جداريات رمضانية (12)
07-05-2015 06:28 PM

ثم تمضي الأيام فالسنوات، يكون على الصبي أن يصوم في مدن أخرى وبلاد بعيدة. وفي كل مكان يأخذ الصيام شكلا مختلفا من حيث التخريجات لا من حيث المضامين، فالفكرة واحدة كما فهمت. وقد أكون أدركت المعنى فعلا وربما لم أدركه، ليس عندي من أدنى تأكيد. حيث دائما تظل الحياة غامضة ومفتوحة للتأويلات والظنون. لكن حكايات الصيام ورمضان والسفر سوف تعود بذاكرتي إلى أيام مبكرة. كان الصبي مكلفا بتقدم العون لبعض القادمين من مدينة ما، أرض معينة باتجاه بلدتنا إلى بلد آخر. دائما كانت بلدتنا قبلة للعابرين حيث لا مستقر، ومنذ أزمنة قديمة كان الحجيج يأتون من بلدان غرب ووسط أفريقيا عبر هذه الديار بعضهم يذهب فعلا إلى الحج والبعض الآخر ينسى الغرض الذي جاء لأجله.. يبقى وحده، أو يتزوج من بنات البلد أو يعيش في كنف إحدى الأسر في خدمتها إلى أن يذوب في المجتمع ويصبح له الكلمة الفاصلة. تلك قرون بعيدة مضت، وتغير الزمان. كل شيء أصبح مختلفا، والمدن نفسها لم تعد بذات الطابع القديم حيث فقدت الرونق والأمل الكبير، فمرات يدخل التاريخ في أزقة ضيفة ويتعرج مساره أو يتوقف.
هؤلاء الضيوف كانوا مجموعة من الرجال ومعهم امرأة وحدة وطفلين أحدهما صبي مثلي، فقط وقت وجيز مضى، أصبحنا، أنا وهو، أصدقاء وقمنا بتنفيذ الأوامر والواجبات معا غير مهتمين بشأن الكبار وعدم قدرتهم على التواصل السريع، وكان أحد أقاربي يرمقني أن كيف أصاحب هذا الولد ولم أفهم السبب في البداية، ومن ثم ناداني ليحذرني أن في جلده لون غريب وهذا يعني أنني ربما أصاب بهذا الداء، لا أنكر أنني شعرت برجفة وخوف فجأة، لكنني تذكرت أن هذا ليس مرضا إنه أمر طبيعي يمكن أن يصيب أي إنسان وسببه قدر الله أن تولد بهذا الشكل. هذا القريب يريد أن يزرع فيّ خوفا وتفرقة مع هذا الصديق. ويبدو أن الصبي كان قد فهم الأمر، فربما مر بمثل هذه المواقف، لهذا آثر أن يبتعد عني لكنني لم أتركه فقد ذهبت ووقفت بجواره وأخبرته أن ما يقوله هذا الرجل ليس مهما بالنسبة لي وأنني شجاع لكي أقرر بنفسي. وكان قد وثق بي فقد علمت ذلك من رموش عينيه جلية الوضوح ما بين لون جلده الغريب فعلا.
كان الخبر قد وصل إلى الضيوف ويبدو أن والد الصبي عرف بالأمر وأصابه الانزعاج، ويبدو أكثر أنه علم بموقفي فربت على كتفي وأخذني نحوه بلطف ودسّ في يدي عملة ورقية، كان مبلغا كبيرا. أول مبلغ بهذه الضخامة استلمه في حياتي. وبدلا من أفرح أو أفكر بالمال، كنت أسأل نفسي عن السبب الذي يجعل المال علامة للتقدير والرضا بين الناس، هل من وسائل أخرى سوى ذلك، وهل كان والد الصبي يمنحني المال تقديرا لي أم يدفع ثمن الانتصار على قريبي؟ ولو كان المبرر الأخير صحيحا فهذا يعني أن ثمة خديعة.. يجب ألا أقبض المبلغ إذن وأعيده على الفور. ليس دفاعا عن قريبي هذا، فأنا أعرف أخطاءه جيدا، وإنما دفاعا عن مبدأ الاستغلال الذي تعرضت له، بأن أكون ثمنا لكيد لست طرفا فيه، ليتصارع هو وقريبي ما شاءا لكن لن أكون أبدا كبش الفداء. لن أكون الضائع بينهما. لأن المبلغ نفسه لن يبقى معي، فقد سارع ذلك القريب لأخذه وقال لي، ماذا سوف تفعل بالمال، أبوك سيحضر لك ما تريده من أقلام وأوراق، كان يعرف أنني أقضي الوقت في التلوين والرسم والكتابة على الورق المسطر لعدم توفر الورق الأبيض الصافي، الذي كان قليلا ومكلف الثمن.
لكنني وأنا أدفع له بالمبلغ وراء زريبة الغنم حيث ناداني هناك حتى لا يرانا أحد، شعرت مرة ثانية بالخديعة أن الرجل يبتزني ليأخذ مالي، فوجدت في روحي هبة قوية وشجاعة لكي أقف أمامه وأواجهه، وقلت له: أنت صائم لكنك كذاب ومخادع تريد أن تسرقني. أعد لي المبلغ!
طبعا لم يتردد في صفعي كعادته أحيانا، يريدني أن يعلمني الأدب كما يدعي، ثم أغلق فمي ليقول لي حذاري أن تخبر أحدا. ووجدت نفسي أمسك بيده وبقوة وألويها للوراء، كيف فعلت ذلك لا أعلم ومن أين جاءتني هذه القوة الخارقة، وأدخلت يدي في جيبه وأخذت المال ثم هربت منه لأتركه يتحسس يده في سبيل أن يبارحه الألم الذي شعر به، كان يتأوه.
وصلت إلى الباب الكبير في البيت وجدت الضيوف وقد جلسوا في استعداد للمغرب والإفطار، كانوا يتوضؤون وقد عبأ أبي الأباريق بنفسه ليس لأنه لم يجدني بل لأنه كان يحب أن يقوم بالأشياء بنفسه، وحتى لو كنت موجودا فسوف يفعل بذلك.. وكانت نظرات أبي تفضح لي من بعيد أن هناك أمر ما حدث وعلي ألا أخبر أحدا، كانت مثل هذه النظرات ذات الشيفرات السرية محفوظة بيننا.
تم إحضار الطعام والمشروبات في انتظار سماع المؤذن ينطلق صوته من المسجد القريب، كان قريبي قد غاب وظننت أنه لن يحضر حياء، لكنه ظهر بعد قليل وقد غسل وجهه ليظهر أثر الوضوء مبتلا بالماء الذي رش ثيابه.
كان الصبي قد جلس بجواري وأخبرته أن والده أعطاني هدية وأنا ممتن له، فابتسم ابتسامة صغيرة وقال لي: عندما تزورنا في بلدنا سوف أعطيك أنا هدية أيضا. وكانت هذه بمثابة دعوة مغلفة لي بأن أقدم له شيئا ما.. وهم يودعوننا في الطريق إلى بلدهم التي لا أعرف أين هي بالضبط، هل هي وراء النهر أم الجبل أم في الصحراء البعيدة؟ وهل هم يسكنون في بيوت مثلنا من الطوب والطين أم يسكنون في خيام بالصحراء.
قام والد الصبي بتشغيل محرك السيارة القديمة التي كان يقودها بنفسه، وارتفع دخان العادم الخلفي في الهواء مختلطا مع أول الظلمة في المساء، لم تكن السيارة تتطلب الدفع بالأيدي كما تصورت وكما استعد قريبي مشمرا ساعديه ليظهر النخوة. كان الزمان يتبخر في تلافيف الغيب الجميل، وكانت تلك الصورة تستقر في ذهني كأنها مجرد خيال. هل حدث كل ذلك. وكنت قد أخذت الدفتر الجديد الذي أحضره لي أبي والذي كان أبيضَ وليس مسطرا، وأهديته للصبي، فرح به وقال لي أنه يحب أن يرسم أحيانا وهذه أفضل هدية، ولم أعلم إن كان يجاملني أم لا. كان ذكيا ولبق التصرف.
اليوم أتمنى لو أقابل ذلك الصبي الذي حتما صار رجلا كبيرا مثلي.. أتمنى أن يكون محفوظا بعناية الله في هذه الأرض.. أن أراه ولكن أين وكيف وهل سنعرف بعضنا، لو تقابلنا حتى ولو عبورا على إحدى صفحات الفيسبوك.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 4386

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة