المقالات
السياسة
شتان ما بين القيم التي أورثنا لها الاستعمار وبين قيم الاستثمار في عهد الاستقلال
شتان ما بين القيم التي أورثنا لها الاستعمار وبين قيم الاستثمار في عهد الاستقلال
07-11-2015 04:07 AM


تعرضت في المقالة السابقة لتصرف الاستعمار الانجليزي لما أراد أن ينفذ أكبر مشروع زراعي عرفه السودان في تاريخه كيف انه لم يستغل السلطة ليستولى على الأراضي التي يحتاجها المشروع وينزعها من ملاكها مع انه مشروع ملك للدولة وليس لأشخاص إلا إن الاستعمار احترم حق ملاك الأراضي التي احتاجها مشروع الجزيرة ولم ينزع أي فدان منها وإنما ابرم كحكومة عقد إيجار بين الملاك والحكومة ليحتفظ للملاك بحقهم في الأرض وفى نفس الوقت أن تكون مصدر دخل يتكسبون منه من استحقاق الإيجار

وتعرضت في مقالة سابقة كيف أصبح الوضع بعد الاستقلال في عهد الحكم الوطني عندما بدأت هجمة الحكم على ملاك الأراضي حيث احترفت السلطة الوطنية انتزاع الأراضي من ملاكها ويا ليت الحكومة كانت تفعل ذلك لتنفيذ مشاريع ستمتلكها الحكومة وإنما تنزع الأراضي من أصحابها لتملك لجهات غير حكومية سواء كانت شركات أو شخصيات وهو ما كان يحظره القانون نفسه قيل أن يفرغ القانون من مضمونه ويصبح ما تريده سلطة الحكم الوطني له السيادة فوق القانون لهذا كان من الطبيعي أن تصبح الأراضي مصدرا للاحتكاك بين ملاكها وبين السلطة المعتدية على هذه الحقوق ولعلكم تذكرون كيف إن الانجليز أرادوا أن يضعوا أيديهم على جزء من جزيرة توتى في عام 44 وهو الجزء الذي تغمره المياه في موسم الفيضان ولم تكن رغبتهم يومها لمصالح أشخاص أو شركات وإنما كانت لإقامة كلية الزراعة التابعة لجامعة الخرطوم لحاجة
البلد للكلية بحكم إن السودان دولة زراعية وكانت الحادثة التي وجدت مقاومة رغم إن مبدأ النزع منهم كان للصالح العام وليس الخاص ولكن تحت مقاومة أهل توتي والذين استشهد احد أبنائهم في تلك المواجهة إلا إن الانجليز في نهاية الأمر تخلوا عن حق الدولة القانوني في انتزاع الأرض للصالح العام وليس الخاص وأسسوا كلية الزراعة في شمبات وبهذا بقيت الأرض حق لملاكها.

ولكن انظروا كيف أصبحت أراضى الملاك تحت الحكم الوطني كيف ولماذا تنزع حيث وظفت الأراضي التي تنزع فرضا من ملاكها لثلاثة استخدامات ليسبينها أن يكون انتزاع الأرض لمشروع حكومة إلا في حالات نادرة وإنما وجهت الأراضي المنزوعة لأوجه صرف تمثلت في ثلاثة نقاط:

- اتخذت الأرض مصدرا لتمويل الدولة عن طريق عن طريق البيع لتصبح ملك خاص وربما يكون الملاك من ضمن المشترين انسفهم فتباع لهم أراضيهم التي نزعت منهم سواء بالمزادات التجارية أو الخطط السكنية.

- ثانيا أن يستأثر بها أصحاب المراكز في السلطة خاصة إذا كانت في المواقع المميزة تحت مسميات مختلفة من جمعيات خيرية وهمية أو لأي سبب كان,

- وثالثا وهذا هو الأهم وموضوع هذه المقالة أن تمنح وتخصص لمن يسموهم قانونا مستثمرين وطنيين وأجانب وهؤلاء تخصص لهم مساحات واسعة تمنح بالمجان تحت شعار أو بدعة تشجيع الاستثمار وكونوا معي لتروا كيف إن الأراضي التي تمنح بمساحات واسعة لأدعياء الاستثمار تحت مزايا قانون الاستثمار تصبح مصادر ثراء لهم دون أن يكون هناك أي مردود للاقتصاد من الاستثمار الذي صدر قانون لتشجيعه من اجل دعمه.

تشجيع أي دولة للاستثمار وتقديم الدول الدعم للاستثمار من ارض وإعفاءات ضريبة وجمارك لفترة قد تمتد لخمسة سنوات لهو أمر وارد ولكن مردود الاستثمار يتعين عليه أن يضيف للاقتصاد أضعاف ما منح له من مزايا لا أن يكون خصما عليه لهذا فان أول علة في الاستثمار في السودان انه ليس قاصرا على المشروعات التي يوفر عائدها للدولة أضعاف ما منحته من مزايا هذا من جهة إلا إن الاستثمار الآن في السودان يشمل الكثير من الأنشطة
التي لا تصب في النهاية في دعم الاقتصاد وإنما تصبح لصالح المستثمر لعدم أهمية المجال المستثمر فيه ومع ذلك فان المستثمر في هذه المجالات يمنح دعومات المستثمر دون أن يكون هناك عائد اقتصادي منه حتى إن مفهوم الاستثمار المختل طال كل الأنشطة التجارية بسبب ما يتمتع به المستثمر ومن نفوذ في السلطة أو مقربين من مراكز القرار حتى أصبح الهدف من الاستثمار هو الحصول على الأرض والإعفاءات الجمركية والضريبية كوسيلة
للثراء وليس لدعم الاقتصاد

ولكن ليس هذا هو الجانب الأخطر والسلبي في بدعة الاستثمار وإنما الأخطر فيه انه يستغل من الكثيرين من الذين يتمتعون بمزاياه من إعفاءات من الذين يستغلون ثغرات القوانين ليحققوا مآربهم الشخصية لعدم توفر القيم الأخلاقية لدى الكثيرين من المصتفين مستثمرين والذين يستهدفون منه استغلال هذه الثغرات وليس خدمة الاقتصاد الذي تمنح المستثمر هذه المزايا من اجله توفير الأرض والإعفاءات الشركات المسجلة استثمار وفق قانون الشركات ولكون هذه الشركات شخصيات اعتبارية فان مالك الشركة ليس مسئول قانونا عن الشركة لان حقوق والتزامات الشركة الاستثمارية شانها والشركات العادية فان الوفاء بها قانونا وقف على ما تملكه الشركة وليس ما يملكه الأشخاص المالكين للشركة لهذا فان الشخصية الاعتبارية متى ثيت عجزها ماليا عن سداد التزاماتها تتم تصفيتها من الوجود وضياع حقوق كل من يكون له حقوق مادية لان مالكها ليس ملزما بتحمل مسئوليتها من أملاكه الشخصية وهو النظام القانوني المعمول ولم يكن مقصودا به أن يستغله طلاب الثراء الحرام فهو كما ترون يعتمد بصفة خاصة على القيم الأخلاقية ولكن متى انعدمت هذه القيم فان المردود يصبح عكسه ويصبح الاستثمار ليس إلا وسيلة لابتزاز الاقتصاد وليس دعمه.

دعني هنا أقدم نموذجا لمستثمر تمتع بكل مزايا الاستثمار حيث منح مساحة من الأرض كما منح إعفاءات جمركية وضريبية لخمسة سنوات فانه لا يصعب عليه أن يرهن الأرض التي منحت له ومع أي إضافات وهى في الأصل ارض حكومة بعد أننزعت من أصحابها لأي بنك تجارى وهنا ولسهولة التحايل على البنك بالتلاعب في تقييم قيمة الأرض حتى تبلغ المليارات وأضعاف حقيقتها إذ ليس هناك أسهل من التلاعب في تقييم قيمة الأرض بعد إن أصبح الطريق معبدا في البنك سواء لعلاقات شخصية أو لنفوذ أو عبر وسائل الإغراءات المادية التي لم يعد طريقها صعبا وفى النهاية يتسلم المستثمر ما تحقق له من مال الرهن ومن الإعفاءات الجمركية والضريبية ويحول كل هذه الأموال لممتلكات خاصة به ومسجلة باسمه وليس الشركة الاعتبارية مما يعجز الشركة الاستثمارية عن الوفاء بالتزاماتها وفى نهاية المطاف المحكمة جاهزة لتصفية الشركة بسبب عجزها عن السداد فتضيع أموال البنك وضاعت الأرض التي ستباع بقيمة اقل كثيرا من تقييمها بغرض الرهن و تضيع مستحقات كل الجهات التي لها ديون لصالحها على الشركة فتسقط قانونا بالتصفية لأنها مسؤولية الشركة الاعتبارية وليست مسئوليته المالك الذي أثرى من استغلال الاستثمار وجرده من قيمه عندما سخره ليثرى منه مستغلا عدم مسئوليته عن ديون الشركة الاعتبارية مع انه حقق ثراء فاحشا باستغلاله الأرض التي خصصت له

الإعفاءات الجمركية والضريبية التي لم تحقق أي دعم للاقتصاد الذي قدمت من اجله تسهيلات الأرض والإعفاءات الأمر الذي يستدعى مراجعة بدعة الاستثمار مراجعة جذرية لسد ثغراته ولإجراء إحصائيات دقيقة لما خسرته الدولة من أراضى ومن إعفاءات دون أن يكون هناك المقابل الاقتصادي الذي يبرر هذه المزايا.


تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 1652

خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook




التعليقات
#1301726 [سيف الدين خواجة]
0.00/5 (0 صوت)

07-11-2015 01:15 PM
شكرا استاذ النعمان واتمني ان تواصل هذه الحلقات باندياح اكثر تفصيل لبدعة الاستثمار الذي تاذي منه الوطن والمواطن وهو ماخور للفساد وقد اغنتيتني ان اكتب عنه فقد صار الاستثمار هو مسبغبة الوطن الكبري بل تعدي لدور التعليم الحكومية فقامت بها الاشكاك والدكانين للايجار كنوع من الاستثمار وهذا افسد فيه رهط من المدرسين والمتسلقين ما لا عين رات ولا اذن سمعت ودع عنك الاثار الجانبية لبيئة التعليم التي لا تحصي ولا تعد مما شوه القيمة التربوية لهذه المهنة الشريفة فعلا الاستثمار بدعة وجاهلية اولي واولي بالمحاربة وشكرا جزيلا

[سيف الدين خواجة]

النعمان حسن
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المقالات والتعليقات وكل الآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2017 www.alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة