جداريات رمضانية (11)
07-04-2015 04:02 PM



غالبا ما تكون الحياة في المدن الصغيرة مغلقة، ليس فيها من صور كبيرة ولا قصص مسلية.. لكن هذه ليست كل الحقيقة. فداخل كل بلدة اسرارها التي لا يمكن حصرها، ما دام ثمة بشر فالحكايات تتناسل بلا حدود. إذا كانت المدينة تفرض المشاهد المتعددة والارتباك والتشوش وتخلق وراء كل قصة، أخرى جديدة. فإن البلدات الصغيرة تختزل التفاصيل في حكم متناثرة يمكن أخذها من هنا وهناك، من عابري السبيل ومن بائعات الشوارع وهن ينتظرن الرزق في العصاري. من ألفن الجلوس أمام البيوت في مقاعد الخشب الصغيرة، البنابر، المصنوعة بعناية من سيقان النخيل، ومنسوجة من حبالها.
يأتي الأمر إلى الصبي بأن يذهب لإحضار الطعمية أو الفول أو بعض الأشياء الغامضة التي رسم الزمن حولها إطارا بحيث لم تعد واضحة، ليست هي الفطائر المستحدثة، حيث لم تكن دارجة وقتذاك. ربما هي أطعمة محلية، هل كانوا يبيعون العصيدة في الشوارع ليس هذا. الصبي يأخذ الأمر بجدية، ويذهب ثم يعود إلى البيت محملا بالمطلوب، وقد كانت الأزمنة رخية لم يكن الغلاء قد استشرى ولم يكن الوجع الاقتصادي قد تمكن من البلد، كان جنيهات قليلة تكفي لفعل أشياء كثيرة وكان الراتب على كل حال يكفي بغض النظر عن قيمته بالضبط. وحتى بإفتراض المعاناة فإن التدبير يكون.. أي يحصل، وربما كان هذا نوع من التخييل لما لم يحدث. لكن على الأقل فيه بعض من حقيقة تلك الأيام، فالفرق بات واضحا بين اليوم والأمس، بين خديعة الاكتفاء واللهث والخروج عن طاعة القيمة والضمير والسبب لقمة العيش.
لكن رمضان كما يقول الناس في البلدة يأتي بقوانينه الخاصة في الرزق، لا ينتظر من أحد أن يدفع أو يبذخ بالمال، فهو يعرف كيف يوفر الجنيهات. تدفع ثم تدفع وتشتري وفي النهاية يبقى معك المال في الجيب، وهذا أمر مجرب له كيمياء خاصة تفسره. ربما هو يقين الناس والإيمان يفعل سحره في التدبير والتوفير. قواعد خفية في سحر الأقدار التي تنظم حياة الناس ساعة يكون الإنسان معلقا بحكمة إلهية يستند عليها ويؤمن بأن الحل قائم، ذلك اليقين الذي لا يشبه التلهي ولا الضحك على النفس، إنه شيء صادق يخرج من نفوس مؤمنة بحق، لم تعرف الغلواء ولا البغضاء ولا الظنون البائسة.
كان للإيمان حلاوته في تلك الأيام، وكان الدين مسرحا للطف والتعايش الجميل بين بني الإنسانية، ولم تكن الفضائيات "البغيضة" قد جاءت لتدمر سكون الحياة بالأحداث المدمرة والقاتلة للذوات والتي تبثها ليلا ونهارا، حيث يلعب الإعلام لعبته كما تلعبها النفوس المتعطشة للقتل والتنكيل وتخريب جمال هذا العالم، قصر هذه الحياة وعرضها وطولها، كل ذلك يتحول في مجرد ثوان إلى هيكل من الظلمة ويكون الخراب.
نعم كان للرزق قانونه وقد تكون ثمة قاعدة شاذة، فالاختلاف من سنن الكون، لكن وربما بمسحة التذكر الآنية يكاد الناس يكونون جميعهم، قد استشرقوا بالحبور والمسرة، إلا أن يقترب شهر شوال ويبدأ جرس العيد في الإنذار، فثمة إرباك يظهر جليا، لأن الشياطين تكون قد استعدت لمغادرة الأصفاد كما يقول أحد كبار السن، ووقتها يكون للميزانية أن تختل وللطعام أن يفقد حلاوته ويقل حجمه وتبدأ تفاصيل العودة إلى ما قبل الصيام تسري في الأبدان، حيث يرتفع ضغظ الدم والتوتر، دون زيارة لأي طبيب. فأهلنا لا يعرفون الأطباء إلا إذا اشتد الوجه وألم البدن، إنها تقاليد الشجاعة المتوارثة بظنهم حتى ضد المرض والموت، "لا أخاف" هي القاعدة والمسار الذي يحكم الحياة. وفي الصيام نفسه تنطبق ذات النظرية، فثمة مرضى يصرون على تكبد مشاق نهار طويل وحار وهم مصابون بالأمراض من السكري وضغط الدم والأوجاع العديدة، لكنهم يبدون شجاعة في المقاومة فالعيب ثم العيب أن تفطر حتى لو كنت مريضا. وهنا يختلف المعيار ما بين صورة الإنسان المتدين المتسامح والجميل وما بين خلل صغير لا تعرف منبعه عن ضرورة التعايش مع الصيام بألم ووجعة، التمسك بمخالفة الشرع بما يتفق مع مجاراة المجتمع في قانون الحياء والشجاعة.
هنا يكون الدين قد تداخل مع التقاليد المتوارثة ومع العادات ومع الصور التي تفرضها القبيلة والمجتمع، فليس هذا من أعراف الشريعة كما يقول مؤذن المسجد الذي كان درويشا يخرج ما قبل الفجر ليتسحر في الجامع الكبير بما يجود به بعض المحسنين ويقرأ القران الكريم بصوت غير بهي ولكن الناس مجبرة على سماعه مادام الأمر مرتبط بكتاب الله ومع الأيام كان الصوت وبفعل التعود يزداد طلاوة. ومن ثم يرتفع صوته بالأذان وليس الصوت أيضا بالمستساغ، وكان ذلك في الغالب عند ذي البدء. لكن هذا رزق كما يقول أغلب الناس.
رزق؟ لأن الرجل يأتيه راتب من الوزارة المختصة، يعيش به ويحل به بعض شؤونه وليست – هي - كثيرة على أية حال سواء الأموال أو الشؤون. وهناك من يقدمون له العون دون انتظار للأجر من بشر. نعم أكرر، كان للحياة منافذ تفتح الأمل والإحسان موجود.. وكانت التقاليد بعضها فاسد ومنها المضيء الذي يتقاطع مع المعاني الحسنة فيرسم لوحة زاهية لإمكانية أن تكون الحياة أفضل.
في ذات عام كبر الصبي وكان يتخذ طريقه إلى الجامعة، لا يدري الآن إن كان الوقت رمضان أم لا، وكان لهم كلب في البيت رباه أخوه الأصغر سنا، يمشي الكلب ليصحبهما في الظلمة الأخيرة من الليل فالبصات السفرية كانت تنهض للسفر في الثانية صباحا نسبة لمشقة الطريق الذي لم يكن معبدا بعد، وكانت الحياة شظف عميق ساعة يتعلق الأمر بالسفر. يقف الكلب فجأة ليتراجع للوراء ثم يذهب للإمام يتابع عمله بدقة في حماية أحبابه، وكأنه تدرب في أحد خلاوي الشيوخ. فمن الكلاب مستأنس ورائع وفيه من الحس الراقي وهناك الوقح والجبان والبخيل. "الكلاب مثلها مثل البشر لا تصدق يا ولدي قصة.. الود التي تقال دائما"، التفت في غبش الليل وأول الصباح، لأراه الرجل.. صاحبي المؤذن وهو يدق بعكازته القصيرة على الأرض ولقصرها يحني ظهره الذي كان قد بدأ في الإنحناء فعلا، يسألني عن حال والدي.. ومتى سأعود؟ قال لي، "الذين يذهبون لا يعودون". لا أدري أي رمزية كان يتكلم عنها، هل كان يصور حكاية الموت كما تخليت في البداية، أم أن الأمر يتعلق بالموضوع الحياتي المباشر وفلسفة المعاش كما فهمت لاحقا. وتمنيت أنني أساله عن الإجابة ولكن مضت السنوات حتى مات الرجل بالسر، ولم يبق منه إلا ذكرى تنسال في هذه السطور، إنها القارعة التي تطرق كل يوم بيت أحدنا، تغلق قلبه وضميره وعقله ليقول للأرض وداعا.. دورة الحياة المتعاقبة والفصول والأشجار التي تساقط أوراقها في انتظار إخضرار جديد.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 4333

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عماد البليك
 عماد البليك

مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة