جداريات رمضانية (13)
07-06-2015 03:45 PM





يقترب رمضان من نصفه، تكون الكثير من أثقال الصيام قد بدأت في الظهور، تنحني الظهور ويظهر التعب على المثابرين وسط الحر والنهار الطويل، وإن كان الشتاء فالنعمة ماثلة ولكن الجوع هو الآخر لن يترك النفوس وحالها. وفي رمضان السودان تتنوع الأدبيات بما فيها النكات التي تتعايش مع الحكايات منذ القدم حول الصيام، وتكتسب الطرائف لونها من جغرافية لأخرى ليأخذ الشهر ظلاله المختلفة من خلال هذا الثقافات الإنسانية لبلد متنوع الأطياف. حتى في التصورات الشعبية وساعة الضحك يكون لصورة السودان وهويته أن تبدو متشظية أو في طور التكوين لم تتبلور بعد، حيث نسمع عن بلد حار كأنه الجحيم بل قد يكون ذلك المكان الغيبي أكثر رأفة، وتختلط الحكايات مع فكرة الآخر عنك من تكون، بخواصك الغريبة أيها الوطن. وفي ظن بأن الهوية شيء ثابت يبدو البعض وهم يلهثون في الحياة بحثا عنها. وحتى في رمضان يظهر تسابق الهويات، كل يريد أن يكسي الشهر حلته الفريدة التي لا تدانيها حلة أخرى، يكون البحث عن الاختلاف وسط وحدة الأمة المفترضة ويكون الصيام مدعاة للتنوع مثلما يدعو إلى راية واحدة باسم المسلمين.
يلهج أئمة المساجد بعد صلاة التراويح، بعد العشاء بالأدعية المتشابهة من عام لعام، ليس من فرق كبير، هي المناجاة نفسها، الدعوة لأمن هذا البلد واستقراره وتوقف الحروب وتحسن الأحوال. الدعوة لأمة مسلمة لا تفريق فيها. ينفض المصلون وهم يسابقون فعل الحياة ليلا بعد أن يكون النهار قد أغلق كل بوابات الرجاء باتجاه أن تحيا للدنيا بالشكل الملموس، لكنها مجرد صور في النهاية تبقى. ليس للإنسان أن يغادر حب هذه الزائلة سواء كان صائما أو فاطرا، ليلا أم نهارا. إنها الطبيعة الإنسانية التي تشكلت عبر القرون المديدة من تاريخ أبناء آدم في الأرض، وزرعت فيهم حب هذه الجنة الأرضية التي جاؤوها بعد تلك الخطيئة والصراع مع الأبالسة، هؤلاء الذين سوف يعيد رمضان ابتكارهم ويعمل على تصفيدهم، لكن كأنهم يبقون استعارات ومرمزات، فالكثير من الشياطين تبقى حاضرة ليعمل على تصفديها أناس مثلهم باسم القوانين والشرائع التي يصورها العقل البشري أكثر مما تنسج معانيها النصوص المقدسة.
وهكذا يصبح شهر كامل مجالا للرؤى والأمنيات والقراءات، ومشاهد لحياة مثابرة باتجاه الاختلاف. ودائما يبحث الإنسان عنه هذا الأمر العجيب، أن يكون هو لا شيء آخر. وهنا سوف تبرز فكرة الهوية من جديد تتجلى حتى وسط المعاني الدينية والعبادات التي لا تفتأ تكتسب من بلد لآخر لونا خاصا، وتتشكل بناء على الثقافات المحلية، حتى لو تشابهت الأصول فإن الفروع لن تكون مثيلة لبعضها أبدا. وهكذا سوف تسمع في وسط الليل انبعاث أصوات الدراويش وأهل الله كما يُسمون، وهم يضربون على الطبل كسمة لها حضورها الخاص، كشكل من أشكال الذكر الرباني والعبادة التي يرون في حضورها ذكرا مميزا. هي طريقتهم في معرفة الله والاقتراب منه، تلك التي مازجت الثقافة وحضرت باسم المكان بما جعل لها خصوصيتها من رائحة الأرض والتراب.
يرتفع الضرب على الطبل ويهيج الدراويش بالأزياء الملونة، يبدو الأخضر طاغيا وفاضحا في الظلمة وغباش الليل، لكن عفوا، فها هو البدر قد ارتفع في السماء ليكسر حدة الظلام ويستقوي على الكهرباء القاطعة في أغلب الأحيان. يكون لتلك اللحظات الهاربة من عمق الزمن لون خاص، ويجد الصبي نفسه يتسرب من بين الأزقة مشاركا في تلك الأذكار، يختفي وسط أمواج البشر في الزفة الهائجة ويذوب في حب المصطفى والرسول الكريم بعد أن يكون قد حفظ المدائح عن ظهر قلب وفرز بين القصيدة ومن هو مؤلفها من المادحين الكبار، يبرز الشيخ البرعي وقبله أولاد حاج الماحي وقصائد محلية صيغت وفق مواصفات البيئة هنا. يتخيل الصبي مرات أنه مادح وأنه يحمل الطار ويضرب عليه، فأحلام الصغار تتشكل وفق ما يرون في المكان، وفي هزيع الليل الأخير يكون قد حمل الورق وبدأ في تسطير خواطره يكتب مدحته في حب النبي، ربما بدأت تقليدا ليس إلا لكنها بالنسبة له مفعمة بالمعاني، يتمنى لو أن الشيخ الكبير في الزاوية يُطري عليها بعد أن يكون قد أعجب بها وراح يمدحها، وسوف يعرف أهل الحي أن مؤلفها هو.
وتمضي الأيام تتسابق، لا يوم ينتظر الآخر، ومع تسابقها تبدو الأمنيات متداخلة ومتزاحمة، ويشاهد الصبي وهو يحمل القصيدة المادحة الشيخ جالسا في كرسيه البلاستيكي وهو يتناول طعامه قبل أن يبدأ في العمل، وحوله الحيران يجلسون في هدوء بعضهم يغسل قدمي الشيخ في الطست ويزيل عنها غبار الضرب على الأرض بقوة مع الصوت الشجي الذي سوف يعاود الارتفاع بعد قليل.
الشيخ ذكي.. ويفهم التوقعات.. يشير للصبي أن يجلس بجواره يأخذ منه الورقة يقرأها في صمت.. ثم يهمس في أذن أحد الحيران بأن يأتي بشيء ما، يكون الرجل قد عاد بكتاب مطبوع مسطر على عنوانه "ديوان الشيخ.." يغيب عنه التذكر، هل كان يريد الشيخ أن يعلمه بأن يكتب مثل هذا أو لا يكتب. هل كانت قصيدته المادحة غير موفقة ولا تجاري كبار المادحين. لكنه لا يفكر كثيرا.. فقط سيفكر ليومين يكون قد اكتئب فيهما وحزن أنه أخذ القصيدة إلى الشيخ الذي لم يفده بأي نتيجة. ويقرر في اليوم الثالث إلا يذهب لحلقة الذكر وألا يلاقي الشيخ ورجاله أبدا ويبدأ في رسم ظنون سيئة بشأنهم إلا أن ينهض الليل ويرتفع الصوت الشجي، يتردد الصبي في التركيز بقوة هل ما يسمعه هو كلامه أم كلام آخر.. ويأخذ رجليه ويهرع سراعا يسابق روحه وسط الأزقة إلى أن يدرك باب الزاوية المفتوح، يكون الشيخ قد أكمل القصيدة، يشير للصبي بأن يجلس عند قدميه، ويكلمه بصوت هامس: ما أطيب هذا الكلام من أين جئت بها أيها الفتى؟
يشعر الصبي بالسعادة.. بشيء غامر يملأ صدره، يفكر في أن يطير أليس هناك من طاروا في هذا المكان من قبل وحكاياتهم يعرفها الجميع. ويشعر بخفة جسده وهيكله الذي بدأ يفقد وزنه الخفيف أصلا. يرسم في الغبش أمامه حكايات وصور ومشاهد وذكريات لسنوات مضت ليست بعيدة فهو ما زال صغير السن، ثم يهب للمستقبل البعيد يرى نفسه في هذا المكان ماسكا بالطار وهو يطير معه والمدائح ترسم المكان بالحبور والأماني.. يغني لليل منسوج بقمر بكة وحب السيد الأول ويشتاق للجنان العامرة بالخيرات.
[email protected]


تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 4419

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




عماد البليك
عماد البليك

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة