضطر إلي إبادة نصف الشعب السوداني وأكثر، وذلك لأن الفرص التاريخية لا تتكرر، ولأن "أمراً" انتهي إلي يده يجب ألا يتخلي عنه وإن غرق السودان في الدماء حتي شوشة رأسه، وحتي وإن اصبح الشعب السوداني بغالبيته من سكان المقابر، وحتي إن لم يبقَ في هذا البلد حجر علي حجر.
لقد سمع عمر البشير، فور وقوع جريمة دارفور، من كل المحيطين به أن هذا الحكم في يد الفئة الحاكمة والمتحكمة من أبناء الحركة الإسلامية، التي من الواضح أنها ستدفع الثمن غاليا إن لم يتدارك عقلاؤها الأمور قبل أن تصبح الحلول العقلانية غير ممكنة ومستحيلة، بعد انتظار طال أمده وبعد تضحيات جسيمة إن في بدايات هذه المرحلة التاريخية وإن في العصور الغابرة، ولذلك فإن التفريط فيه مهما حدث وحصل سيكون جريمة ما بعدها جريمة.
ولهذا فقد تعامل عمر البشير مع قوي المقاومة الثورية منذ البداية وعلي مدي سنوات سابقة علي أساس نصيحة ميليشياته، التي نقلها إليه المحيطون به، والتي ربما أنه سمعها منهم مباشرة، وإن مذابح "دارفور" هي التي ضمنت لهذه الجماعة كل هذه الفترة الطويلة من الحكم وإن باسم حزب المؤتمر الوطني الذي بقي خلال كل هذه الفترة مجرد شاهد زور ومجرد عباءة تدثر بها هذا النظام في عهد البشير لإختفاء حقيقته العنصرية والجهوية والقبلية ولتحميله، أي هذا الحزب، كل الجرائم التي ارتُكبت بعد "مفاصلة" وأيضا قبلها.
ولذلك فإنه علي الذين يتحدثون الآن عن الحلول السياسية للأزمة السودانية "التي تحفظ لهذا البلد تماسكه ووحدته"! أن يضعوا في اعتبارهم أن الحل الذي يريده عمر البشير والذي تصر عليه دولة قطر وتشاد، حتي بعد تورطهما "قطر في الأزمة المصرية والسورية والليبية, وتشاد في أزمة القاعدة وبوكو حرام في دول غرب أفريقيا"، هو حلُّ إعادة إنتاج هذا النظام مع بعض "الزركشات" الديكورية التي تضمن وصوله إلي "الحرس القديم" كما أوصله عرابه "الترابي" إليه!
لقد كانت هناك محاولات شبه جادة أفريقية وغير أفريقية لضمان حلَّ سياسي لهذه الأزمة عندما كانت لا تزال في بداياتها، لكن كل هذه المحاولات والمبادرات كان مصيرها الفشل لأن عمر البشير لم يحتمِل حتي ما نُسب إليه من المحكمة الدولية. ثم ولقد كانت محاولة " أديس أبابا"، والتي لم يعد حتي أصحابها يتحدثون عنها أو يتذكرونها، والتي حاول نظام الخرطوم عن حرفها عن مسارها وتحويلها إلي مؤتمر للتصدي ل"الخارجين عن القانون". وبالطبع فإن المقصود بالخارجين لم يكن لا "الجنجويد" ولا ما سمي لاحقا "قوات الدعم السريع"، وإنما المقصود هذه المعارضة السودانية والجبهة الثورية السودانية بوجه خاص التي تسعي إلي وحدة البلاد والعباد والتي ترفض رفضا قاطعا تحميل كل الاسلاميين وزر نظام وَلغَ في دماء شعب من المفترض أنه شعبه حتي الثمالة.
ولعل ما يدعو إلي التعجب والاستغراب أن السعوديين ومعهم بعض دول العربية، وربما بعض الأفارقة أيضا، يتحدثون عن بعض الخيارات بإمكانية مشاركة نظام الخرطوم في حرب داحس والغبراء التي تشنها المملكة العربية السعودية علي "داعش" و"الحوثيين!، وكل هذا مع أن هؤلاء يعرفون أن النظام السوداني هو من ضمن الذين أنتجوا "داعش" ودعموا "الحوثيين"، وأنه هو وليس غيره من وقف وراء هذه الظاهرة الإرهابية في السودان أو في اليمن أو في ليبيا أو في سوريا , وأنه كان يخطط لمثل هذا اليوم ولمثل هذا المنطق عندما قال منذ البدايات إنه لا يواجه معارضة حقيقية وإنما يواجه عملاء ومخربين وخارجين عن القانون لا يملك أي تصور لحل الأزمة السودانية إلا تصور القتل والتدمير والاغتصاب.
وهكذا فإن العاهل السعودي الملك "سلمان" سيكتشف، ومعه بعض العرب، بعض مشاركة نظام الخرطوم في تحالف "عاصفة العزم"، أي حماقة وأي جريمة قد ترتكبه إن هو فكرت حتي مجرد تفكير في الاستعانة بنظام الخرطوم لا يستطيع، حتي وإن هو استخدام كل منظفات الكرة الإقليمية. إزالة دماء مئات الآلوف من أبناء الشعب السوداني عن يديه، فالإرهابي الأساسي هذا النظام.. وهو أيضا إذا أردنا قول الحقيقة بلا وجل ولا خجل هو إيران الخامنئية وقطر الأميرية.
حتي الآن وحتي هذه اللحظة فإن قوات نظامية إيرانية وميليشيات أجنبية مرتزقة بدعم قطري تشارك نظام عمر البشير في المذابح التي بقي يرتكبها علي نحو أربعة عشرة عاما ماضية، وحتي الآن فإن قطر، رغم ورطتها القاتلة في سوريا ومصر وليبيا لدعم الإخوان المسلمين، لا تزال تشكل السند الرئيسي لهذا النظام بالمال والدبلوماسية الهجومية التي حولت جامعة الدول العربية إلي الجامعة كسيحة لا تستطيع أن تفعل شيئا لحل الأزمة السودانية. الحل المعقول والمقبول الذي يحقق للشعب السوداني ولو جزءا من مطالبه المشروعة وأولها توصيات "نداء السودان" التي يبدو أنها غدت نسيا منسيا ولم يعد بذكرها لا الأفارقة ولا غيرهم.
لذلك، وفي النهاية، فإنه علي العاهل السعودي، وبعض العرب، الذين بترددهم وتقاعسهم قد أوصلوا السودان والمنطقة كلها إلي هذه الأحداث المأساوية، أن يدركوا أن محاربة "الحوثيين" و"داعش" و "النصرة"، وكل هذا الإرهاب الذي غدا يسرح ويمرح في المنطقة كلها وفي كل مكان،وإن جرائمهم لا تزيد عن جرائم ميليشيات النظام في السودان ، لهذا يا ملكنا "العاهل السعودي" هذا يطلب دعما حقيقيا للشعب السوداني، كما يتطلب الإسراع في دعم المعارضة السودانية والجبهة الثورية السودانية وباخراج إيران من المنطقة وكف قطر عن دعم النظام السوداني، لما كانت هناك (الحوثيين بدعم إيراني) ولا (قوات الدعم السريع بدعم قطري) ولا كل هذه الشراذم الفوضوية في ليبيا أومصرأو سوريا، ولما بقي نظام عمر البشير صامدا حتي الآن حتي تنطلق منه هؤلاء!! لهذا ان الإرهاربيين لا يحاربون الإرهاب!
احمد قارديا

mod.moto@yahoo.com


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1433

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1297915 [karkaba]
0.00/5 (0 صوت)

07-05-2015 12:50 AM
كل حرف قلتة هو عين الحقيقة

[karkaba]

احمد قارديا خميس
احمد قارديا خميس

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |الصوتيات |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة