المقالات
السياسة
مأساة جنرالات خائفين (في شمال الوادي وجنوبه)
مأساة جنرالات خائفين (في شمال الوادي وجنوبه)
07-06-2015 04:13 PM




اكاد اجزم ان مصر الديمقراطية ادعي للاستقرار والسلام والتعاون الإقليمي والدولي. السؤال:هل مصر الديمقراطية بالضرورة هي مصر الإخوانية؟ وهل مصر الاخوانية هي بالضرورة مصر الارهابية (فالحوادث الاخيرة تشير الي ان الاخوان معتدي عليهم وليسو معتدين) ؟ واذا كان الامر كذلك، فهل هناك وسيلة ادعي من الحرية لدرء التطرف والاستبداد؟ هل هناك افضل من التجربة العملية اسلوبا للتخلص من الايدلوجيا والاوهام؟ صحيح ان العسكر اختطفوا مصر لفترة طويلة، لكنهم هذه المرة اقتلعوها من مرتكزاتها الروحية والفكرية، بيد ان هذا الأمر لن يطول وستجد القوي الليبرالية أنها أولي ضحايا الاستبداد وان عدم تمسكها بالديمقراطية كان بمثابة خيانة للضمير الوطني ونكوصا عن خانة الاعتدال وازورارا عن الطريق المؤدية حتما نحو التقدم والازدهار. ليس من العدل مطلقا ولا من الحكمة بدءا أن نقتبس من التجربة السودانية مثالا نحكم به علي كافة الدول العربية التي انتخبت المجموعات الاسلاموية؛ سيما أن هذا الخضم المرعب قد دفع بالتجربة الي حدودها اللاإنسانية التي جعلت الكل يتوجس من مجرد الالتفات نحوها ناهيك من ان يحذو حذوها.
يخطئ ديكتاتور مصر الصغير ان ظن ان الشعب قد فوضه لقتل بنيه؛ إن الشعب الذي ضحي بالحرية في سبيل الامن والاستقرار يجد نفسه اليوم منزلقا نحو التصفية الجسدية، المواجهات الميدانية والإدانات الدولية. الامر الذي يزيد من حدة الاستقطاب ويعيق من امكانية التخطيط المنبثق من رؤية اخلاقية تري الكل متساويا في حق المواطنة. تظل التنمية والعدالة الاجتماعية هما العنصران الغائبان اللازم ادراجهما في ألمعادلة الحكمية المنوط بها مواجهة التحديات عقلانيا (بعيدا عن اليوتوبيا) وواقعيا (أي دون الإهمال للواقع الإقليمي والدولي المعقد). في هذا يستوي الكل، علماني وغير علماني، من حيث التأرجح والميلان في ميزان الطغيان الفكري والافلاس المادي.
لا يحتاج الكاتب الي إدراج كثير أمثلة عن اضرار مصر الديكتاتورية علي العالم العربي علي المستويين السياسي والعسكري بيد أنه أصبح من الضروري تبيان آفة هذه الدولة (التي باتت منذ وقت غير قريب تدار بخلايا امنية ليس حتي جهاز امني متكامل ومحترف مهنيا)، وضررها علي أمن واستقرار الشعوب المجاورة خاصة السودان، كل ذلك بسبب الاستعلاء العرقي، النظرة التجزيئية وغياب البعد الاستراتيجي من أذهان الجنرالات؛ فقط التعويل علي عنصر الخوف عند الحاكم (من الربيع العربي) والمحكوم (من المجهول)، اعتماد التملقوالالتجاء الي التآمر.
اولا، لا أستطيع المغامرة بالقول أن "الديمقراطيين"في عالمنا سيكونون أكثر تبصرا بالواقع لكنهم سيكونون حتما أقل اعتدادابالإثم وأكثر انفتاحا علي الآخر؛ فهذا التقوقع الوجداني -في شمال الوادي وجنوبه- له خلفية تاريخية:(الخديوية والمهدية)، كما أن التمترس الفكري له خلفية مدرسية (القومية العربية والفكر الاخواني). لا العسكريين استطاعوا ان يغالبوا نزعاتهم الايدولوجية ولا الديمقراطيين استطاعوا ان ينزلوا بالممارسة الي المستوي الجماهيري. ولذا فان التفاوض علي المناهج التعليمية والتربوية (ليس الإملاء كما حدث علي أيام محي الدين صابر - الاغلب ظنا أنه كان مأخوذا وليس متآمرا كما يدعي البعض)ضروري كي تحدث الاستنارة الجماهيرية ليس فقط النخبوية. حتي يحدث ذلك لا يساورني شكا بان الأنظمة المصرية ذات الصبغة الامنية ستحبط أي محاولة سودانية (أو خليجية) للتموضع الاستراتيجي (وهذا ما سيدركه بعض القادة الخليجين الذين اندفعوا في دعم الديكتاتور الصغير دون روية او اولئك الذين اتخذوا خانة بين الخانتين)، التخطيط التنموي، والنهضة الأممية. وكل ما يحدث بين الرؤساء المصريين، خاصة العسكريين، وأولئك السودانيين هي مسائل بروتكوليه زخرفية الغرض منها استتباع الأخير للأول. لك ان تسترجع تجربة الحكم المايوي، المعارضة التي اعقبت نظام الانقاذ، وما امر التنصيب منا ببعيد.
ثانيا،إن العسكر رغم التفاوت الكبير في دوافعهم وملكاتهم يتوقون الي رؤية الميري(الزي العسكري) ويتصورون نظاما انضباطيا ينافي الطبيعة التشاكلية لدينامية الشعوب. فحكومة السودان "الاسلامية" لم تستنكف حكم الاعدام والاعمال الشاقة الذي اصدرته حكومة مصر "العلمانية" علي استاذ جامعي، جل ما اجترح من جرم انه مارس حقه الديمقراطي في الترشح والانتخاب، كأنما البلاد اصبحت حكرا لهم.لأنهم هم انفسهم قتلوا زملائهم في الشهر الحرام بحجة انهم علمانيين. إن ما نراه اليوم هو تحالف المستبدين مع شاكلتهم، حتما ليس تحالف الوادعين ضد الارهابيين.
ثالثا، ان النموذج الكولونيالي/الاستعماري الذي يتوخى في الدولة ادارة الاقتصاد، تبني نظام الحزب الواحد لتحقيق الانضباط السياسي، وتحقيق الانصهار/الاندماج الاثني قد فشل بسبب العولمة، الانسنة، الأحادية القطبية، الإعلام الكوكبي، الي اخره من الأسباب التي جعلت الاخير عالة علي الإرث الوطنيكما جعلت معتنقيه من العسكر عالة علي مؤسستهم وعلي مجتمعهم. وكلما أحسوا تغير وتبدل المعطيات كلما أمعنوا في التشبث ممسكين هذه المرة-- وقد خانتهم الشعارات الكبرى وخرافة العدو الخارجي -- بكل ما تبجحوا إتيانا لنفيه: القبلية، الجهوية، الأخطبوطية الحزبية وشاكلة الشتات الذي تحدثه وزارة الداخلية، الخوصصة، الارتماء في أحضان الشركات العالمية.أخيرا وليس آخرا،ركبوا موجة الإرهاب التي اتخذت مطية لتصفية الخصوم السياسيين ومبررا لتعطيل الدستور والعمل به.
رابعا، ان الرؤساء المنتخبين الذين يكابرون أو لا يدرون واقع هذا التحول يقعون في الفخ نفسسه فيستبدون ويصبحون علي شاكلة الديكتاتور، الذي يستعيض بإلباسالمدني عن البدلة العسكرية.ليس لدينا ازمة مسميات لدينا أزمة وعي وقد نبهني الدكتور محمد عابد الجابري رحمه الله لذلك (اختلاف المسمي لا يعني اختلاف الدلالة فالعلماني يتغمس سلوك شيخ المسيد والإسلامي يعاني حالة انفصام يداويها بالفصل بين ما هو زمني وما هو روحي)؛ مهمة المثقف لا تقتصر علي الاستماتة في تغيير الحاكم إنما في تعميق الوعي. إن المدنيين يمارسون الحكم بوعي عسكري وليس ديمقراطي(إمكانية الاستعانة بالقرين حال الزنقة)، ولذا فهم لا يسعون لتثقيف السياسة مفاهيما بالتركيز علي السياسات إنما سياسيويا بالتركيز علي الخلافات. كما أن العسكري يحكم باسم المؤسسة متحالفا مع ساسة متسلقين -يفضلون التزلف الي شاويش علي التثاقف مع شعوبهم - لتغويضها وتسريح زملائه. لا غرو، إن المؤسسة العسكرية تضررت من العسكريين أكثر مما تضررت من المدنيين. فهل كان انهيار الحكم في السودان إلا من جراء الاستبداد ومحاولة القفز فوق الواقع؟
خامسا، إن الخبر العظيم والمفرح انهم هم، أي العسكر، اليوم باتوا محاصرين ومنبوذين ومطاردين، الأدهى انهم اضحوا عاجزين، لا يملكون براعة حتي في التخطيط الإستراتيجي الذي دربوا عليه في الأكاديمية العسكرية (انظر تخلي حسني مبارك عن قضية جنوب السودان بل دعم التمرد هو والقذافي وتبني النظرة الداعية للانفصال)، كما أنهم أبعد الناس عن الانضباط الذي كثيرا ما تشدقوابه (كفي بك متأملا في ثروة الشاويش علي أو البكباشا عمر) وأهون في قلوب الآبعدين وقد كانوا يدعون منذ أمد بعيد أنهم الأقدر علي تمثيل السيادة الوطنية. لك ان تتصور إن همسا دار يوما بين المؤتمرين في مؤتمر حوار الحضارات الذي أقيم بالدوحة عام 2012 حول امكانية مجيء الرئيس السوداني مما سبب حرجا جعل المضيف يلتقيه في قاعة جانبية كي يتفادي خروج بعض الرؤساء الغربيين من القاعة، حادثة شبيهة كادت تحدث مع ألسيسي في السوق الأوروبية؛ كلاهما تحسب لتواجده في جنوب أفريقيا، الآخر كان أكثر حصافة فقرر عدم إقحام نفسه في هذا المعترك خاصة أنه لم يدع لنفسه بطولة وجعل البطولة من شأن المتنطعين الذين الفوا الهروب وخبروا الدروب.
ختاما، ليس العبرة بالتبرؤ من الاسلاميين (إخوانا كانوا ام سلفيين)، نبذ العلمانيين (شيوعيين كانوا بعثيين)، او البعد عن المصريين اوالعرب والتوجه حصريا صوب أفريقيا إنما في تحديد استراتيجية تنموية تحقق التكامل الحقيقي اجتماعيا واقتصاديا وتعود علي الكل بالفائدة المستدامة والإستقرار السياسي بعيدا عن المغامرات العسكرية والتحالفات الفوقية والبروتكولات العاطفية/الوجدانية. ولن يتأتى أي من ذلك إلا بالالتزام بشرعة الله الكونية التي تحرم سفك دم المسلم (لهوان الدنيا اهون عند الله من قتل امر مسلم)، احترام حق الانسان في المواطنة واقرار الديمقراطية المعمقة مشروعا لنهضة الانسان العربي والافريقي.



تعليقات 9 | إهداء 0 | زيارات 3097

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1299979 [ود الحاجة]
0.00/5 (0 صوت)

07-08-2015 10:57 AM
سامي و حامد عوض : نحن لسنا في غابة و استخدام كلمات مثل ( ينحرهم ) أمر مشين و مقزز و اعلموا أن العنف يولد العنف

[ود الحاجة]

ردود على ود الحاجة
European Union [حامد عوض] 07-08-2015 12:51 PM
أولا .. نحن في غابه كبيره جدا .. بس انت ما عايز تشوف
ثانيا .. النحر أفضل لجماعة الاسلام السياسي من الحرق وهم احياء كما فعلوا بالطيار الكساسبه الف رحمه علي روحه.


#1299817 [SomeOne]
0.00/5 (0 صوت)

07-08-2015 02:07 AM
YOU HAVE MADE A BIG MISTAKE THIS TIME ... DR. WALEID.... SUPPORTING TAMKEEN IN THE NORTH OF THE NILE VALLEY???!!! Ah

[SomeOne]

ردود على SomeOne
[ود الحاجة] 07-08-2015 10:54 AM
someone لا يجب الحكم على الاخرين بالنيات او التوقعات , لا بد من الوقوف على أرض الواقع


#1299429 [ديك الجن]
0.00/5 (0 صوت)

07-07-2015 12:27 PM
" لزوال الدنيـا أهـون عند الله من قتـل أمــرئ مســلم"

اضم صوتى إلى الأخ أبوشهاب فى أهمية وضرورة المراجعة والتدقيق يا دكتور وليد.

[ديك الجن]

#1299425 [حامد عوض]
0.00/5 (0 صوت)

07-07-2015 12:24 PM
ليس من العدل مطلقا ولا من الحكمة بدءا أن نقتبس من التجربة السودانية مثالا نحكم به علي كافة الدول العربية التي انتخبت المجموعات الاسلاموية؛


عفوا يا دكتور .. لم يأتي ألأسلامويون للسلطه عن طريق شرعيه أنتخابيه في السودان بل استولوا عليها عنوه وبالتالي ليس هناك أقتباس للتجربه.

دع السيسي ينحرهم جميعا غير مأسوف عليهم...

[حامد عوض]

ردود على حامد عوض
[abusami] 07-07-2015 11:44 PM
يا سلام عليك اعدامات بدون محاكمات شهداء رمضان يا رب السيسي ما يخلي ولا واحد اسلامي وكمان اعطيناة الاسلاميين بتاعنا اشرب دمهم يا السيسي.


#1299331 [abushanab]
0.00/5 (0 صوت)

07-07-2015 09:58 AM
مثله مثل عبدالله على ابراهيم و غيره من اللبراليين لا يرى فى ما حدث ويحدث بعد مرسى الا عودة للجنرالات ..الخائفين ..

يتحدثون عن الرئيس المنتخب و يتناسون ان الحرب العالمية الثانية اشعلها رئيس اخر منتخب ايضا ..هتلر كان ذلك الرئيس ..

يتحدثون عن فض رابعة ولا يرون تحت شمس رابعة النهار ضعف مرسى فى مواجهة مرشده واستبداد الجماعة بالجميع وبداية مشروع التمكين فى تعيين 12000 اخوانى فى اجهزة الدولة وتفصيل دستور من قماشة الاستبداد ثم اعلان دستورى يحصن ترهات الرئيس من احكام القضاء ..والقدر ..ولكن هيهات ..

لا يرى اللبراليون و اشباههم عصابات دولية فتحت بلادا على بعضها و ازالت الحدود بينها و وثقت للذبح و الحرق والرمى من شاهق ..

لنا عودة ان شاء الكريم ..

[abushanab]

#1299318 [سيف الدين خواجة]
0.00/5 (0 صوت)

07-07-2015 09:29 AM
قيل اخر ما قاله الراحل عبد الخالق حينما ساله نميري ماذا اعطيت قال (بعض وعي ) محنتنا تظل هي الوعي والاستنارة وللاسف الشديد النخب عموما هم كارثة السودان كما البرف عبد الله الطيب رغم فذلكتهم يقعون كالطير علي السلطة حيث يلتقط الحب خاصة النخب السودانية التي حولت وعيها لاستقطاب الجماهير لمصلحة ذاتية لا مصلحة وطنية فكل خوازيق السودان سببها الترابي بنزعة دينية والشريعه صار الخازوق الذي مزقنا مع ان الوعي الدسم يقول ان استمرار الديمقراطية فيه تجربة دسمه وخبرة انظر مثال ماليزيا ومهاتير محمد فكر وطنيا ولم يفكر ذاتيا وقدم استقالته تلقائيا حتي لا يكون مثالا يتالهه الناس او يحذون يريد لهم الانعتاق من شخصيته بوعي الي التجربة زمانها المتغير عندنا اعتقال الجماهير في الشخصية فكرا وسلوكا وهنا االكارثة لذلك كله الحمد لله لم انتمي لاي حزب لانني كنت اري انها ليست فكرية بقدرما ما هي شخصنة امور يدور في فلكها الناس سكاري وما هم بسكاري ولكنه قلة وعي او انبهار مما حجب الرؤية!!!شكرا يا رائع الحنة عظيمة ولكن لا احد يحس !!!

[سيف الدين خواجة]

#1299178 [abushihab]
0.00/5 (0 صوت)

07-07-2015 12:23 AM
الموضوع جميل..وكأنه كتب علي عجل..التدقيق والمراجعة مهمة. شكرا دكتور الوليد.

[abushihab]

#1299146 [ابوعديلة المندهش]
0.00/5 (0 صوت)

07-06-2015 10:28 PM
يا دكتور مادبو هل كنت تعتقد أن كيزان مصر كانوا سيتداولون السلطة سلميا أذا ما تمكنوا من السلطة وذاقوا عسيلتها ؟ وكل سياساتهم وقراراتهم كانت توحى بذلك, اقلاه الأعلان الدستورى الذى اعلنه مرسى وفيه يحصن قراراته ضد أى اعتراض حتى ولو كانت قرارات قضائية كأنها تنزيل من التنزيل .

[ابوعديلة المندهش]

#1299042 [salama]
0.00/5 (0 صوت)

07-06-2015 05:40 PM
يسلم يراعك يا رائع

[salama]

دكتور الوليد ادم مادبو
دكتور الوليد ادم مادبو

مساحة اعلانية





الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |الفيديو |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة